العالم الاقتصادي- محمد النجم
يمثل نهر الفرات الشريان المائي الأهم في سوريا، فهو يساهم بشكل مباشر في دعم الأمن المائي والغذائي والطاقة الكهربائية لملايين السكان، ومع تزايد معدلات الهطولات المطرية وارتفاع كميات المياه الواردة من تركيا (دولة المنبع) خلال الأسابيع الأخيرة، شهدت المناطق الواقعة على ضفاف النهر حالات من ارتفاع المنسوب تحولت إلى فيضانات أثرت على السكان والبنية التحتية والأنشطة الاقتصادية.
ورغم الخسائر التي قد تنتج عن هذه الظاهرة الطبيعية، فإن خبراء الاقتصاد والموارد المائية يرون أن إدارة الفيضانات بشكل علمي يمكن أن تحول التحديات إلى فرص تنموية كبرى، خصوصاً في مجالات الزراعة والطاقة الكهرومائية وإعادة تغذية المياه الجوفية.
أهمية اقتصادية
يمتد نهر الفرات داخل الأراضي السورية لمسافة تقارب 675 كيلومتراً، ويشكل المصدر الرئيسي للمياه السطحية في البلاد، وتشير تقديرات الموارد المائية السورية إلى أن حوض الفرات كان يؤمن قبل سنوات الجفاف والأزمات أكثر من 40% من إجمالي الموارد المائية المتاحة في البلاد.
كما تعتمد محافظات الرقة ودير الزور وأجزاء من حلب والحسكة بشكل كبير على مياه النهر في ري الأراضي الزراعية، وتقدر المساحات القابلة للري ضمن حوض الفرات بأكثر من 600 ألف هكتار، ما يجعل النهر الركيزة الأساسية للإنتاج الزراعي السوري في المنطقة الشرقية.
وتبرز أهمية النهر أيضاً في قطاع الطاقة، حيث تعتمد عدة منشآت كهرومائية رئيسية على مياهه، أبرزها سد الفرات (الطبقة)، والتي كانت تنتج مجتمعة قبل الحرب ما يزيد على 2500 غيغاواط ساعي سنوياً من الكهرباء في بعض السنوات.

أضرار مباشرة
عندما يرتفع منسوب النهر بصورة مفاجئة تتعرض العديد من المناطق الزراعية لخطر الغمر، وتؤدي الفيضانات إلى تلف المحاصيل الموسمية، وانجراف التربة الزراعية، وإلحاق أضرار بشبكات الري والصرف.
وتشير تقديرات منظمات دولية إلى أن الفيضانات في مناطق الشرق السوري خلال السنوات الماضية تسببت بخسائر اقتصادية بملايين الدولارات نتيجة تضرر الأراضي الزراعية والطرق والمنشآت الخدمية.
كما تواجه التجمعات السكانية القريبة من مجرى النهر مخاطر مباشرة تتمثل في تضرر المنازل والبنية التحتية، إضافة إلى تعطيل الأنشطة التجارية والنقل بين المدن والبلدات الواقعة على ضفتي النهر.
تأثير زراعي
يعد القطاع الزراعي الأكثر حساسية لارتفاع منسوب المياه، ففي حال تجاوز المياه حدود المجاري الطبيعية قد تتعرض آلاف الهكتارات للغمر الكامل، ما يؤدي إلى خسارة محاصيل القمح والشعير والقطن والخضراوات، لكن الصورة ليست سلبية بالكامل، إذ تؤكد الدراسات الزراعية أن الفيضانات المعتدلة تساهم في ترسيب كميات كبيرة من الطمي والعناصر المغذية للتربة، ما يزيد خصوبتها ويخفض الحاجة إلى الأسمدة الكيميائية.
وفي العديد من دول العالم، مثل مصر والسودان والصين، أسهمت الإدارة المنظمة لمياه الفيضانات في تحسين إنتاجية الأراضي الزراعية على المدى الطويل، وهو ما يمكن الاستفادة منه في سوريا إذا جرى تطوير أنظمة حديثة للتحكم بالمياه.
قطاع الطاقة
يمثل ارتفاع منسوب الفرات فرصة مهمة لتعزيز إنتاج الكهرباء، فكل زيادة في حجم المياه المخزنة خلف السدود تنعكس إيجاباً على كفاءة التوربينات الكهرومائية وقدرتها الإنتاجية.
ويبلغ التخزين التصميمي لبحيرة الفرات، التي تشكلها مياه سد الفرات، نحو 11.7 مليار متر مكعب من المياه، وعندما تقترب البحيرة من مستويات التخزين المثلى، يمكن رفع إنتاج الطاقة الكهربائية وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي المكلف.
وفي ظل التحديات التي تواجه قطاع الكهرباء السوري، فإن الاستفادة القصوى من الطاقة الكهرومائية قد توفر ملايين الدولارات سنوياً من تكاليف استيراد الوقود أو تشغيل محطات التوليد الحرارية، كما أن الطاقة المائية تعد من أكثر مصادر الطاقة النظيفة استدامة، إذ لا تنتج انبعاثات كربونية كبيرة مقارنة بالمصادر التقليدية.

جهود حكومية
الحكومة السورية اعتمدت على مجموعة من الإجراءات لمواجهة مخاطر ارتفاع منسوب الفرات، شملت المراقبة المستمرة للمناسيب المائية، والتنسيق بين الجهات المعنية بإدارة السدود، وإطلاق التحذيرات المبكرة للسكان في المناطق المعرضة للخطر، كما تم العمل على تنظيم تصريف المياه عبر السدود بما يضمن الحفاظ على سلامة المنشآت المائية وتقليل مخاطر الفيضانات في المناطق المأهولة.
وشملت الإجراءات أيضاً تنفيذ أعمال تدعيم للسواتر الترابية والجسور الواقية وتنظيف مجاري التصريف والقنوات المائية، إضافة إلى تجهيز فرق الطوارئ للتعامل مع أي حالات إخلاء أو إنقاذ محتملة، ورغم أهمية هذه الجهود، فإن التحديات الاقتصادية والبنية التحتية المتضررة خلال السنوات الماضية تجعل الحاجة ملحة لتطوير منظومة أكثر شمولاً لإدارة الكوارث المائية.
خسائر محتملة
في سوريا لا توجد حتى الآن تقديرات رسمية شاملة وموحدة يمكن الاعتماد عليها لحساب الخسائر الاقتصادية الناجمة عن أي ارتفاع حديث في منسوب نهر الفرات على مستوى البلاد بأكملها، إذ تعتمد قيمة الخسائر على عدة عوامل، منها مساحة الأراضي المغمورة، وعدد السكان المتضررين، وحجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والسدود والمحاصيل الزراعية.
وتشير التقديرات الدولية إلى أن الكوارث المرتبطة بالفيضانات تمثل نحو 40% من إجمالي الخسائر الناتجة عن الكوارث الطبيعية عالمياً.
وفي حال حدوث فيضانات واسعة النطاق على ضفاف الفرات، يمكن أن تشمل الخسائر تضرر آلاف الهكتارات الزراعية، وانخفاض الإنتاج الغذائي، إضافة إلى خسائر في الثروة الحيوانية، وتدمير طرق وجسور وشبكات كهرباء، إلى جانب تكاليف إضافية لإعادة الإعمار والصيانة، ونزوح مؤقت للسكان من المناطق المتضررة، وتزداد هذه الخسائر مع غياب التخطيط المسبق أو ضعف البنية التحتية الخاصة بالحماية من الفيضانات.

استثمار المياه
بدلاً من اعتبار ارتفاع منسوب النهر تهديداً فقط، يمكن تحويله إلى فرصة اقتصادية استراتيجية، فالعديد من الخبراء يدعون إلى إنشاء أحواض تخزين إضافية ومشاريع حصاد مائي تستوعب الفوائض المائية خلال مواسم الغزارة، ثم إعادة استخدامها خلال فترات الجفاف، ويمكن لهذه المشاريع أن ترفع الاحتياطي المائي الوطني بمئات الملايين من الأمتار المكعبة سنوياً، وهو ما يعزز الأمن المائي والزراعي في البلاد، كما أن تخزين المياه يساهم في استقرار الإنتاج الزراعي ويقلل تأثير التغيرات المناخية التي أصبحت تهدد المنطقة بشكل متزايد.
توسع زراعي
توفر الوفرة المائية فرصة لإطلاق مشاريع زراعية واسعة في المناطق الشرقية والشمالية من سوريا، فإذا تم استثمار المياه الإضافية بكفاءة، يمكن زيادة المساحات المروية بنسبة تتراوح بين 20 و30% خلال السنوات المقبلة، بحسب تقديرات بعض المختصين في إدارة الموارد المائية.
ويسهم ذلك في زيادة إنتاج القمح، وتعزيز زراعة القطن والمحاصيل الصناعية، وتوسيع زراعة الخضراوات والأشجار المثمرة، وخلق فرص عمل جديدة في القطاع الزراعي، ودعم الصناعات الغذائية المرتبطة بالإنتاج الزراعي، كما أن التوسع الزراعي ينعكس إيجاباً على الأمن الغذائي ويخفض فاتورة الاستيراد.
بنية تحتية حديثة
يتطلب الاستفادة من غزارة مياه الفرات استثمارات كبيرة في البنية التحتية، ومن أبرز المشاريع المطلوبة: تحديث شبكات الري التقليدية، والتوسع في الري الحديث بالتنقيط والرش، وإنشاء خزانات وسدود رديفة صغيرة، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر للفيضانات، وإعادة تأهيل محطات الضخ والقنوات الرئيسية، واستخدام تقنيات الاستشعار عن بعد لمراقبة الموارد المائية.
وتشير الدراسات إلى أن أنظمة الري الحديثة يمكن أن توفر ما بين 30 و50% من المياه مقارنة بالطرق التقليدية، ما يزيد كفاءة الاستفادة من الموارد المتاحة.
رؤية مستقبلية
أصبحت إدارة الموارد المائية أحد أهم عناصر التنمية الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، وفي حالة سوريا، يمثل نهر الفرات فرصة استراتيجية لإعادة تنشيط الاقتصاد الوطني إذا ما تم التعامل مع مياهه وفق رؤية تنموية متكاملة.
وتتطلب هذه الرؤية تعزيز التعاون بين الجهات الحكومية والمؤسسات البحثية والخبراء، ووضع خطط طويلة الأجل لاستثمار المياه والطاقة والأراضي الزراعية بصورة متوازنة ومستدامة، كما ينبغي تطوير قاعدة بيانات حديثة لرصد المناسيب المائية والتنبؤ بالفيضانات، بما يسمح باتخاذ قرارات استباقية تحد من الخسائر وتعظم الفوائد الاقتصادية.
سلاح ذو حدين
يبقى ارتفاع منسوب نهر الفرات سلاحاً ذا حدين؛ فمن جهة قد يسبب أضراراً اقتصادية وزراعية وبشرية إذا لم تتم إدارته بشكل صحيح، ومن جهة أخرى يمثل فرصة نادرة لتعزيز الأمن المائي والغذائي وزيادة إنتاج الكهرباء وتوسيع الرقعة الزراعية، وعليه فإن تحويل الفيضانات من أزمة إلى مورد تنموي يتطلب الاستثمار في البنية التحتية الحديثة، وتطوير أنظمة إدارة المياه، والاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، وعندها يمكن لنهر الفرات أن يؤدي دوراً محورياً ليس فقط في حماية الاقتصاد السوري من آثار الجفاف، بل أيضاً في دفع عجلة التنمية وإعادة الإعمار خلال السنوات المقبلة.
