كيف تحمي منزلك من حرائق البطاريات؟

زمن القراءة: 8 دقائق

لم يعد الخطر داخل المنازل يقتصر على تسرب الغاز أو تماس الكهرباء، بل بات يمكن أن يبدأ من هاتف موضوع على السرير، أو دراجة كهربائية موصولة بالشاحن في زاوية المرآب، أو حتى بطارية صغيرة داخل بنك طاقة محمول.

في السنوات الأخيرة، تحولت بطاريات الليثيوم-أيون، التي تُشغّل معظم الأجهزة الحديثة، إلى مصدر قلق متزايد لهيئات الإطفاء حول العالم، بعدما ارتبطت بحرائق سريعة الاشتعال وعنيفة الانتشار يصعب السيطرة عليها.

في ولاية فيكتوريا الأسترالية، على سبيل المثال، باتت فرق الإطفاء تتعامل مع حريق مرتبط ببطاريات الليثيوم-أيون تقريباً كل يوم، وفق بيانات هيئة «إنرجي سيف فيكتوريا»، في مؤشر يعكس تنامي المخاطر مع اتساع الاعتماد على الأجهزة القابلة لإعادة الشحن.

جزء من الحياة اليومية

بطاريات الليثيوم-أيون أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، إذ توجد في الهواتف الذكية، وأجهزة الحاسوب المحمولة، والمكانس الكهربائية اللاسلكية، والدراجات والسكوترات الكهربائية، وأدوات العمل المنزلية، وحتى الألعاب الإلكترونية والسجائر الإلكترونية.

ويعود انتشارها الواسع إلى قدرتها على تخزين كمية كبيرة من الطاقة في حجم صغير نسبياً، إضافة إلى عمرها الطويل وإمكانية إعادة شحنها مئات المرات.

لكن هذه المزايا نفسها تجعلها أيضاً أكثر حساسية وخطورة عند تعرضها لأي خلل. فبحسب هيئة الإطفاء الريفية الأسترالية، تشكل بطاريات الليثيوم-أيون القابلة لإعادة الشحن خطراً أعلى للحريق مقارنة بأنواع البطاريات التقليدية، نظراً للكثافة العالية للطاقة المخزنة داخلها.

الانفلات الحراري

تبدأ المشكلة عادة عندما ترتفع حرارة البطارية بشكل مفرط، ما يؤدي إلى حدوث تماس داخلي داخل إحدى الخلايا المكونة لها.

وعندها قد تنبعث غازات قابلة للاشتعال وسامة في الوقت نفسه. وإذا اشتعلت هذه الغازات، تدخل البطارية في سلسلة تفاعلات متتالية تُعرف باسم «الانفلات الحراري»، وهي حالة ترتفع خلالها درجات الحرارة إلى نحو 500 درجة مئوية.

وفي هذه المرحلة، قد يلاحظ المستخدم تصاعد دخان أبيض من الجهاز أو البطارية، قبل أن تنفجر أحياناً وتتناثر شظايا مشتعلة في المكان، ما قد يتسبب في اشتعال الأثاث أو الستائر أو السجاد خلال ثوانٍ معدودة.

ورغم أن القوانين في أستراليا ودول كثيرة أخرى تفرض معايير صارمة على البطاريات والشواحن المبيعة عبر المتاجر المعتمدة، فإن الخطر يزداد مع انتشار المنتجات الرخيصة وغير المطابقة للمواصفات، خصوصاً تلك التي تُباع عبر المتاجر الإلكترونية ومنصات التسوق المفتوحة.

الشحن الخاطئ

ويُعد الشحن الخاطئ من أبرز أسباب حرائق بطاريات الليثيوم-أيون. فترك الهاتف أو الجهاز موصولاً بالكهرباء بعد اكتمال الشحن قد يؤدي إلى ارتفاع حرارة البطارية بشكل خطير، خاصة إذا كانت ممتلئة بالطاقة بالكامل.

ولهذا ينصح خبراء السلامة بفصل الأجهزة فور وصولها إلى نسبة الشحن الكاملة، أو حتى قبل ذلك بقليل.

كما أن استخدام شواحن غير متوافقة أو منخفضة الجودة قد يؤدي إلى تمرير جهد كهربائي غير مناسب، ما يتسبب في شحن زائد أو ارتفاع حرارة البطارية وحدوث تماس داخلي. وغالباً لا تستطيع الشواحن المقلدة أو الرديئة «التواصل» مع البطارية بالطريقة الصحيحة لإيقاف الشحن تلقائياً عند الامتلاء.

ولا يقتصر الخطر على الشحن فقط، إذ إن التلف الجسدي للبطارية قد يكون سبباً مباشراً للحريق. فإسقاط الهاتف أو سحق البطارية أو ثقبها أو تعريضها للضغط قد يُتلف المكونات الداخلية الدقيقة، ويؤدي إلى دوائر قصر كهربائي وارتفاع شديد في الحرارة.

الحرارة الخارجية

كما أن الحرارة الخارجية نفسها تشكل تهديداً كبيراً. فترك الأجهزة أو البطاريات داخل سيارة مغلقة تحت الشمس، أو بالقرب من المدافئ ومصادر الحرارة، قد يضر بالخلايا الداخلية. وينطبق الأمر أيضاً على التعرض للمياه أو الرطوبة، التي يمكن أن تتلف المكونات الكهربائية وتزيد احتمالات الاشتعال.

وتحذر الجهات المختصة كذلك من استخدام البطاريات المستعملة أو المعدلة أو المجهولة المصدر، لأنها غالباً لا تخضع للمعايير الأصلية الخاصة بالشركات المصنعة، ما يجعلها أكثر عرضة للفشل أو الانفجار.

وتكمن خطورة حرائق الليثيوم-أيون في أنها تختلف عن الحرائق التقليدية. فعملية «الانفلات الحراري» قد تؤدي إلى انتشار النار بسرعة هائلة، خصوصاً أن كثيراً من الأجهزة الكبيرة التي تعمل بهذه البطاريات، مثل السكوترات والدراجات الكهربائية وأدوات العمل، تُخزن عادة داخل المرائب حيث توجد مواد شديدة الاشتعال مثل الوقود والدهانات والسيارات.

أدخنة وغازات سامة

كما تطلق البطاريات المحترقة أدخنة وغازات سامة قد تسبب أضراراً خطيرة للجهاز التنفسي، فضلاً عن احتمال انفجار بعض البطاريات بشكل عنيف نتيجة تراكم الغازات داخلها.

وحتى بعد إخماد الحريق، تبقى احتمالات اشتعال البطارية مجدداً قائمة بسبب استمرار سخونة الخلايا الداخلية.

ولهذا السبب، تنصح أجهزة الإطفاء بعدم محاولة إخماد حرائق بطاريات الليثيوم-أيون بشكل فردي، لأن التعامل الخطأ معها قد يعرض الأرواح للخطر.

إجراءات أساسية

ولتقليل احتمالات اندلاع الحرائق داخل المنازل، توصي هيئات السلامة بعدة إجراءات أساسية. أولها استخدام الشاحن الأصلي المرفق مع الجهاز، أو شواحن معتمدة ومتوافقة مع مواصفات البطارية.

كما يُفضل عدم توصيل أكثر من جهاز في مقبس كهربائي واحد، مع الحفاظ على ترتيب الأسلاك وعدم استخدام الكابلات التالفة أو المهترئة.

أما القاعدة الأهم فهي تجنب الشحن الزائد أو ترك الأجهزة موصولة بالكهرباء طوال الليل أو أثناء غياب أصحاب المنزل. ويُنصح أيضاً باستخدام مؤقت كهربائي يفصل التيار تلقائياً بعد مدة محددة.

ويُفضل اختيار مكان آمن لشحن الأجهزة، بعيداً عن الأسرّة والأرائك والوسائد والملابس والسجاد والأوراق، لأن هذه المواد قد تشتعل بسرعة كبيرة إذا ارتفعت حرارة الجهاز أو اندلعت شرارة مفاجئة.

كما يجب إبقاء الأجهزة بعيداً عن أشعة الشمس المباشرة ومصادر الحرارة الأخرى.

البطاريات المستعملة

وتوصي السلطات بالحذر الشديد عند شراء أجهزة أو بطاريات مستعملة، لأنه من الصعب معرفة كيفية استخدامها سابقاً أو حالتها الفعلية.

وإذا احتاج الجهاز إلى بطارية جديدة، فمن الأفضل الحصول عليها من الشركة المصنعة الأصلية أو عبر فني مختص.

وفي الوقت ذاته، تبقى أجهزة إنذار الدخان خط الدفاع الأول داخل المنازل، إذ تؤكد هيئات السلامة أهمية فحصها وصيانتها بشكل دوري للتأكد من جاهزيتها للعمل عند وقوع أي حريق.

علامات تحذيرية

وهناك علامات تحذيرية ينبغي عدم تجاهلها إطلاقاً، مثل ارتفاع حرارة الجهاز بشكل غير طبيعي، أو انبعاث روائح قوية، أو تسرب سوائل، أو انتفاخ البطارية، أو تغير لونها، أو صدور أصوات طقطقة وصفير غريبة منها.

وعند ملاحظة أي من هذه المؤشرات، يجب فصل الجهاز فوراً عن الكهرباء، وإبعاده إلى مكان خارجي بعيد عن المواد القابلة للاشتعال إذا كان ذلك آمناً، ثم إخلاء المكان والاتصال بخدمات الطوارئ.

أما في حال اندلاع حريق فعلي، فيجب عدم لمس الجهاز أو محاولة نقله، بل مغادرة المكان وإغلاق الأبواب للحد من انتشار النار، ثم انتظار فرق الإطفاء في مكان آمن.

ولا تنتهي المخاطر عند انتهاء عمر البطارية، إذ تحذر السلطات من رمي بطاريات الليثيوم-أيون في القمامة المنزلية أو حاويات إعادة التدوير العادية، لأنها قد تتسبب بحرائق داخل شاحنات النفايات أو مراكز المعالجة.

نفايات إلكترونية خطرة

كما تحتوي هذه البطاريات على مواد كيميائية ومعادن ثقيلة قد تلوث البيئة والمياه.

ولهذا يجري التعامل معها باعتبارها نفايات إلكترونية خطرة، مع توفير مراكز متخصصة لجمعها وإعادة تدويرها بطريقة آمنة.

وفي حال كانت البطارية تالفة أو متسربة، يُنصح بوضعها داخل كيس بلاستيكي شفاف قبل نقلها إلى مراكز التخلص المعتمدة.

ومع استمرار الاعتماد العالمي على الأجهزة الذكية ووسائل النقل الكهربائية، تبدو بطاريات الليثيوم-أيون ضرورة يصعب الاستغناء عنها. لكن الخبراء يؤكدون أن الاستخدام الآمن لهذه التكنولوجيا لم يعد خياراً ثانوياً، بل شرطاً أساسياً لحماية المنازل والأرواح من حرائق قد تبدأ بشرارة صغيرة وتنتهي بكارثة كبيرة.

المصدر:  أرقام- موقع آر إيه سي في

آخر الأخبار