“مركز دمشق المالي”.. جدوى اقتصادية مرهونة بالتمويل والبنية المؤسسية

زمن القراءة: 8 دقائق

في خطوة تعكس توجهاً اقتصادياً متصاعداً نحو إعادة تفعيل المواقع الاستثمارية الحيوية في العاصمة، شهدت دمشق وضع حجر الأساس لمشروع “مركز دمشق المالي” في منطقة البرامكة، ضمن إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص، في مشروع يُنظر إليه كمحاولة لإعادة توظيف موقع استراتيجي متوقف منذ سنوات طويلة وتحويله إلى مساحة عمرانية واستثمارية متعددة الاستخدامات.

ويأتي المشروع في سياق أوسع من التحركات الرامية إلى جذب الاستثمارات الكبرى وتوسيع النشاط الاقتصادي في سوريا، مع التركيز على تطوير نماذج عمرانية واقتصادية حديثة تجمع بين الأعمال والخدمات والسياحة، بما يعزز دور العاصمة كمركز اقتصادي واستثماري في المرحلة المقبلة.

قيمة رمزية واقتصادية

يمتد المشروع على مساحة 33 ألف متر مربع، وبمساحة طابقية تبلغ 240 ألف متر مربع، ويتألف من 6 أبراج متعددة الاستخدامات (سكنية وتجارية وسياحية)، إلى جانب مركز تجاري وخمسة طوابق تحت الأرض مخصصة لمواقف السيارات والخدمات.

ويضم المشروع برجاً سياحياً بارتفاع 42 طابقاً يُعد الأطول في دمشق، وبرجين سكنيين يحتويان على 550 وحدة سكنية ذكية، إضافة إلى ثلاثة أبراج مالية وتجارية تضم أكثر من 1000 مكتب ذكي لكبرى الشركات المحلية والعالمية، بطاقة استيعابية تصل إلى 350 شركة.

كما يشمل المشروع مواقف سيارات تتسع لأكثر من 2500 مركبة، ومساحات خضراء عامة تبلغ 5000 متر مربع، ومن المقرر تنفيذه خلال 4 إلى 5 سنوات، مع تحديث البنى التحتية المحيطة به، بما يشمل شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والاتصالات، إضافة إلى تحسين الطرق والحركة المرورية.

ورأى الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم، أن النظر إلى المشروع ينبغي أن يكون بعين متوازنة تفصل بين قيمته الرمزية وقيمته الاقتصادية الفعلية، مشيراً إلى أنه مشروع تطويرعقاري متعدد الاستخدامات أكثر منه مركزاً مالياً بالمعنى المؤسسي الدقيق، وهذا التمييز جوهري لفهم ما يمكن أن يقدّمه وما لا يستطيع تقديمه.

وأضاف عبد الكريم لصحيفة “الثورة السورية” أن المشروع يقوم على صيغة الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، أي أن الدولة تقدّم الأرض والإطار التنظيمي، بينما يتولى القطاع الخاص ممثلاً بشركة “سوريا القابضة” التمويل والتنفيذ والتشغيل، وهي صيغة تخفف الضغط عن الخزينة العامة في مرحلة تعاني فيها من شح الإيرادات، وتنقل جزءاً كبيراً من المخاطرة إلى المستثمر.

ولفت إلى أن الإشارة الأبلغ في هذا المشروع لا تقتصر على أبعاده الاقتصادية، بل تتجلى أيضاً في رمزيته، إذ بقي الموقع متوقفاً قرابة 15 عاماً في قلب العاصمة قرب جامعة دمشق وأسواق الحميدية، ويبعث إحياؤه رسالة ثقة برأس المال الوطني وبجدوى الاستثمار داخل البلد.

ومن زاوية الاقتصاد المكاني، فإن إعادة تفعيل أصلٍ معطّل في منطقة مركزية يسهم في رفع قيمة العقارات المحيطة وتنشيط حركة الخدمات والتجزئة، وهو ما يُعرف بـ”الأثر العمراني المضاعف”.

غير أنه من المهم الإشارة إلى أن ما جرى هو وضع حجر الأساس وليس افتتاحاً تشغيلياً، وأن المشروع لا يزال يبحث عن شريك استراتيجي عربي، كما لم يُحسم بعد هيكل التمويل الكامل.

وهذان العاملان يجعلان الجدول الزمني والتكلفة النهائية عرضة للتغيير، لا سيما في بيئة تتسم بعدم اليقين، بحسب الخبير عبد الكريم.

الهوية العمرانية والتراثية

يُنفذ مشروع “مركز دمشق المالي” بالشراكة بين محافظة دمشق وشركة “سوريا القابضة”، وفق نظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، وضمن أحكام قانون الاستثمار، ليشكّل وجهة مالية واستثمارية متكاملة في قلب العاصمة، بحسب ما أكده محافظ دمشق ماهر مروان إدلبي في كلمة خلال الافتتاح.

وأوضح إدلبي أن المشروع أُعيد تنظيمه وفق رؤية تراعي الحفاظ على الهوية العمرانية والتراثية لدمشق، بما يوازن بين الحداثة واحترام الإرث التاريخي للمدينة، لافتاً إلى أن المشروع سيسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية، وسيشكّل معلماً عمرانياً بارزاً ومركزاً حيوياً للأعمال والسياحة والخدمات في قلب العاصمة.

وأضاف أن البرج السياحي، وهو الأعلى ضمن المشروع، سيتألف من 42 طابقاً، ويضم غرفاً وشققاً فندقية وأجنحة رئاسية وملكية، فيما ستتراوح ارتفاعات الأبراج الأخرى بين 20 و30 طابقاً، بما ينسجم مع الهوية العمرانية للعاصمة دمشق.

وأشار إلى أن المخططات الأولية للمشروع خضعت لتعديلات بالتعاون مع الشركة المنفذة، بهدف تحقيق التوازن بين متطلبات التطوير العمراني وطبيعة المنطقة المحيطة، مؤكداً أن مواقع أخرى قد تتيح مستقبلاً تنفيذ مشاريع بارتفاعات أكبر.

وفيما يتعلق بالجدول الزمني للتنفيذ، بيّن المحافظ أن الأعمال التحضيرية انطلقت بالفعل، وتشمل تجهيز الموقع وتأهيل البنية التحتية وتأمين المعدّات والمواد اللازمة، على أن تستمر هذه المرحلة نحو شهرين، يتم خلالها استكمال المخططات التنفيذية والوثائق الفنية تمهيداً للانتقال إلى مرحلة التنفيذ الميداني.

وأكد المحافظ أن دمشق مقبلة على سلسلة من المشاريع الاستثمارية والتنموية الجديدة التي ستنطلق تباعاً خلال الفترة القريبة المقبلة في قطاعات التطوير العقاري والإنشاءات والسياحة والتجارة والخدمات، بما يعكس مرحلة جديدة من البناء والتنمية.

ولفت إلى أن اليد العاملة السورية ستبقى الركيزة الأساسية في تنفيذ هذه المشاريع، ما يجعلها رافعة اقتصادية حقيقية تسهم في تنشيط الاقتصاد الوطني منذ اليوم وحتى اكتمال التنفيذ خلال السنوات القادمة، موضحاً أن عامي 2026 و2027 سيكونان عامي تنفيذ وإنجاز، مشيراً إلى اتفاق محافظة دمشق مع شركة “سوريا القابضة” على تخصيص ما بين 25 و30 بالمئة من فرص العمل للشباب والخريجين الجدد والكفاءات الوطنية، بما يتيح لهم اكتساب الخبرات والمشاركة الفاعلة في عملية التنمية.

وظائف دائمة

يرى الخبير الاقتصادي عبد الكريم، أن الأرقام الإيجابية المعلنة للمشروع تعكس حجماً استثمارياً كبيراً في بلد ترتفع فيه معدلات البطالة بشكل حاد، محذراً من أن وظائف مرحلة الإنشاء تبقى مؤقتة بطبيعتها وترتبط بدورة البناء، في حين أن المعيار الحقيقي يتمثل في حجم الوظائف الدائمة التي يولدها التشغيل، إلى جانب نوعيتها ومستوى الأجور فيها.

وأضاف أن النقطة الأكثر أهمية تتمثل في أن التسمية وحدها لا تصنع مركزاً مالياً، فالمراكز المالية الحقيقية في المنطقة، من دبي إلى الرياض، تقوم على بنية مؤسسية متكاملة تشمل إطاراً رقابياً وقانونياً واضحاً، وأسواق رأس مال عميقة وذات سيولة، ومنظومة تحكيم تجاري وحوكمة شفافة، إلى جانب قطاع مصرفي وتأميني قادر على وساطة التمويل.

ومن هنا يكتسب المشروع معناه الأوسع إذا قُرئ ضمن سياق أشمل من إعادة تنشيط البنية المالية السورية، بما يشمل إعادة افتتاح سوق دمشق للأوراق المالية في حزيران من العام الماضي، والإعلان في نيسان الماضي عن توجه لإطلاق سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب، إلى جانب المباحثات مع مؤسسة التمويل الدولية مطلع العام حول إمكانية وجودها في دمشق.

وعند هذا التقاطع تحديداً، حيث تتلاقى الحاضنة المؤسسية مع الحاضنة العمرانية، يمكن للمشروع أن يتجاوز كونه مجمعاً عقارياً فاخراً ليتحول إلى نواة مركز مالي بالمعنى الوظيفي، وفقاً للخبير عبد الكريم.

وشدد على أن المشروع يمثل خطوة إيجابية ضمن مسار أوسع لإعادة تشغيل الاقتصاد، وتستحق التقدير من حيث الإشارة والتوقيت وآلية التمويل التي لا تثقل الموازنة العامة، إلا أن نجاحه الفعلي يبقى مرهوناً بثلاثة عوامل رئيسية: توفر التمويل والشريك الاستراتيجي، واستقرار البيئة الكلية من حيث سعر الصرف ومناخ الأعمال وتخفيف القيود الخارجية على القطاع المالي، وأن يُرفق العمران ببنية مؤسسية ورقابية تمنح الاسم مضمونه، وعندها يصبح “مركز دمشق المالي” رافعة تنموية حقيقية لا مجرد معلم معماري في قلب العاصمة.

نور جوخدار

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار