رسالة صادمة من وزير المالية الروسي لـ”بوتين”

زمن القراءة: 5 دقائق
بوتين

تتصاعد الخلافات داخل دوائر صنع القرار في روسيا بشأن كلفة الحرب في أوكرانيا، مع تحذيرات غير مسبوقة من كبار المسؤولين الماليين للرئيس فلاديمير بوتين بأن وتيرة الإنفاق العسكري الحالية أصبحت “غير مستدامة”، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الروسي ضغوطاً متزايدة وعجزاً متضخماً في الموازنة.

حذر مسؤولون كبار في وزارة المالية والبنك المركزي الروسي الكرملين من أن مستويات الإنفاق الدفاعي المخطط لها قد تدفع عجز الموازنة إلى مستويات خطرة، بحسب مصادر مطلعة ووثائق اطلعت عليها “بلومبرغ”. ويعكس ذلك واحدة من أعمق الانقسامات داخل السلطة الروسية منذ بدء الغزو الشامل لأوكرانيا.

ودعا المسؤولون إلى خفض إضافي في الإنفاق العسكري، مؤكدين أن إصلاح المالية العامة المتدهورة سيكون صعباً دون إجراءات أكثر صرامة لرفع الكفاءة وخفض النفقات. وتزايدت هذه المخاوف خلال الأشهر الأخيرة مع تدهور مؤشرات الاقتصاد الروسي.

لكن هذا التوجه يصطدم بموقف تيار آخر داخل الحكومة، إذ يصر مسؤولون في وزارة الدفاع وبعض دوائر الكرملين على حماية الإنفاق العسكري، معتبرين أن تقليصه قد يضر بالاقتصاد نفسه، نظراً لاعتماد عدد كبير من الشركات على العقود المرتبطة بالصناعات الدفاعية.

وفي ظل هذا الانقسام، طلب بوتين من وزارة المالية البحث عن خفض في مجالات أخرى من الإنفاق قبل المساس بمخصصات الدفاع، وفق المصادر، ما يعكس حساسية القرار داخل دوائر الحكم.

لا تكتفي وزارة الدفاع برفض خفض الإنفاق، بل تطالب بزيادة التمويل، في ظل فجوة تمويلية قد تصل إلى 3 تريليونات روبل (نحو 36 مليار دولار) خلال العام الجاري، بحسب مصادر قريبة من الحكومة.

وكانت التقديرات عند إعداد موازنة 2026 تشير إلى احتمال ظهور فجوة إضافية تتراوح بين 1.2 و1.5 تريليون روبل في النصف الثاني من العام، يرجح توجيهها إلى القطاع الدفاعي، وجاءت هذه التقديرات في وقت كانت فيه موسكو تأمل في انتهاء الحرب، ما كان سيتيح خفضاً تدريجياً للإنفاق العسكري.

لكن تلك التوقعات لم تتحقق، ما وضع الحكومة أمام خيارات صعبة بين خفض النفقات أو البحث عن موارد إيرادات جديدة.

اقتصاد يقترب من الركود

تتزامن هذه الضغوط مع تدهور آفاق الاقتصاد الروسي، الذي بات على حافة الركود. فقد خفضت وزارة الاقتصاد توقعاتها لنمو الناتج المحلي الإجمالي في 2026 إلى 0.4% فقط، مقارنة بتقديرات سابقة بلغت 1.3%، فيما أظهرت البيانات الرسمية انكماش الاقتصاد في الربع الأول لأول مرة منذ ثلاث سنوات.

ويأتي هذا التباطؤ رغم انتقادات بوتين العلنية في أبريل لأداء الحكومة الاقتصادي، في إشارة إلى عدم رضاه عن فشل المسؤولين في تجنب تباطؤ النمو.

ورغم الارتفاع الأخير في أسعار النفط على خلفية التوترات في الشرق الأوسط، يرى مسؤولون أن ذلك لن يكون كافياً لإنقاذ الوضع المالي، ويقدر هؤلاء أن الأسعار تحتاج للبقاء فوق 100 دولار للبرميل لمدة عام كامل لتحقيق تحسن ملحوظ، مشيرين إلى أن العوائد المرتفعة لن تعالج المشكلات الهيكلية التي تعاني منها روسيا، بما في ذلك التضخم وضعف القطاع المصرفي، كما ساهم ارتفاع قيمة الروبل في تقليص عائدات الصادرات، ما زاد من الضغوط على المالية العامة.

عجز قياسي وخيارات صعبة

اتسع عجز الموازنة الروسية إلى 5.9 تريليونات روبل خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام، ما يعادل 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزاً بنحو 50% المستهدف السنوي، رغم ارتفاع إيرادات النفط.

وعلى الرغم من بقاء العجز أقل من مستويات جائحة 2020، فإن الاقتصاد الروسي بات أكثر هشاشة في ظل العقوبات، خاصة مع تراجع احتياطيات صندوق الرفاه الوطني بنحو 60% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.

ولمواجهة الضغوط، لجأت الحكومة إلى زيادة بعض الضرائب هذا العام، كما تدرس فرض ضريبة استثنائية على شركات السلع والبنوك. كذلك بدأت بعض الحكومات المحلية، مثل موسكو، في تقليص الإنفاق بعد تراجع الإيرادات.

في المقابل، ارتفع الإنفاق الحكومي بنحو 16% خلال الفترة من يناير إلى أبريل مقارنة بالعام السابق، في حين قفزت نفقات المشتريات الحكومية بنسبة 41%، ما يعكس تسارع وتيرة الإنفاق المرتبط بالحرب.

كما سحبت الحكومة نحو 500 مليار روبل من صندوق الرفاه الوطني في أول شهرين من العام لتعويض تراجع إيرادات النفط والغاز تحت ضغط العقوبات.

وفي هذا السياق، دعا وزير المالية أنطون سيلوانوف إلى “ضبط النفس” في الإنفاق العام، معتبراً أن الدفاع والالتزامات الاجتماعية يمثلان أولويات رئيسية. وحذر من استنزاف الاحتياطيات، قائلاً إن “الموارد ليست بلا حدود”، مشدداً على ضرورة تحسين كفاءة الإنفاق.

جدل داخلي محتدم

وأثارت الأزمة المالية المتفاقمة انتقادات داخل البرلمان، حيث حذر أحد كبار النواب من مخاطر اللجوء إلى طباعة النقود، مستحضراً تجربة التضخم الجامح الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفييتي، وقال متسائلاً: “ماذا سنفعل؟ هل سنطبع النقود كما حدث في التسعينيات؟ نحن نعلم أن هذا ليس حلاً”.

المصدر: العربية نت

آخر الأخبار