في تحوّل لافت ضمن مسار قطاع الطاقة، يبرز دخول شركتين أميركيتين إلى مجال تطوير حقول الغاز كإحدى أبرز الإشارات على تزايد الاهتمام الدولي بالاستثمار في هذا القطاع الحيوي. وتأتي هذه الخطوة في وقت تعمل فيه الحكومة على إعادة تأهيل البنية الإنتاجية وتعزيز قدرات البلاد في مجال الطاقة، بما ينعكس على استقرار الكهرباء ودعم مسارات التعافي الاقتصادي، في ظل تحديات ممتدة فرضها الإرث الثقيل الذي خلفه النظام المخلوع وتراجع الإنتاج المحلي.
ووقعت الشركة السورية للبترول، أمس الثلاثاء، عقداً مع شركتي “كونوكو فيليبس” و”نوفاتيرا إنرجي” الأميركيتين، لتطوير عدد من حقول الغاز في سوريا ورفع إنتاجها، ضمن مسار يهدف إلى دعم منظومة الطاقة وتعزيز إمدادات الكهرباء والقطاعات الحيوية، وإعادة تأهيل البنية الإنتاجية وفق أحدث المعايير الفنية.
وجرى توقيع العقد في مبنى وزارة الطاقة بدمشق، في خطوة تمثل تتويجاً لمسار عمل مشترك بدأ بتوقيع مذكرة تفاهم بين الأطراف المعنية، أعقبها عدد من الاجتماعات والمباحثات الفنية والقانونية والتجارية، ركزت على إعداد الدراسات اللازمة وصياغة الأطر التنفيذية للمشروع، وصولاً إلى الاتفاق على بنود العقد وآليات تنفيذه. وتعدّ شركة “كونوكو فيليبس” من أكبر شركات الاستكشاف والإنتاج المستقلة في العالم.
ويهدف المشروع إلى رفع إنتاج الغاز من الحقول المستهدفة وتطوير بنيتها التشغيلية وفق أحدث المعايير الفنية، إضافة إلى دعم خطط تطوير قطاع الطاقة واستقطاب الخبرات والاستثمارات الدولية للمساهمة في إعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية للقطاع.
وأوضحت وزارة الطاقة أن هذه الخطوة تعكس توجه الدولة السورية نحو تعزيز إنتاج الغاز الوطني وتطوير البنية التشغيلية للحقول العاملة في البلاد.
وعقب توقيع العقد، استقبل السيد الرئيس أحمد الشرع، في قصر الشعب بدمشق، الرئيس التنفيذي لشركة “كونوكو فيليبس” ريان لانس، والرئيس التنفيذي لشركة “نوفاتيرا إنرجي” أليكس ماكدونالد، ورجل الأعمال السوري أيمن أصفري، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، ووزير الطاقة محمد البشير، والرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي.
وجرى خلال اللقاء بحث آفاق التعاون في قطاع الطاقة، وسبل تطوير البنية التشغيلية لحقول الغاز وتعزيز إنتاج الغاز الوطني.
وأكد وزير الطاقة محمد البشير، أن توقيع هذا العقد “يمثل محطة مهمة في مسار تطوير قطاع الطاقة في سوريا، ويعكس عودة الثقة الدولية ببيئة الاستثمار في القطاع، وقدرة المؤسسات الوطنية على بناء شراكات استراتيجية فاعلة”.
وأضاف: “نتطلع من خلال هذا المشروع إلى زيادة إنتاج الغاز الوطني وتعزيز إمداداته، بما يدعم استقرار منظومة الطاقة، ويرفع كفاءة البنية التحتية للقطاع، ويسهم في تسريع جهود التعافي الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة بالاعتماد على مواردنا الوطنية وخبراتنا وكوادرنا، وبالتعاون مع شركائنا الدوليين”.
من جهته، قال الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي، إن توقيع هذا العقد يمثل “خطوة مهمة في مسار تطوير قطاع الغاز في سوريا، ويعكس ثقة الشركاء الدوليين بفرص الاستثمار المتاحة في القطاع، ونتطلع من خلال هذا التعاون إلى زيادة الإنتاج وتحسين الكفاءة التشغيلية ودعم منظومة الطاقة، بما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني واحتياجات المواطنين”.
كما أشار رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة “كونوكو فيليبس” ريان لانس، إلى أن العقد يهيئ إطاراً لاستعادة وتطوير إنتاج الغاز.
وأعرب الرئيس التنفيذي لشركة “نوفاتيرا إنرجي” أليكس ماكدونالد، عن تطلعه للعمل مع الشركاء والحكومة السورية لإنجاح هذا المشروع.
من الاستيراد إلى الإنتاج
تراجع إنتاج الغاز في سوريا بنحو الثلثين مقارنة بمستواه قبل عام 2011، عندما بلغ نحو 30 مليون متر مكعب يومياً. وتشير التقديرات إلى أن البلاد تحتاج إلى نحو 18 مليون متر مكعب من الغاز يومياً لتشغيل شبكة الكهرباء، في وقت تعتمد فيه حالياً بشكل كبير على الاستيراد، وسط استمرار انقطاعات الكهرباء، رغم تحسن ساعات التغذية بشكل ملحوظ خلال الأسابيع الأخيرة.
ومع استمرار جهود جذب الاستثمارات وتأهيل البنية التحتية، يمكن لهذه الاتفاقية أن تشكل نموذجاً لشراكات إعادة الإعمار، كما يرى المحلل الاقتصادي شادي سليمان، كونها تسهم في تحويل سوريا من دولة مستوردة للطاقة إلى منتج فاعل يلبي احتياجاته المحلية ويفتح أبواب التصدير مستقبلاً.
وأوضح سليمان لصحيفة “الثورة السورية” أن هذه الاتفاقية تأتي في سياق جهود الحكومة السورية لإحياء قطاع النفط والغاز الذي تعرض لأضرار جسيمة وتراجع حاد في الإنتاج خلال سنوات الحرب، حيث توقفت العديد من الحقول الرئيسية عن العمل وتعرضت بنيتها التحتية للدمار.
وأضاف أن الاتفاقية قد تشكل نقلة نوعية في القدرات الإنتاجية لسوريا، إذ تشير التوقعات إلى أن إنتاج الغاز قد يرتفع بمقدار 4 إلى 5 ملايين متر مكعب يومياً خلال عام واحد من استئناف التشغيل.
وإلى جانب إعادة تأهيل الحقول البرية، وسّعت سوريا نطاق التعاون مع الشركات الأميركية ليشمل الاستكشاف البحري، حيث وقّعت مذكرة تفاهم مع شركة “شيفرون” الأميركية وشركة “باور إنترناشونال” القابضة القطرية للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية، وهي خطوة تضع سوريا في موقع تنافسي ضمن حوض المشرق الغني بالغاز، وفق سليمان.
والشهر الماضي، أكدت الشركة السورية للبترول تلقيها إشعاراً رسمياً من “شيفرون” للمضي قدماً في مشروع البلوك البحري الذي تم اختياره بالتعاون مع “باور إنترناشونال”، تمهيداً لاستكمال الترتيبات التعاقدية وإطلاق العمليات الفنية خلال صيف العام الجاري.
وأوضحت الشركة حينها أن المشروع يمثل خطوة استراتيجية مهمة في مسار تطوير قطاع النفط المحلي، ويؤسس لأول عملية استكشاف بحري للمياه العميقة ضمن المياه الإقليمية السورية.
مكاسب مرتقبة
منذ أواخر عام 2011، علّقت شركات غربية عدة، من بينها “شل” و”توتال إنرجيز”، عملياتها في سوريا، وأعلنت حالة القوة القاهرة، وجمّدت أصولها.
وكانت الولايات المتحدة قد خففت العقوبات المفروضة على سوريا العام الماضي، ما أتاح المجال أمام “كونوكو فيليبس” وشركات أميركية أخرى للاستثمار في سوريا، رغم استمرار التحديات التنظيمية.
وقال أندرو تابلر، المستشار السابق لشؤون سوريا في الإدارة الأميركية الأولى للرئيس دونالد ترامب، والباحث حالياً في معهد واشنطن، لصحيفة “فاينانشال تايمز”: “إنها لحظة مفصلية، ومن الجيد أن تدخل الشركات إلى سوريا، فعندما يصبح لديك عقد يمكنك البدء بالتحرك، ويبقى السؤال عن سرعة التنفيذ”.
وأضاف: “الإدارة الأميركية تتحدث عن تخفيف العقوبات، والشركات تأمل في أن تكون من أوائل الداخلين إلى السوق السورية”.
ورأى المحلل سليمان أن الاتفاقية من شأنها تعزيز أمن الطاقة وتخفيف أعباء الاستيراد والتكاليف، إذ إن إعادة تأهيل حقول الغاز ورفع الإنتاج سيسهمان في تعزيز إمدادات الغاز اللازمة لتوليد الكهرباء والاستهلاك المحلي، وفي تخفيف الأعباء المالية المترتبة على الاستيراد، خاصة مع حاجة سوريا إلى كميات كبيرة من الغاز لتشغيل محطات الطاقة الجديدة.
كما قد تسهم الاتفاقية في جذب استثمارات أجنبية جديدة وفتح آفاق أوسع للتعاون الدولي، إذ يتيح الاستثمار في قطاع الطاقة فرص عمل جديدة، ويساعد في تحريك عجلة النمو والإنتاج، بما ينعكس إيجاباً على المستوى المعيشي، وفق سليمان.
وأضاف أن رفع الإنتاج سيؤدي إلى زيادة الإيرادات الحكومية من عائدات الغاز، ما يسهم في تمويل الموازنة العامة وتقليل العجز، فضلاً عن أن تنويع مصادر الدخل بعيداً عن الاعتماد المفرط على النفط الخام سيعزز استقرار الاقتصاد الكلي.
ولفت سليمان إلى أن التقديرات الدولية تشير إلى أن سوريا تحتاج إلى ما بين 250 و400 مليار دولار لإعادة بناء ما دمرته الحرب، ويُعد قطاع الطاقة ركيزة أساسية في أي جهد لإعادة الإعمار، إذ يوفر الكهرباء للمصانع والمستشفيات والمدارس، ويخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.
وتُعد احتياطيات سوريا من النفط والغاز مصدراً مهماً محتملاً للإيرادات.
تأهيل شامل
في إطار جهودها الأوسع لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية إلى قطاع الطاقة، وقعت الحكومة السورية خلال الأشهر الأخيرة عدداً من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مع شركات دولية وإقليمية لتطوير حقول النفط والغاز، من بينها “شيفرون” و”قطر للطاقة” و”توتال إنرجيز” و”دانة غاز” الإماراتية.
ورأى الخبير الاقتصادي حسام عايش، أن اتفاقيات استكشاف النفط والغاز والطاقة بشكل عام تُعد جزءاً من عملية إعادة التأهيل الشامل للاقتصاد السوري، وتشكل الآلية الأفضل لجذب الاستثمارات من شركات عالمية تمتلك خبرات ومقدرات كبيرة، بما ينعكس على تحسين كميات الغاز المنتجة، خاصة أن هذه الاتفاقية، وفق تصريحات سابقة، تهدف إلى رفع إنتاج الغاز بنحو 4 إلى 5 ملايين متر مكعب يومياً خلال عام واحد، إضافة إلى استكشاف حقول جديدة.
وقال عايش لصحيفة “الثورة السورية” إن هذا الاستثمار يأتي في وقت كانت فيه “كونوكو فيليبس” و”توتال إنرجيز” والشركة السورية للبترول وقطر للطاقة تعمل معاً على استكشاف الغاز البحري في المياه الإقليمية السورية، مشيراً إلى وجود احتياطات كبيرة من الغاز في المنطقة، لافتاً إلى أن بعض التقديرات السابقة تحدثت عن أن الاستكشافات الطاقية والغازية في شرق المتوسط، بما في ذلك الساحل السوري، قد تعيد تشكيل خريطة الاهتمام العالمي بالطاقة باتجاه شرق المتوسط بدلاً من بعض مناطق الإنتاج التقليدية.
ويأتي ذلك في ظل أزمة طاقة مزمنة تعيشها سوريا حالياً، مع تراجع إنتاج الغاز من نحو 30 مليون متر مكعب يومياً عام 2011 إلى ما يقارب ثلث هذا المستوى، أي نحو 7 إلى 8 ملايين متر مكعب يومياً أو أقل، في حين تُقدّر الحاجة اليومية بنحو 23 مليون متر مكعب من الغاز، إضافة إلى نحو 5 ملايين طن من الفيول لتأمين احتياجات توليد الكهرباء في مختلف أنحاء البلاد.
وبحسب عايش، فإن هذه الاتفاقيات ستلعب دوراً مهماً في هذا الاتجاه، خاصة أنها عادة ما تكون طويلة الأمد بطبيعتها.
وأوضح أن مثل هذه الاتفاقيات تلعب دوراً مهماً في اقتصادات الدول المختلفة، لا سيما في الحالة السورية، مشيراً إلى أن اتفاقيات استكشاف الغاز تكتسب أهمية استثنائية مقارنة بالنفط، في ظل معاناة الاقتصاد السوري من أزمة كهرباء، ما يجعلها مرتبطة بشكل مباشر بالبنية التحتية الأساسية لإعادة الإعمار وإعادة تنشيط الاقتصاد.
وأضاف أن أهمية هذه الاتفاقية تكمن في كونها تسهم في معالجة أزمة الكهرباء، إذ يُعد الغاز الطبيعي الوقود الرئيسي لمحطات توليد الطاقة الكهربائية، وأي اكتشافات جديدة من شأنها أن تنعكس على زيادة ساعات التغذية الكهربائية وتقليص الاعتماد على الوقود المستورد القادم من مصادر عدة، في ظل الاتفاقية السورية مع الأردن لتوريد الغاز إلى سوريا، واتفاقية الغاز القطري بواقع نحو مليوني متر مكعب يومياً عبر خط الغاز العربي، إضافة إلى إمدادات الغاز الأذربيجاني التي تتراوح بين 3 و4 ملايين متر مكعب يومياً.
ولفت إلى أن الاكتشافات الغازية الجديدة من شأنها دعم تشغيل المصانع والمنشآت الاقتصادية، وهو ما يُعد الأثر الاقتصادي الأبرز على المدى القصير والمتوسط، إلى جانب أثرٍ بعيد المدى يتمثل في تعزيز تنافسية الاقتصاد.
كما أن هذه الاستكشافات والكميات الإضافية المنتجة ستسهم في خفض فاتورة مستوردات الطاقة وتخفيف الضغط على القطع الأجنبي، بما ينعكس على تعزيز الاحتياطي وتحسين ميزان المدفوعات، وهو ما يدعم استقرار الليرة السورية، إلى جانب دعم الاستثمار والصناعة.
وتمثل الطاقة الأساس لأي عملية إنتاجية، وعندما تصبح الكهرباء والغاز أكثر توفراً، فإن ذلك يؤدي إلى خفض تكاليف الإنتاج وتحسين تنافسية المنتجات السورية، ما ينعكس على زيادة صادراتها ورفع جاذبية الاستثمار المحلي والأجنبي.
وأشار عايش إلى أن ذلك من شأنه أن يسهم في دفع عجلة التنمية وتوسيع الصناعات والمصانع القائمة، إضافة إلى تشجيع الاستثمار في مشاريع جديدة، كما يعزز الإيرادات الحكومية، خاصة في حال تحولت هذه الاستكشافات إلى إنتاج تجاري مجدٍ، بحيث تستفيد الحكومة من حصتها من الإنتاج والضرائب والرسوم وعوائد التصدير مستقبلاً. وفي ظل الظروف الحالية، فإن ذلك يوفر موارد مالية مهمة للموازنة العامة، ويدعم عملية إعادة إعمار البنية التحتية والمرافق المختلفة.
رسائل إيجابية للأسواق
بمجرد التوقيع مع شركات استكشاف أجنبية، فإن ذلك من شأنه أن يجذب الاستثمارات ويوجه رسائل إيجابية للأسواق بأن الآلية الاستثمارية في سوريا تشهد تحسناً، وأن مستويات المخاطر في تراجع، وأن هناك فرصاً استثمارية طويلة الأجل، وفق عايش.
وأوضح أن الاستثمارات في قطاع الطاقة غالباً ما تكون من أوائل الاستثمارات الكبيرة التي تسبق دخول الاستثمارات إلى قطاعات أخرى، كونها توفر البنية التحتية اللازمة لها.
لكن عايش شدد على أن الأثر الاقتصادي لن يكون فورياً، إذ قد تستغرق مرحلة الاستكشاف ما بين 3 إلى 5 سنوات قبل الوصول إلى مرحلة الإنتاج الفعلي.
وفي جميع الأحوال، فإن الفائدة الاقتصادية تبقى مرهونة بحجم الاحتياطات المكتشفة، إضافة إلى الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي، وتوفر البنية التحتية للنقل والمعالجة، والإطار القانوني والتنظيمي للاستثمار، وهو ما يُعد في أعلى سلم الأولويات عند استقطاب استثمارات كبيرة في قطاعات استراتيجية، ومنها قطاع الغاز والنفط، وفق عايش.
وفي حال نجاح عمليات الاستكشاف وإثبات وجود احتياطات تجارية، كما تشير القراءات الأولية، فإن الغاز قد يتحول إلى أحد أبرز محركات تعافي الاقتصاد السوري خلال المرحلة المقبلة، ليس فقط عبر الإيرادات المالية وتخفيف تكاليف الاستيراد، بل أيضاً عبر معالجة أزمة الكهرباء وتحفيز الاستثمار ودعم جهود إعادة الإعمار.
وأكد عايش أن هذه الاتفاقيات تمثل مؤشراً إلى عودة النشاط الاستثماري طويل الأمد بعد سنوات الحرب، وبالتالي فإن عوائد هذه الاستكشافات مرشحة لأن تكون ذات أثر مهم في الاقتصاد والتنمية.
ميساء العلي
المصدر: الثورة السورية
