تتجه الصادرات السورية خلال المرحلة الراهنة نحو مسار أكثر تنوعاً في بنيتها وأسواقها، مع تزايد الاعتماد على المنتجات الصناعية والزراعية وارتفاع حضور الصناعات التحويلية في هيكل الصادرات.
ويأتي هذا التحول في سياق جهود رسمية واقتصادية لإعادة بناء القدرة التصديرية، ورفع تنافسية المنتج السوري في الأسواق الخارجية، بما يعكس انتقالاً تدريجياً من تصدير المواد الخام إلى تعظيم القيمة المضافة محلياً، وتوسيع قاعدة الأسواق والشركاء التجاريين.
وفي هذا السياق، تؤدي هيئة تنمية ودعم الإنتاج المحلي والصادرات دوراً محورياً في رسم ملامح المرحلة المقبلة، عبر التركيز على واقع الصادرات السورية، والتحديات التي تواجهها، والفرص المتاحة لاستثمارها.
ويؤكد مدير هيئة تنمية ودعم الإنتاج المحلي والصادرات المهندس منهل الفارس أن الهيئة تدخل المرحلة المقبلة برؤية متكاملة تهدف إلى الانتقال من مفهوم دعم التصدير التقليدي إلى تطوير القدرة التصديرية الوطنية بشكل شامل وأوضح أن المطلوب اليوم لا يقتصر على زيادة أرقام الصادرات، بل يتعداه إلى رفع جاهزية المنتج السوري للمنافسة في الأسواق الخارجية، وتوسيع قاعدة المصدرين، وفتح أسواق جديدة، وتطوير الخدمات المقدمة لهم.
وبين الفارس أن الهيئة تعمل على استكمال بناء منظومة رقمية حديثة لخدمة المصدرين، وفي مقدمتها السجل الوطني الإلكتروني للتصدير، إضافة إلى تعزيز المشاركة في المعارض الدولية، وتنظيم البعثات التجارية، وبناء شراكات مع الهيئات والمؤسسات النظيرة في الدول الشقيقة والصديقة، بما يسهم في زيادة حضور المنتجات السورية في الأسواق الخارجية.
وحول أبرز الصادرات وحجمها ووجهاتها، كشف الفارس أن المؤشرات المستمدة من بيانات الشركاء التجاريين والبيانات الدولية تشير إلى استمرار تعافي الصادرات السورية وتحسن أدائها خلال الفترة الأخيرة، مبيناً أن صادرات سوريا المسجلة خلال العام الماضي تجاوزت ملياري دولار، وأن نسبة الصادرات النفطية لم تتجاوز 10 بالمئة، إضافة إلى أن نسبة الصادرات النفطية والفوسفات مجتمعة لم تتجاوز 13 بالمئة، لافتاً إلى وجود تنوع واضح في الأسواق المستقبلة للمنتجات السورية وأضاف أن الصادرات السورية تتوجه بشكل رئيسي إلى أسواق الدول العربية والإقليمية، لا سيما العراق والسعودية والإمارات والأردن ولبنان وتركيا، إضافة إلى عدد من الأسواق الأوروبية والآسيوية والإفريقية.
وأشار الفارس إلى أن المنتجات الزراعية والغذائية لا تزال تحتل موقعاً متقدماً في الأصناف المصدرة، إلى جانب زيت الزيتون، والخضار والفواكه، والمنتجات النسيجية، وبعض الصناعات التحويلية والغذائية، فضلاً عن المواد الأولية والمنتجات المعدنية التي تمتلك سوريا فيها ميزات تنافسية مهمة.
وفيما يتعلق بالصادرات النفطية، أكد الفارس أنها تمثل حصة محدودة من إجمالي الصادرات السورية مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2011، مشيراً إلى أن القطاع النفطي واجه خلال السنوات الماضية تحديات كبيرة انعكست على مستويات الإنتاج والتصدير.
ومع بدء عودة بعض الأنشطة الإنتاجية والتصديرية بشكل تدريجي، ترى الهيئة أن هذا القطاع يمكن أن يسهم في تعزيز الإيرادات التصديرية مستقبلاً، في حين يبقى التركيز في المرحلة الحالية موجهاً نحو تنمية الصادرات الصناعية والزراعية والغذائية، باعتبارها الأكثر قدرة على خلق قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة.
عوامل تؤثر في التنافسية
تشهد الصادرات السورية بشكل عام اتجاهاً تصاعدياً مقارنة بالسنوات السابقة، مدفوعة بتحسن البيئة الاقتصادية والانفتاح المتزايد على الأسواق الخارجية وعودة العديد من الشركات إلى النشاط التصديري، وفق الفارس.
ورغم أن مستويات الصادرات الحالية لا تزال دون الإمكانات الحقيقية للاقتصاد السوري، فإن المؤشرات المتوفرة تدل على وجود نمو تدريجي وتحسن في حجم وقيمة الصادرات، بما يعكس قدرة المنتج السوري على استعادة مكانته في عدد من الأسواق.
وأشار الفارس إلى مجموعة من العوامل المؤثرة في تنافسية الصادرات السورية، أبرزها تكاليف النقل والشحن، ومتطلبات النفاذ إلى الأسواق، والمواصفات الفنية، وتحديات التمويل والتأمين، إضافة إلى الحاجة المستمرة لتطوير عمليات التغليف والتسويق.
وللتعامل مع هذه التحديات، تعمل الجهات الحكومية والقطاع الخاص بشكل متكامل على تحسين بيئة التصدير، وتطوير البنية اللوجستية، وتوسيع الاتفاقيات التجارية، ودعم مشاركة الشركات السورية في المعارض الدولية، فضلاً عن تعزيز التحول الرقمي والخدمات الإلكترونية المقدمة للمصدرين.
وشدد الفارس على أن سوريا تمتلك اليوم فرصاً واعدة في عدد من القطاعات التصديرية، وفي مقدمتها الصناعات الغذائية، والمنتجات الزراعية، وزيت الزيتون، والنسيج والألبسة، والصناعات الدوائية، إضافة إلى بعض الصناعات الكيميائية والمعدنية.
وأوضح أن الظروف الدولية الحالية تمثل فرصة مهمة لإعادة تموضع المنتج السوري في الأسواق العالمية، خاصة في ظل الاهتمام المتزايد بإعادة بناء العلاقات الاقتصادية والتجارية مع سوريا.
ودعا إلى ضرورة التركيز في المرحلة المقبلة على تحويل هذا الانفتاح إلى عقود تصديرية حقيقية وشراكات إنتاجية واستثمارية طويلة الأمد، بما يسهم في زيادة الصادرات وتنويع الأسواق ورفع مساهمة التجارة الخارجية في دعم النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.
وأكد أن التصدير استثمار في الإنتاج الوطني وفرصة لزيادة الدخل الوطني وتوليد فرص العمل وجذب القطع الأجنبي، لافتاً إلى أن تعزيز الصادرات سيبقى أحد أهم المحاور الاقتصادية التي تعمل عليها الهيئة بالتعاون مع مختلف الجهات الحكومية والقطاع الخاص خلال المرحلة المقبلة.
تحول هيكلي
بدوره، يرى الباحث الاقتصادي الدكتور فادي عياش، أن الاقتصاد السوري شهد مؤخراً تحولاً هيكلياً جذرياً، في ظل تجاوز الصادرات المسجلة حاجز ملياري دولار، مع تراجع الاعتماد على صادرات المواد الخام التقليدية. ولم تتجاوز نسبة الصادرات النفطية 10 بالمئة، بينما بلغت نسبة الصادرات النفطية والفوسفات مجتمعة نحو 13 بالمئة فقط، ما يعكس توجهاً تصاعدياً نحو المنتجات الصناعية والزراعية.
وقال عياش لصحيفة “الثورة السورية”: يمكن تلخيص تأثير وتحسن أداء الصادرات السورية خلال الفترة الأخيرة من خلال النقاط التالية:
- هيكل الصادرات: أصبحت القطاعات الإنتاجية والزراعية تمثل الركيزة الأساسية للصادرات السورية، حيث شكلت نسبة تتجاوز 80 بالمئة من إجمالي الصادرات.
- الصناعات التحويلية: أثبتت الصناعات التحويلية (كالنسيجية، والكيميائية كالأدوية والصابون، والغذائية) قدرتها العالية على المنافسة، واستحوذت على الحصة الأكبر من عائدات القطع الأجنبي.
وأكد عياش أن تحسن الصادرات وتركيبها سيكون له تأثير إيجابي على الاقتصاد الوطني من خلال المساعدة على تعافي الأنشطة الصناعية، فالتوسع في حركة التصدير يسهم في إعادة تشغيل العديد من المصانع والورش الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على مدخلات الإنتاج المحلي.
ومن جانب آخر، ودعماً لقطاع الأعمال، أصدرت وزارة المالية قرارات بتخفيض السلفة الضريبية على مستوردي مدخلات الإنتاج والمواد الغذائية إلى 1 بالمئة، مما يساعد في تخفيف الأعباء المالية وخفض تكاليف الإنتاج النهائي المعد للتصدير.
وأشار عياش إلى أن الأسواق العربية والإفريقية عززت من استقبالها للمنتجات السورية، وهو توجه كان يُطالب به سابقاً، إذ يرى أن التوجه جنوباً أنسب للصادرات السورية مع ضرورة إعادة تفعيل الأسواق التقليدية. كما بدأت هيئات ومنظمات غرف الصناعة بتنظيم جلسات متخصصة مثل “طريق المنتج السوري إلى أوروبا” لفتح آفاق أوسع للسلع الوطنية في الأسواق الأوروبية.
ورغم النمو الإيجابي الذي حققته الصادرات السورية مؤخراً، إلا أن هذا التعافي يأتي بعد انخفاض حاد، ولا تزال الجهود مستمرة للوصول إلى نسب ومستويات تضاهي ما قبل الثورة، وفق عياش.
ولفت إلى ضرورة التركيز على القيمة المضافة من خلال تعظيم سلاسل القيمة وتعزيز القيمة المضافة الاجتماعية، فالتنمية تتطلب نمواً مستداماً وتحولاً أكبر نحو تصنيع وتعبئة المواد محلياً مع زيادة نسبة المحتوى المحلي والتقني ونسبة الصادرات، بدلاً من تصديرها كمواد أولية، وذلك لتعظيم الفوائد الاقتصادية.
وفاء فرج
المصدر: الثورة السورية
