أطباء المهجر.. فرصة لإعادة بناء التعليم الطبي في سوريا

زمن القراءة: 7 دقائق

في وقت تواجه فيه كليات الطب السورية تحديات تتمثل في نقص الكوادر التدريسية والخبرات الحديثة نتيجة سنوات القصف والهجرة، تبرز فرصة مهمة لإعادة بناء التعليم الطبي في البلاد، تتمثل في الاستفادة من آلاف الأطباء السوريين العاملين في الأنظمة الصحية الأوروبية المتقدمة، ولا سيما في ألمانيا.
وتشير تقديرات متداولة إلى وجود نحو 15 ألف طبيب سوري يعملون في ألمانيا وحدها، علماً أن الإحصاءات الرسمية لا تشمل الأطباء الذين حصلوا على الجنسية الألمانية، ما يجعل الأرقام المعلنة أقل من العدد الفعلي. ويضم هؤلاء رؤساء أقسام، واستشاريين، وأصحاب اختصاصات دقيقة في مجالات الجراحة، والأورام، والعناية المشددة، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وغيرها من التخصصات التي تحتاج إليها الجامعات والمستشفيات السورية.
ويطرح عدد من الأطباء السوريين العاملين في ألمانيا فكرة إنشاء كليات أو برامج للتعليم الطبي تعتمد نموذج “الكوادر الزائرة”، بحيث يشارك الأطباء السوريون المقيمون في أوروبا في التدريس لفترات محددة خلال العام، مع الاستفادة من التعليم الرقمي والإشراف عن بعد، بما يتيح نقل الخبرات الطبية الحديثة إلى الطلاب السوريين، من دون اشتراط عودة الأطباء بصورة دائمة.
من الهجرة إلى الشراكة العلمية
ترى الدكتورة سماح الخالد، اختصاصية جراحة الأوعية الدموية في مدينة هامبورغ الألمانية، أن الفكرة قابلة للتطبيق، وتنسجم مع آليات التعليم الطبي الحديثة المعتمدة في الجامعات الأوروبية.
وتوضح الخالد، التي زارت سوريا الصيف الماضي ضمن مبادرة طبية تطوعية، وقدمت خدمات علاجية وتدريبية في عدة مناطق، أن المادة التعليمية الواحدة في الجامعات الألمانية لا يشترط أن يقدمها أستاذ واحد، وإنما يشارك في تدريسها عادة عدد من المختصين، بحيث يتولى كل منهم جزءاً من المنهاج خلال فترة قد تمتد من ثلاثة أسابيع إلى شهر.
وتضيف أن هذا النموذج يمكن تطبيقه في سوريا، إذ يستطيع الطبيب القدوم خلال إجازته السنوية لتقديم جزء من المقرر، ثم متابعة الطلاب والإشراف عليهم عن بعد، بما يضمن استمرارية العملية التعليمية، ويمنح الطلاب فرصة الاطلاع على أحدث الممارسات الطبية العالمية.
وترى الخالد أن هذا المشروع يخدم التعليم الطبي، ويمنح الأطباء السوريين في الخارج فرصة للحفاظ على صلتهم المهنية والإنسانية بوطنهم، والمساهمة في تطوير قطاع يحتاج إلى الخبرات المتخصصة.
خبرات عالمية في خدمة الطلاب السوريين
من جهته، يرى الدكتور عبد الخالق الصابوني، اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي في مدينة أولم الألمانية، أن نجاح الأطباء السوريين في ألمانيا أثبت قدرتهم على المنافسة والعمل ضمن أكثر الأنظمة الصحية تطوراً في العالم.
ويشير الصابوني إلى أن وجود هؤلاء الأطباء في مؤسسات أكاديمية ومراكز بحثية متقدمة يجعلهم قادرين على نقل المعرفة الطبية الحديثة إلى سوريا بصورة مباشرة، الأمر الذي قد يختصر سنوات من التطوير الأكاديمي.
ويؤكد الصابوني أهمية إنشاء برامج تعليمية تعتمد على أساتذة زائرين من الأطباء السوريين العاملين في أوروبا، لتشكل جسراً للتعاون بين الجامعات السورية والمراكز الطبية العالمية، وتمنح الطلاب السوريين فرصة الاطلاع على أحدث البروتوكولات العلاجية والمعايير العلمية المعتمدة دولياً.
أما الدكتور سليمان الشوّا، اختصاصي أمراض الدم والأورام، فيؤكد أن المشروع يمكن أن يتجاوز حدود التعليم التقليدي ليشمل البحث العلمي المشترك، والتدريب السريري، والتعاون بين المراكز الطبية السورية ونظيراتها الأوروبية.
ويضيف الشوّا لصحيفة “الثورة السورية” أن بناء شبكات أكاديمية مستدامة بين الأطباء السوريين في الداخل والخارج قد يفتح الباب أمام مشاريع بحثية وبرامج تدريبية ومنح تخصصية، تسهم في رفع مستوى التعليم الطبي في سوريا على المدى الطويل.
من جانبه، يرى الدكتور محمد سرميني، اختصاصي التخدير والعناية المركزة، أن وجود أطباء سوريين يشغلون مواقع متقدمة في المستشفيات الألمانية يمثل ثروة معرفية كبيرة، ينبغي تحويلها إلى مشروع مؤسساتي، بدلاً من أن تبقى جهوداً فردية متفرقة.
ويؤكد أن نموذج الكوادر الزائرة يمكن أن يوفر للطلاب السوريين تعليماً عالي المستوى من دون الحاجة إلى مغادرة البلاد، كما يتيح للأطباء السوريين المقيمين في أوروبا الإسهام في تطوير القطاع الصحي، من دون التخلي عن أعمالهم ومسؤولياتهم المهنية هناك.
فرصة تتجاوز التعليم
لا تقتصر أهمية المشروع على الجانب الأكاديمي، إذ تمتد آثاره إلى الجوانب الاقتصادية والتنموية، ويقول الخبير الاقتصادي محمد الشيخ علي إن المنطقة العربية تشهد طلباً متزايداً على دراسة الطب، في وقت يتجه فيه عدد كبير من الطلاب العرب سنوياً إلى أوكرانيا ورومانيا وبلغاريا ودول الاتحاد السوفييتي السابق وغيرها لدراسة الطب، مع ما يرافق ذلك من تحويلات مالية كبيرة إلى الخارج.
ويضيف، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، أن سوريا تمتلك مقومات تؤهلها لاستعادة مكانتها التاريخية في التعليم الطبي إذا نجحت في استثمار خبرات أطبائها في المهجر، لافتاً إلى أن الطبيب السوري أثبت كفاءته في الأنظمة الصحية الأوروبية، ولا سيما في ألمانيا، حيث تمكن آلاف الأطباء السوريين من الاندماج والوصول إلى مواقع مهنية متقدمة.
ويرى الشيخ علي أن إنشاء كليات أو برامج طبية تعتمد على خبرات الأطباء السوريين العاملين في أوروبا قد يحول سوريا مستقبلاً إلى وجهة تعليمية للطلاب العرب، بما يوفر مورداً اقتصادياً مهماً من خلال الرسوم الجامعية، والخدمات المرافقة، والسياحة التعليمية والعلاجية، والمؤتمرات العلمية.
إلى جانب الدور الأكاديمي، يلفت عدد من الأطباء إلى إمكانية استثمار فترات وجودهم في سوريا لتنظيم أنشطة تطوعية وإنسانية تشمل إجراء عمليات جراحية نوعية، والإشراف على تدريب الكوادر المحلية، وتقديم الاستشارات الطبية المتخصصة.
ورغم تنفيذ مبادرات مماثلة خلال السنوات الماضية، فإن ربطها بمشروع أكاديمي مستدام قد يمنحها أثراً أكبر واستمرارية أوسع، بحيث تتحول الزيارات الدورية للأطباء السوريين في الخارج إلى منصة تجمع بين التعليم، والتدريب، والعلاج، ونقل الخبرات.
وفي وقت تنفق فيه دول كثيرة مليارات الدولارات لاستقطاب الكفاءات الطبية، تمتلك سوريا شبكة واسعة من الأطباء الناجحين المنتشرين في أوروبا وأمريكا الشمالية ودول الخليج، ويرى الأطباء الذين تحدثت إليهم “الثورة السورية” أن تحويل هذه الخبرات إلى مشروع وطني منظم يتطلب تكامل الجهود الحكومية مع مبادرات المنظمات الطبية السورية العاملة خارج البلاد، بما يخدم التعليم والصحة والتنمية في آن واحد.
وقد تكون إعادة بناء كليات الطب السورية وتطويرها مرتبطة بالاستفادة من رأس المال البشري السوري بقدر ارتباطها بتطوير البنية التحتية، إذ أثبتت الكفاءات الطبية السورية حضورها في أبرز المؤسسات الطبية العالمية، ويبقى توفير إطار مؤسساتي منظم عاملاً أساسياً لتمكينها من الإسهام في تطوير التعليم الطبي والقطاع الصحي في سوريا.
مختار الإبراهيم
المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار