تعديلات مرتقبة على قانون العمل.. تحديثات تشريعية لمواكبة التحوّل الاقتصادي

زمن القراءة: 9 دقائق

تواصل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل جهودها لتحديث الإطار التشريعي الناظم لسوق العمل في سوريا، في مسار يهدف إلى مواءمة القوانين مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، وتعزيز قدرة المنظومة القانونية على الاستجابة لمتطلبات المرحلة المقبلة. وتأتي هذه الجهود ضمن حزمة تعديلات مرتقبة تشمل قانون العمل رقم /17/ لعام 2010 وعدداً من القرارات الناظمة لعمل غير السوريين، بما يحقق توازناً بين تنظيم السوق وحماية فرص التشغيل المتاحة للمواطنين.

في هذا السياق، كشف مدير تنظيم العمل في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، خليل عواد، لصحيفة “الثورة السورية”، عن إعداد المسودة الأولية لمشروع تعديل قانون العمل رقم 17 لعام 2010، وذلك عقب سلسلة اجتماعات ضمت مختصين في الوزارة وجهات معنية وشركاء اجتماعيين من ممثلي العمال وأصحاب العمل وخبراء في مجال الموارد البشرية.

وأشار عواد إلى تشكيل لجنة فنية مختصة لدراسة ومناقشة المسودة الأولية تمهيداً لصياغة مشروع التعديل بصيغته النهائية.

وأوضح أن أبرز محاور التعديل المقترحة تشمل إدخال أنماط العمل الجديدة، وتوسيع نطاق الحماية القانونية لهذه الأنماط بما يراعي طبيعتها الخاصة، إلى جانب تطوير آليات التشغيل والتدريب المهني بما يسهم في خلق فرص عمل وتعزيز نفاذ المواطنين إلى سوق العمل.

كما تتضمن التعديلات مواكبة التطور التقني والتحول الرقمي على مستوى العالم، لا سيما فيما يتعلق بتبسيط الخدمات وتحسين جودتها، إضافة إلى تنظيم التزامات أصحاب العمل، وتطوير آليات التفتيش والرقابة على سوق العمل بما يعزز الحوكمة ويرفع من فعالية تطبيق القوانين الناظمة، وفق عواد.

وتشمل التوجهات أيضاً تعزيز معايير العمل اللائق، خاصة ما يتعلق بالأجور العادلة، وتنظيم العقود، وتوسيع شمول العمال بالتأمينات الاجتماعية، إلى جانب تعزيز الحوار الاجتماعي بين أطراف الإنتاج، وتشجيع الامتثال الطوعي للقوانين، وتفعيل المسؤولية المجتمعية للقطاع الخاص.

ولفت إلى أن هذه التوجهات تأتي في إطار سعي وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل إلى تطوير بيئة العمل ورفع كفاءة التشغيل، بما يواكب التحولات الاقتصادية والتطورات التي يشهدها سوق العمل على المستويين المحلي والدولي، ويعزز من مرونة المنظومة التشريعية وقدرتها على الاستجابة للاحتياجات المتغيرة للاقتصاد وسوق العمل.

عمل غير السوريين

يستند الإطار القانوني والتنظيمي الناظم لعمل غير السوريين إلى المواد (27 – 28 – 29 – 30) من قانون العمل رقم /17/ لعام 2010، إضافة إلى القرار الوزاري رقم /888/ لعام 2016.

وأوضح عواد أن القرار الناظم يقوم على مبدأ عدم مزاحمة اليد العاملة السورية، والحاجة الفعلية للخبرة أو الاختصاص، إضافة إلى تناسب المؤهلات مع طبيعة العمل، والحصول على ترخيص عمل وفق الإجراءات المعتمدة، إلى جانب الحصول على إذن إقامة بقصد العمل وفق القوانين النافذة.

وأشار إلى أن منح إجازة العمل لغير السوريين يتم ضمن حالات محددة، تشمل الإقامة الطويلة داخل البلاد لمدة 15 عاماً، على ألا تزيد مدة المغادرة عن 24 شهراً مجتمعاً أو منفصلاً، أو في حال كانت الأم سورية بغض النظر عن مدة الإقامة، أو إذا كان أحد الزوجين سورياً مع استمرار العلاقة الزوجية والإقامة الفعلية لأكثر من سنتين.

وبيّن عواد أن الوزارة تعمل حالياً على تعديل القرار الوزاري رقم 888 لعام 2016 بما يحقق مزيداً من التوازن بين تنظيم سوق العمل وحماية فرص التشغيل المتاحة للمواطنين، لافتاً إلى تصنيف فئات غير السوريين الذين يُمنحون ترخيص عمل ضمن فئات تشمل أصحاب العمل، والشركاء في الشركات، والخبراء، والمستثمرين الخاضعين لأحكام مرسوم الاستثمار رقم 114 لعام 2025، إضافة إلى العاملين المعفيين من مبدأ مزاحمة اليد العاملة السورية وفق الشروط المحددة.

إعادة دمج العمالة

في قراءة اقتصادية للتوجهات الحكومية المتعلقة بتنظيم تشغيل غير السوريين وتعديل قانون العمل، أكد الخبير الاقتصادي حسام عايش لصحيفة “الثورة السورية” أن المرحلة الراهنة تتطلب التركيز على استثمارات كثيفة الاستخدام لليد العاملة، قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من الباحثين عن العمل وخلق فرص مهنية وحرفية جديدة، مشيراً إلى أن الأولوية الطبيعية يجب أن تكون للعامل السوري في مختلف الخطط والبرامج الاقتصادية والاستثمارية.

وأوضح أن إعادة دمج العمالة السورية في سوق العمل تعني ضخ دخول إضافية داخل الاقتصاد الوطني، الأمر الذي ينعكس على زيادة الاستهلاك والإنفاق وتحريك الأسواق وقطاع التجزئة، بما يحقق آثاراً اقتصادية تراكمية تسهم تدريجياً في تنشيط الدورة الاقتصادية وإعادة بناء القاعدة الإنتاجية.

وشدد عايش على أن تقييم فرص العمل يجب أن يستند إلى معايير الإنتاجية والكفاءة والمهارة والمعرفة، لافتاً إلى أن الحديث عن وجود فجوات في سوق العمل لا يكفي بحد ذاته، بل ينبغي أن يترافق مع خطط واضحة لسد هذه الفجوات عبر التدريب والتأهيل ورفع كفاءة القوى العاملة.

أضاف أن بعض القطاعات قد تحتاج إلى خبرات متخصصة غير متوفرة محلياً بالقدر الكافي، ما يستدعي تحمل تكاليف التدريب أو الاستعانة بخبرات خارجية قادرة على نقل المعرفة وتحقيق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد.

أولويات محددة

يدخل الاقتصاد السوري مرحلة إعادة تشكل تكاد تبدأ من الصفر، ما يجعل عامل الوقت والخبرة والإنتاجية عناصر حاسمة في عملية التعافي الاقتصادي، وفق عايش.

ورأى أن الاستعانة بخبرات أجنبية متخصصة يمكن أن تكون خياراً استراتيجياً في بعض المجالات، شرط أن تخضع لأولويات واحتياجات واضحة تفرضها عملية التنمية وإعادة الإعمار.

وأشار إلى أن العمالة السورية أثبتت كفاءتها في مختلف الدول التي عملت فيها خلال سنوات اللجوء والهجرة، سواء في المهن الحرفية أو التقنية أو التخصصية، الأمر الذي يجعلها قادرة على تلبية الجزء الأكبر من احتياجات سوق العمل المحلي عند عودتها، كما أن أي عمالة وافدة قد تفرض مستوى إضافياً من المنافسة داخل سوق العمل، لا سيما عندما تتوافر بدائل محلية تمتلك المهارات والخبرات ذاتها.

وأضاف أن بعض العمالة الأجنبية قد تقبل بأجور أقل، ما يدفع بعض أصحاب الأعمال إلى تفضيلها بهدف خفض التكاليف التشغيلية، الأمر الذي يتطلب سياسات تضمن عدالة المنافسة وحماية فرص التشغيل الوطنية.

وفيما يتعلق بأنماط العمل الحديثة، أوضح عايش أن التوسع في الأتمتة والرقمنة والذكاء الاصطناعي يحقق مكاسب مهمة على صعيد رفع الإنتاجية وتقليل الهدر وتخفيض التكاليف، إلا أنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى تقليص الطلب على العمالة التقليدية إذا جرى تطبيقه بصورة متسارعة.

وأكد ضرورة اتباع مسارين متوازيين، الأول يتمثل في مواكبة التطورات التقنية والاندماج في الاقتصاد العالمي، والثاني في التوسع بالمشروعات كثيفة العمالة وتطوير مهارات العاملين لتمكينهم من التكيف مع التحولات الرقمية والاستفادة منها بدلاً من أن يصبحوا ضحايا لها.

واعتبر أن نجاح هذا التحول يتطلب برامج تدريب وتأهيل مستمرة وخططاً زمنية واضحة تضمن انتقالاً تدريجياً ومتوازناً نحو الاقتصاد الرقمي، مع الحفاظ على فرص العمل وتعزيز مشاركة السوريين في مختلف القطاعات الإنتاجية.

التأمينات والعقود النظامية

من جانبه، رأى الخبير الاقتصادي حسين إبراهيم، أن تنظيم سوق العمل من خلال التأمينات الاجتماعية والعقود النظامية يعزز مستوى الحماية للعاملين ويحد من حالة الفوضى والتسيب في سوق العمل، كما يوفر للعامل شعوراً أكبر بالأمان الوظيفي والاستقرار المهني والمستقبلي.

وقال إبراهيم لصحيفة “الثورة السورية” إن هذه الإجراءات تفرض في المقابل التزامات جديدة على أصحاب الأعمال، وتمثل أحد أشكال التضامن الاجتماعي الذي يضمن حقوق العاملين ويحفظ استدامة العلاقة التعاقدية بين مختلف أطراف العملية الإنتاجية.

وأشار إلى أن بعض العاملين قد ينظرون إلى الاقتطاعات التأمينية باعتبارها عبئاً مالياً إضافياً، ما يستوجب دراسة مستويات الرواتب والأجور بصورة شاملة، بحيث تبقى الأجور الصافية بعد الاقتطاعات قادرة على تلبية الاحتياجات المعيشية الحقيقية للعاملين، ليس من حيث القيمة الاسمية فقط، بل من حيث قدرتها الشرائية الفعلية.

وأكد أن هذه المهمة تتطلب تعاوناً بين الحكومة والقطاع الخاص والجهات الاقتصادية المختلفة لوضع حد أدنى واقعي للأجور يمكن البناء عليه مستقبلاً، بما ينسجم مع تكاليف المعيشة ومستويات التضخم.

الاستقرار الوظيفي

لفت إبراهيم إلى أن العقود النظامية محددة المدة قد تمنح العامل قدراً من الاستقرار الوظيفي، وفي الوقت ذاته تتيح لأصحاب الأعمال تقييم الأداء بصورة دورية وربط الترقيات والزيادات بالأداء والإنتاجية والمهارة والابتكار.

وأوضح أن هذا النمط من العقود يمنح المستثمرين مرونة أكبر في تطوير أعمالهم واختيار الكفاءات المناسبة لمراحل النمو المختلفة، بما يرفع مستوى التنافسية داخل سوق العمل ويشجع العاملين على تطوير مهاراتهم وخبراتهم باستمرار.

وختم الخبير الاقتصادي بالتأكيد على أن الاقتصاد السوري الجديد سيكون أكثر اعتماداً على المعرفة والمهارات والابتكار، الأمر الذي سيؤدي إلى تباين مستويات الأجور وفق الكفاءة والخبرة والتخصص، كما أن الانتقال إلى اقتصاد أكثر انفتاحاً وتنافسية يتطلب الاستثمار في التعليم والتدريب النوعي وتمكين الشباب من اكتساب المهارات الحديثة، بما يضمن قدرة سوق العمل على مواكبة التحولات الاقتصادية العالمية وتحقيق نمو مستدام خلال السنوات المقبلة.

وعد ديب

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار