شرايين التجارة.. كيف تحولت مضائق العالم إلى أوراق ضغط وتنافس؟

زمن القراءة: 8 دقائق

يختبر اضطراب الملاحة في مضيق هرمز قدرة الاقتصاد العالمي على احتمال إغلاق أو تقييد طرق بحرية ضيقة تمر عبرها الطاقة والغذاء والسلع الصناعية، حسبما ذكرت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية.

وبينما تلفت أزمة هرمز الأنظار إلى ممر مائي يربط الخليج ببحر عُمان، تكشف بيانات التجارة البحرية، وفق الصحيفة، أن المشكلة أوسع من مضيق واحد؛ فالتجارة العالمية تعتمد على شبكة من الممرات البحرية الضيقة، من قناة السويس وباب المندب إلى قناة بنما ومضيق ملقا ومضيق تايوان، وأي تعطل في أحدها يمكن أن يرفع تكاليف الشحن ويطيل زمن التسليم ويضغط على التضخم وسلاسل الإمداد.

وحسب “فايننشال تايمز”، فإن أزمة مضيق هرمز لفتت الأنظار إلى “نقاط الاختناق البحرية” الأخرى في العالم، بعد أن أظهرت حرب إيران أن السيطرة على ممر ضيق يمكن أن تتحول إلى ورقة ضغط اقتصادية وجيوسياسية واسعة.

ونقلت عن باحثين في جامعة أكسفورد قولهم إن اضطرابات نقاط الاختناق البحرية كانت، حتى قبل أزمة هرمز، تؤثر سنويا في تجارة تقدر بنحو 190 مليار دولار، وتسبب خسائر اقتصادية تقدر بنحو 14 مليار دولار.

شرايين التجارة

تقول منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد” (UNCTAD) إن الشحن البحري ينقل أكثر من 80% من تجارة السلع العالمية، محذرة في تقريرها عن النقل البحري لعام 2025 من أن القطاع يدخل مرحلة نمو هش وتكاليف مرتفعة وعدم يقين متزايد.

وذكرت “أونكتاد” أن اضطرابات مثل أزمة البحر الأحمر في عام 2024 (خلال حرب إسرائيل على قطاع غزة وتداعياتها) رفعت أسعار الشحن، وأن استمرار التوترات في عام 2025 زاد المخاوف من امتداد الصدمات إلى مضيق هرمز، مشيرة إلى أن ارتفاع تكاليف النقل يضغط أكثر على الدول الأقل نموا والدول الجزرية الصغيرة، بسبب اعتمادها الكبير على الواردات وبعدها عن الأسواق الرئيسية.

وتعتمد آثار إغلاق أو تقييد أي ممر، وفق الصحيفة، على حجم التجارة التي تمر عبره، ونوعها، ومدى اعتماد الدول عليه، وما إذا كانت ثمة طرق بديلة.

Vessels in the Strait of Hormuz are visible near the beach of Bandar Abbas, Iran, May 22, 2026. Majid Asgaripour/WANA (West Asia News Agency) via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS PICTURE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY TPX IMAGES OF THE DAY
عدوى مضيق هرمز قد تنتقل إلى مضائق أخرى حول العالم (رويترز)

هرمز أولاً

يكشف حجم منتجات الطاقة المارة عبر هرمز حجم الرهان على المضيق، إذ تقول وكالة الطاقة الدولية: إن نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمنتجات النفطية مرت عبر المضيق في عام 2025، بما يعادل نحو 25% من تجارة النفط المنقولة بحرا في العالم، وإن حوالي 80% من هذه الكميات كانت متجهة إلى آسيا.

وحسب الوكالة فإن 93% من صادرات قطر و96% من صادرات الإمارات من الغاز الطبيعي المسال تمر من خلال المضيق، بما يمثل 19% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية.

وأظهرت بيانات منظمة التجارة العالمية و”إيه إكس إس مارين”، أن إغلاق المضيق في 28 فبراير/شباط 2026 أدى خلال شهرين إلى شبه توقف في صادرات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال والشحنات المرتبطة بالأسمدة.

وحسب البيانات الصادرة في أول أيار الجاري، تراجعت تدفقات النفط الخام الخارجة عبر هرمز 95%، والغاز الطبيعي المسال 99%، وشحنات الأسمدة 87%، بينما انخفضت شحنات المنتجات الزراعية المتجهة إلى موانئ الخليج العربي في نيسان 68% من حيث عدد الشحنات و50% من حيث الحجم.

“فايننشال تايمز”: نقاط الاختناق البحرية صارت جزءاً من صراع أوسع بين القوى الكبرى

فالممرات التي كانت تُعامل لسنوات باعتبارها بنية تحتية محايدة للتجارة

أصبحت ساحات للتنافس بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وقوى إقليمية أخرى

طريق أطول

في أزمات سابقة، لجأت شركات الشحن إلى تحويل مساراتها بدلاً من عبور مناطق الخطر، فبعد هجمات الحوثيين في البحر الأحمر منذ أواخر عام 2023، تجنبت شركات أوروبية كثيرة قناة السويس وباب المندب واتجهت حول رأس الرجاء الصالح، ما أطال الرحلات ورفع التكاليف.

وتقول “فايننشال تايمز” إن شركات الشحن استطاعت التكيف جزئياً مع أزمة البحر الأحمر عبر إعادة ترتيب الجداول وتحويل السفن حول أفريقيا، رغم ارتفاع أسعار الشحن.

وتنقل عن مسؤولين في القطاع أن وجود بديل، حتى لو كان طويلا ومكلفا، يخفف الأثر النهائي لأن كلفة النقل ليست سوى جزء من سعر السلعة النهائي.

ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن هيئة قناة السويس أن إيرادات القناة هبطت إلى 3.991 مليارات دولار في عام 2024، مقابل 10.25 مليارات دولار في عام 2023، كما تراجع عدد السفن العابرة إلى 13213 سفينة في عام 2024 مقارنة بأكثر من 26 ألف سفينة في عام 2023، بسبب اضطرابات البحر الأحمر.

تشمل المخاطر كذلك التغيرات المناخية، فقناة بنما تعرضت في عام 2023 لضغط حاد بسبب الجفاف ونقص الأمطار في حوض القناة، مما دفع هيئة القناة إلى خفض عدد الحجوزات تدريجيا حتى 18 حجزا يوميا اعتبارا من فبراير/شباط 2024، وفق إشعار رسمي أصدرته الهيئة لشركات ووكلاء الشحن.

صراع النفوذ

ترى “فايننشال تايمز” أن نقاط الاختناق البحرية صارت جزءاً من صراع أوسع بين القوى الكبرى، فالممرات التي كانت تُعامل لسنوات باعتبارها بنية تحتية محايدة للتجارة أصبحت ساحات للتنافس بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وقوى إقليمية أخرى.

وتشير الصحيفة إلى تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المتكررة بشأن قناة بنما، وإلى أن مثل هذه التحركات قد تدفع الصين إلى إعادة النظر في بدائل قديمة، منها مشروع قناة منافسة عبر نيكاراغوا، كما تربط بين اهتمام الصين بمبادرة الحزام والطريق ورغبتها في تقليل انكشافها على نقاط اختناق يمكن أن تُغلق أمام تجارتها أو إمداداتها في أوقات التوتر.

يمتد هذا المنطق إلى مضيق ملقا ومضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي، حيث تمر كميات ضخمة من التجارة الآسيوية والعالمية، وتقول “فايننشال تايمز”: إن بعض السفن المرتبطة بما يعرف بـ”أسطول الظل” الإيراني بدأت تتخذ طرقا غير معتادة إلى آسيا، منها المرور عبر مضيق لومبوك في إندونيسيا بدلا من الطريق الأقصر عبر ملقا، في محاولة لتجنب الرصد والتدقيق.

وتضيف الصحيفة أن الاهتمام الصيني المتزايد بطريق بحر الشمال عبر القطب الشمالي لا يتعلق فقط بتقليص زمن الرحلات إلى أوروبا، بل أيضاً بتقليل الاعتماد على ممرات مزدحمة ومعرضة للضغط، رغم أن هذا الطريق لا يزال بعيدا عن أن يصبح بديلا تجاريا كاملا.

تكلفة الأمان

تقول “أونكتاد” إن الاضطرابات تزيد عمليات تغيير المسار وتفويت بعض الموانئ وإطالة الرحلات، وهو ما يرفع الكلفة النهائية للتجارة، ويضغط على الموانئ، ويزيد الحاجة إلى رقمنة الإجراءات وتحسين كفاءة البنية التحتية، كما حذرت من أن ارتفاع تكاليف النقل على نحو مستمر يصيب الدول الضعيفة أولا.

وتنقل “فايننشال تايمز” عن مسؤولين في قطاع الشحن أن الشركات باتت تفكر في المرونة أكثر من الكفاءة، فالنظام التجاري الذي بُني لعقود على تقليص المخزون وخفض الكلفة عبر طرق ثابتة وسريعة يواجه اليوم واقعا مختلفا، حيث قد تصبح القدرة على تغيير المسار وضمان الإمداد أهم من الحصول على أرخص طريق”.

المصدر: الجزيرة + فايننشال تايمز
آخر الأخبار