في خطوة غيّرت شكل سوق العمل العالمي وأعادت تعريف العلاقة بين الإنتاجية ورفاهية الموظفين، اتخذت شركة فورد الأمريكية قراراً تاريخياً قبل قرن من الزمن باعتماد نظام العمل 5×2، لتصبح أول شركة صناعية كبرى تثبت عملياً أن تقليص ساعات العمل لا يعني بالضرورة تراجع الإنتاج أو الأرباح، بل قد يشكل ركيزة للنمو الاقتصادي وزيادة الاستهلاك.
في الأول من مايو عام 1926، أعلنت Ford Motor Company رسمياً تطبيق نظام العمل القائم على خمسة أيام عمل ويومي راحة أسبوعياً داخل منشآتها الصناعية، وهو قرار اعتُبر آنذاك سابقاً لعصره، خاصة أن المعايير الدولية كانت لا تزال تسمح بأسبوع عمل يصل إلى 48 ساعة.
وكان مؤسس الشركة هنري فورد يرى أن وقت الفراغ ليس ترفاً أو امتيازاً طبقياً، بل عنصر أساسي في حياة العامل، مؤكداً أن الراحة والترفيه يمكن أن يسهما في بناء قوة عاملة أكثر إنتاجية واستقراراً.
فورد سبقت التشريعات العالمية بـ14 عاماً
أدى القرار إلى خفض ساعات العمل الأسبوعية لموظفي الشركة إلى 40 ساعة فقط، في وقت كانت فيه منظمة العمل الدولية قد حددت منذ عام 1919 سقف ساعات العمل عند 48 ساعة أسبوعياً.
ولم يكن هذا التحول مجرد تجربة مؤقتة، إذ أصبح لاحقاً نموذجاً يُحتذى به في مختلف القطاعات الصناعية داخل الولايات المتحدة وخارجها.
وفي عام 1938، أُقرت قوانين أمريكية حددت أسبوع العمل بـ44 ساعة، قبل أن يتم خفضه رسمياً إلى 40 ساعة أسبوعياً عام 1940، وهو ما جعل التشريعات تلحق بالنموذج الذي كانت فورد قد طبقته قبل ذلك بـ14 عاماً.
تطبيق تدريجي بدأ قبل سنوات من القرار الرسمي
لم يصل نظام 5×2 إلى خطوط الإنتاج دفعة واحدة، بل سبقته اختبارات داخل بعض أقسام الشركة.
وفي عام 1922، دعا إدسل فورد، الذي تولى رئاسة الشركة عام 1919، إلى منح العمال أكثر من يوم واحد للراحة أسبوعياً، معتبراً أن قضاء وقت أطول مع العائلة والترفيه يسهم في تحسين جودة الحياة وزيادة الرضا الوظيفي.
ومع نجاح التجارب الأولية، قررت الشركة تعميم النظام على نطاق واسع داخل مصانعها.
الإنتاج الضخم منح فورد القدرة على تقليص ساعات العمل
جاء القرار في وقت كانت فيه فورد تحقق قفزات هائلة في الإنتاجية بفضل تطوير أساليب التصنيع.
ففي عام 1913، نجحت خطوط التجميع الخاصة بسيارة Ford Model T في خفض زمن إنتاج السيارة الواحدة من نحو 12 ساعة إلى ما يزيد قليلاً على ساعة ونصف فقط.
وبعد عام واحد، أي في 1914، فاجأت الشركة القطاع الصناعي برفع الحد الأدنى لأجور العاملين لديها إلى الضعف تقريباً، ما أثار جدلاً واسعاً بين أصحاب المصانع في الولايات المتحدة.
وسمح هذا التطور بخلق معادلة جديدة تجمع بين ارتفاع الإنتاجية وتحسين الأجور وتقليص ساعات العمل في الوقت نفسه.
العامل يتحول من منتج إلى مستهلك
ويرى المؤرخ باولو هنريكي مارتينيز أن فلسفة فورد لم تقتصر على تحسين ظروف العمال، بل كانت تحمل رؤية اقتصادية بعيدة المدى.
وأوضح أن زيادة الأجور وتوفير وقت فراغ أكبر أسهما في تعزيز القدرة الشرائية للعمال، ما جعلهم جزءاً من دورة الاستهلاك الاقتصادي.
وبذلك لم يعد العامل مجرد منتج داخل المصنع، بل تحول أيضاً إلى مستهلك قادر على السفر والتسوق والترفيه وشراء السيارات، بما في ذلك السيارات التي ينتجها بنفسه.
انتشار عالمي بعد الحرب العالمية الثانية
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، انتشر النموذج الصناعي الأمريكي في العديد من الدول التي كانت تسعى لإعادة بناء اقتصاداتها.
وأكد مارتينيز أن نظام العمل الذي طورته فورد أصبح جزءاً من نموذج التصنيع الحديث الذي تبنته الاقتصادات الصناعية خلال مرحلة إعادة الإعمار.
من جانبه، يرى المحامي المتخصص في قانون العمل بيدرو ميشيل أن نجاح التجربة دفع الشركات إلى الاقتناع بأن تقليص ساعات العمل لا يؤدي بالضرورة إلى انخفاض الإيرادات أو الأرباح.
أما الأستاذ الجامعي كلودينور روبرتو باربييرو فأكد أن فورد منحت نموذج الأسبوع المكوّن من خمسة أيام شرعية صناعية واقتصادية، ليصبح أداة إدارية فعالة بدلاً من اعتباره مجرد مكسب اجتماعي للعمال.
نقاش مستمر حتى اليوم
ورغم مرور مئة عام على قرار فورد، لا تزال مسألة ساعات العمل محور نقاش عالمي متجدد، خصوصاً مع تصاعد الدعوات إلى اعتماد أسابيع عمل أقصر في عدد من الدول.
ويؤكد المحامي أليساندرو فييتري أن فترات الراحة المنتظمة تمثل جزءاً أساسياً من الصحة النفسية وكرامة العامل، مشيراً إلى أن أي إصلاحات مستقبلية يجب أن تتم بصورة تدريجية ومدروسة لضمان قدرة الشركات، خصوصاً الصغيرة منها، على التكيف مع المتغيرات الجديدة.
وبعد مرور قرن كامل على هذه الخطوة، ما زالت تجربة فورد تُستشهد بها كأحد أبرز الأمثلة على أن تحسين ظروف العمل لا يتعارض مع تحقيق الأرباح، بل قد يكون أحد أهم العوامل التي تدعم النمو والإنتاجية على المدى الطويل.
رضا أبو العينين
المصدر: البيان
