في سياق التحولات الاقتصادية التي تشهدها السياسات التجارية، تبرز التعريفة الجمركية لعام 2026 كأحد أبرز الأدوات المعتمدة لإعادة تشكيل بنية الاقتصاد الوطني، عبر توجيه الاستيراد نحو دعم الإنتاج المحلي وتحفيز الاستثمار الصناعي.
وبين الأرقام والمؤشرات التي تكشفها التعديلات الجديدة، تتضح ملامح مقاربة اقتصادية تقوم على إعادة توظيف الرسوم الجمركية من أداة جباية إلى أداة لإعادة التوازن بين الاستهلاك والإنتاج، وتعزيز القدرة التنافسية للمنتج الوطني.
وتأتي هذه التوجهات في ظل تحديات هيكلية تتعلق بفجوات في الميزان التجاري، وارتفاع الاعتماد على المستوردات في قطاعات استراتيجية، مقابل طاقات إنتاجية محلية غير مستغلة بالشكل الكامل، إلى جانب ضغوط سوق العمل والحاجة إلى خلق فرص تشغيل جديدة.
وكان السيد الرئيس أحمد الشرع، أصدر الإثنين الماضي، المرسوم رقم 110 لعام 2026، الذي يتضمن جدول “التعريفة الجمركية المتناسقة”، على أن يبدأ العمل به اعتباراً من الأول من حزيران المقبل.
فجوات الاستيراد.. فرص صناعية
تنطلق فلسفة التعديلات الجديدة من اعتبار المستوردات مؤشراً مباشراً لحجم الطلب الحقيقي في السوق المحلية، بحيث تمثل كل سلعة تُستورد بكميات كبيرة فرصة محتملة للتصنيع المحلي في حال توفر الحماية والحوافز الملائمة.
وبهذا المعنى، تتحول التعرفة الجمركية من أداة مالية إلى تنموية تستهدف حماية الصناعات الوطنية، وخفض تكاليف التشغيل، وتحفيز الاستثمار الإنتاجي، وخلق فرص عمل قادرة على استيعاب القوى العاملة الشابة، ضمن سياسة تقوم على إحلال الواردات وتعظيم القيمة المضافة المحلية.
وتكشف بيانات عام 2025 عن وجود فجوات واسعة بين حجم الطلب المحلي والطاقة الإنتاجية المتاحة، وهي فجوات يمكن تحويلها إلى فرص فعلية للنمو الصناعي.
في قطاع الأجهزة الكهربائية، تراجعت الطاقة الإنتاجية إلى نحو 600 ألف جهاز بعد أن كانت تصل إلى مليون جهاز، في حين يمكن أن يسهم تشغيل الطاقات الإنتاجية الكاملة في توفير ما يقارب 25 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.
وفي قطاع المطاحن، فقد بلغ حجم استيراد طحين القمح أكثر من 4.8 ملايين طن، مقابل إنتاج محلي لا يتجاوز 1.26 مليون طن، يعمل فيه 1,050 عاملاً فقط، ما يعكس هامشاً واسعاً لإمكانية توسيع الإنتاج المحلي وتعزيز منظومة الأمن الغذائي.
أما الصناعات الغذائية التحويلية، فتتركز وارداتها في الطحين والزيوت ومتممات الأعلاف، في حين يمكن إنشاء ما بين 15 و20 مصنعاً للتعليب والمخبوزات، بما يوفر بين 5,000 و6,000 فرصة عمل مباشرة، إلى جانب تعزيز قطاع الثروة الحيوانية ودعم سلاسل الإنتاج المرتبطة به.
وفي قطاع مواد البناء، الذي يشهد طلباً متزايداً بفعل مشروعات الإعمار، يمكن تشغيل 20 إلى 25 معملاً محلياً للإسمنت ومواد البناء، بما يخلق ما بين 4,000 و5,000 فرصة عمل مباشرة، ويفتح المجال أمام التوسع في التصدير مستقبلاً.
كما بلغت مستوردات السيراميك ومواد الإكساء أكثر من 695 ألف طن، رغم وجود طاقة إنتاجية محلية تصل إلى نحو 1.2 مليون طن ويعمل فيها 5,760 عاملاً.
وتستورد سوريا نحو 900 ألف طن من الحديد المبروم سنوياً، رغم أن الطاقة المحلية تتجاوز مليوني طن، ما يشير إلى إمكانية إحلال جزء مهم من فاتورة الاستيراد عبر إنتاج وطني قادر على خلق آلاف فرص العمل.
وفي قطاع الألواح الخشبية (MDF)، تبلغ الطاقة الإنتاجية المحلية 6,512,934 متراً مربعاً، ما يتيح، في حال دعم القطاع، توسيع صناعة الأثاث عبر إنشاء 15 إلى 20 مصنعاً إضافياً يوفر بين 1,500 و2,000 فرصة عمل، فيما تتيح الصناعات الكيميائية والبلاستيكية إطلاق 15 إلى 18 مشروعاً صغيراً ومتوسطاً يوفر بين 1,500 و1,800 فرصة عمل مباشرة.
انطلاقاً من ذلك، شملت التعديلات الجمركية طيفاً من القطاعات الإنتاجية، ففي الصناعات الغذائية، استهدفت منتجات، مثل السردين والتونة المعلبة، العصائر، الزيوت النباتية، السمنة، البرغل، السكر، المعكرونة، حليب الأطفال والعسل الطبيعي.
كما شملت الصناعات الهندسية ومواد البناء، مثل الحديد المدرفل، بروفيلات الألمنيوم، الإسمنت، السيراميك، ألواح “MDF”، الأجهزة المنزلية، الكابلات، المحولات الكهربائية، المضخات، والقوالب المعدنية، وامتدت التعديلات إلى الصناعات الكيميائية والبلاستيكية.
الحماية الانتقائية
تعكس التعديلات الجديدة على التعرفة الجمركية لعام 2026 توجهاً اقتصادياً، يهدف إلى إعادة صياغة السياسة التجارية بما ينسجم مع دعم الإنتاج المحلي، وتعزيز الحماية الانتقائية للصناعات الوطنية، مع الإبقاء على انسيابية استيراد المواد الاستراتيجية ومدخلات الإنتاج الأساسية.
وتُظهر الأرقام أن هذه التعديلات ركزت بشكل أساسي على القطاعات كثيفة العمالة والصناعات القابلة للإحلال محل المستوردات، في مقابل منح مرونة أكبر للمواد الأولية والقطاعات الحيوية المرتبطة بالطاقة والصناعات الإنتاجية، ولا سيما الغذائية والدوائية والصناعية.
وتكشف الأرقام أن السياسة الجديدة اتسمت بالانتقائية وليس الانغلاق، فقد بقي 6,258 بنداً جمركياً دون تعديل، أي ما يعادل 74.93 بالمئة من إجمالي البنود، بينما شمل رفع الرسوم 1,125 بنداً بنسبة 13.47 بالمئة، معظمها منتجات نهائية أو شبه نهائية ذات بديل محلي، وفي المقابل، جرى تخفيض الرسوم على 555 بنداً بنسبة 6.65 بالمئة لدعم المواد الأولية والمدخلات الحيوية، وخضع 219 بنداً لمعالجة خاصة مرتبطة بالفاتورة بنسبة 2.62 بالمئة، فيما أُدرجت 195 مادة ضمن القائمة السلبية بنسبة 2.33 بالمئة.
القطاعات الأكثر حماية
تركزت الحماية الجمركية بصورة خاصة في القطاعات التي تمتلك قدرة تشغيلية مرتفعة، لا سيما الصناعات النسيجية والغذائية والجلدية، إضافة إلى بعض الصناعات المرتبطة بمواد البناء والتجهيزات الكهربائية والصناعات المعدنية.
وسجل قطاع الثروة الحيوانية والزراعية أعلى نسبة من البنود، التي طالتها زيادات جمركية بواقع 60 بالمئة من البنود الجمركية، بهدف دعم الأمن الغذائي، يليه قطاع النسيج والخيوط بنسبة 54 بالمئة من البنود، ثم قطاع الجلود والأحذية بنسبة 35 بالمئة.
كما شملت الزيادات 31 بالمئة من بنود الصناعات الغذائية والمشروبات، و26 بالمئة من بنود التجهيزات الكهربائية والإلكترونية، و20 بالمئة من بنود الأسمدة ومواد الصباغة، إضافة إلى 15 بالمئة من بنود الصناعات المعدنية والهندسية.
في المقابل، تركزت التخفيضات الجمركية على المواد الأولية ومدخلات الإنتاج الصناعي والدوائي والزراعي، بما يهدف إلى تخفيض تكاليف الإنتاج المحلي وتحسين القدرة التنافسية للصناعات الوطنية.
وبهذا السياق، حصلت الصناعات الدوائية والكيماويات العضوية على أكبر نسبة من البنود التي خُفّضت جمركياً بواقع 41 بالمئة، تلتها الصناعات الدوائية الجاهزة بنسبة 37 بالمئة، ثم الزيوت والدهون الصناعية والغذائية بنسبة 29 بالمئة، وذلك بهدف تخفيض تكاليف الإنتاج والمعيشة وتعزيز الأمن الدوائي.
ثلاث فئات رئيسة
اعتمدت السياسة الجمركية تصنيف أبرز البنود المستوردة خلال عام 2025 إلى ثلاث فئات رئيسة، وفق طبيعة المادة ودورها في السوق المحلي.
الفئة الأولى: تشمل المواد الاستراتيجية التي لم يطرأ عليها أي تعديل، بهدف الحفاظ على استقرار السوق، ومن أبرزها الإسمنت الأبيض المستورد بكمية 4,157,891 طناً، وزيوت النفط الخام بكمية 2,474,284 طناً، والكلنكر الأبيض بكمية 570,720 طناً.
أما الفئة الثانية: فتضم المواد التي رُفعت رسومها نتيجة توفر بدائل محلية لها، مثل دقيق الحنطة المستورد بكمية 614,929 طناً، والسيراميك بكمية 416,230 طناً، والقضبان الحديدية بكمية 396,041 طناً.
فيما تشمل الفئة الثالثة: المواد التي خُفضت رسومها لدعم قطاعات البناء والثروة الحيوانية، ومن أبرزها الكلنكر الأسود المستورد بكمية 570,720 طناً، والشعير العلفي بكمية 376,967 طناً، والذرة الصفراء بكمية 315,776 طناً.
من ناحية تصنيف السلع، اعتمدت التعديلات مستويات متفاوتة من الحماية، مع تركيز واضح على المنتجات النهائية، وبعض المواد الأولية.
وسجلت المواد الأولية 27.56 بالمئة من البنود التي رُفعت رسومها مقابل 10.55 بالمئة خُفضت، فيما بلغت المواد نصف المصنعة 21.17 بالمئة ارتفاعاً مقابل 14.44 بالمئة تخفيضاً.
وفيما يخص آلات وخطوط الإنتاج، بلغت الزيادات 14.07 بالمئة مقابل 5.97 بالمئة تخفيضات، بينما سجلت مستلزمات الإنتاج 11.06 بالمئة ارتفاعاً مقابل 4.85 بالمئة انخفاضاً.
أما المنتجات النهائية، فقد شهدت 15.03 بالمئة من بنودها رفعاً في الرسوم مقابل 3.21 بالمئة تخفيضاً، في حين بلغت السلع الكمالية 12.23 بالمئة ارتفاعاً مقابل 9.57 بالمئة تخفيضات، بما يعكس توجهاً نحو إعادة توجيه الاستيراد وحماية الإنتاج المحلي.
إعادة بناء سلاسل القيمة الوطنية
تعكس التعديلات الجمركية لعام 2026 توجهاً اقتصادياً يهدف إلى إعادة بناء سلاسل القيمة الوطنية، وتحويل الطلب الداخلي إلى قاعدة إنتاجية قادرة على خلق فرص العمل وتعزيز الاستقرار النقدي.
وتسعى التعديلات إلى تشغيل الطاقات الصناعية المعطلة، ورفع القيمة المضافة للصادرات، وتحسين تنافسية المنتج الوطني، بما يسهم في تعزيز استقرار سعر الصرف وتقوية السيادة الاقتصادية.
وفي حال اقترنت هذه الإجراءات بإصلاحات حقيقية في الطاقة والتمويل والبنية التحتية والتصدير، فإنها قد تمثل نقطة تحول مهمة في مسار الاقتصاد الوطني، عبر الانتقال التدريجي من اقتصاد يعتمد على الاستيراد والاستهلاك إلى اقتصاد إنتاجي قادر على المنافسة إقليمياً ودولياً.
ورغم أهمية الحماية الجمركية، إلا أن نجاح السياسة الجديدة يبقى مرتبطاً بحزمة إجراءات داعمة، أبرزها تأمين الكهرباء والفيول للمصانع، وتسهيل استيراد منظومات الطاقة المتجددة بإعفاءات تخفف تكاليف الإنتاج، واعتماد مبدأ “الحماية مقابل التحديث”، أي أن الحماية ترتبط بتطوير خطوط الإنتاج وتحسين الجودة ومنع الاحتكار، بحيث تتحول إلى أداة لتحفيز الكفاءة والإنتاجية وليس لخلق أسواق مغلقة.
التخطيط و”الحماية الذكية”
تعليقاً على التعديلات في الرسوم الجمركية، يقول الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش، لصحيفة الثورة السورية: إن أهمية هذه الخطة تنبع من اعتبارات عدة، وفي مرحلة غاية في التحدي والدقة.
وأوضح عياش أن هذه السياسة تشير إلى اعتماد التخطيط للمرحلة القادمة، وبالتالي الابتعاد عن الارتجال وضعف التنسيق وردود الفعل الآنية، وهو ما كانت تفتقده الحكومة في الفترة السابقة، وفي ذلك مصلحة وطنية.
واعتبر أن اعتماد مفهوم “الحماية الذكية” للصناعة الوطنية، وفق محددات وأولويات تنموية، يتيح تمكين الصناعة الوطنية من التعافي وسرعة التأقلم مع متطلبات اقتصاد السوق الحر والمنافسة المفتوحة.
كما تسهم السياسة الجديدة في إعادة ضبط التجارة الخارجية وتعزيز إيرادات الخزينة العامة، بما ينعكس على تحقيق توازن نسبي في الميزان التجاري، الأمر الذي ينعكس إيجابياً على استقرار سعر الصرف وتمكين الإنفاق التنموي، وفق عياش.
ويضيف أن هذه الخطة الوطنية يمكن اعتبارها مؤشراً على التعافي، وموجهاً تخطيطياً لكل القطاعات الاقتصادية، إذ تشكل أرضية مناسبة لتحقيق التعافي الاقتصادي وتهيئة الظروف لمرحلة إعادة البناء والإعمار.
توازن دقيق
أوضح عياش أن الخطة الوطنية لضمان عدم الإضرار بحلقات الإنتاج تعتمد على إعفاء مستلزمات الإنتاج والمدخلات الأولية من الرسوم لدعم الصناعات التحويلية، بينما ترتفع الرسوم على السلع النهائية، وهذا النهج الاستراتيجي يخلق توازناً دقيقاً من منظور التكامل الأفقي والعمودي وحماية سلاسل الإمداد.
وأشار إلى أن آليات ضمان التكامل العمودي تقوم على خفض رسوم المواد الأولية، مثل (مدخلات الصناعات الدوائية والغذائية والنسيجية)، ما يقلل من تكلفة الإنتاج على المصانع المحلية، ويسهم في زيادة قدرتها التنافسية، فيما توفر الحماية الجمركية للمنتج النهائي عبر رفع الرسوم على المستورد المماثل الجاهز، ما يخلق طلباً محلياً متزايداً على المنتجات الوسيطة، ويدفع المصانع الموردة (كقطاع البتروكيماويات أو الغزل) إلى توسيع طاقتها التشغيلية بثقة.
وعن آليات تحقيق التكامل الأفقي، لفت عياش إلى أنها تقوم على ربط الاستيراد بالتشغيل، وعليه فإن إخضاع 13.47 بالمئة من البنود لرسوم أعلى، وحصر التخفيض في 6.5 بالمئة، يعكس استراتيجية استهداف للسلع التي يتوفر لها بدائل محلية لحماية الأمن الاقتصادي.
ورأى أن سياسات التسعير المرن تمنع هذه النسبة الاحتكار، وتدفع الشركات، في نفس المستوى الإنتاجي، إلى تنويع مصادر إمداداتها وتطوير تقنياتها نتيجة تحفيز دخول الآلات والتقنيات الحديثة.
تفادي التأثير السلبي
تطرق عياش إلى استراتيجية تفادي “التأثير السلبي”، موضحاً أن الخطة الوطنية تجنبت الإضرار بالقطاعات المتداخلة عبر أدوات عدة واضحة في السياسات الجمركية، منها إعفاء الخامات الأساسية، إذ لا يمكن دعم قطاع النسيج أو الكيماويات برفع رسوم مدخلاته، لأن ذلك سيرفع تكلفة المنتج النهائي، بل على العكس تتدخل الدولة بخفض الرسوم على مدخلات أساسية محددة.
كما تتضمن أيضاً استثناء السلع الاستراتيجية والغذائية لضمان استقرار أسعار المستهلك النهائي وحماية القدرة الشرائية، حيث يتم إعفاء المنتجات الغذائية الأساسية والأدوية ومستلزمات الأطفال من أي رسوم إضافية.
تفعيل قانون الجمارك
رأى عياش أن فعالية هذا النموذج الوطني تعتمد على تفعيل قانون الجمارك الجديد، مثل (مرسوم التعريفة الجمركية المتناسقة) عبر لجان حكومية مشتركة تراقب سلاسل الإمداد بشكل دوري لضبط أي اختلال بين حلقات الإنتاج، إضافة إلى تعاون وتفاعل المجتمع مع هذه الخطة الوطنية سواء عبر قطاع الأعمال من خلال منظماته أو قطاع الاستهلاك.
وشدد على أن الحماية الجمركية المرتفعة لا تكفي وحدها لجعل المنتج المحلي منافساً سعرياً مستداماً، لكنها تعمل فقط كـ “مسكن مؤقت” يرفع أسعار السلع المستوردة قسراً لتتساوى أو تتجاوز تكلفة المنتج المحلي المرتفعة بسبب أزمة الطاقة.
وأشار في الوقت ذاته إلى إمكانية تفكيك هذه المعادلة من خلال وضع آلية لعمل الحماية الجمركية، تقوم على امتصاص الفارق السعري، إذ إن الرسوم المرتفعة (54-31 بالمئة) تخلق عائقاً سعرياً يحمي المنتج المحلي من المنافسة الخارجية الشرسة.
وأوضح أن مثل هذه الإجراءات تمنح المصانع المحلية مهلة زمنية للبقاء في السوق ومحاولة التكيف التشغيلي، وهو ما يعد مهماً في مرحلة الانتقال المتدرج نحو اقتصاد السوق الحر، كما تسهم في توجيه الاستهلاك المحلي لدى محدودي الدخل نحو المنتج المحلي كخيار متاح، بغض النظر عن جودته أو تكلفته الحقيقية.
وأضاف أن الحماية هنا لا تخفض تكاليف الإنتاج بقدر ما ترفع أسعار السلع المستوردة، وبالتالي ينتقل العبء النهائي إلى المستهلك الذي يتحمل جزءاً من تكاليف قطاع الطاقة، كما أن المبالغة في الحماية قد تؤدي إلى تراجع الكفاءة نتيجة غياب المنافسة الحقيقية وما يرافقه من ضعف الحافز لدى المنتجين المحليين لتطوير تقنيات الإنتاج أو البحث عن بدائل لخفض الهدر.
ونبه عياش إلى عامل التهريب، فالفارق السعري الكبير بين السوق المحلية وأسواق الجوار يغذي شبكات التهريب، ما يبطل مفعول الحماية الجمركية.
لذلك، بحسب عياش، يجب أن تكون السياسات الحمائية ذكية، أي محدودة ومحددة ومؤقتة ومرهونة بالنتائج، وفق أولويات تنموية تشمل زيادة المحتوى التقني ورفع مساهمة المكون المحلي في المنتج النهائي، وكذلك نسبة الصادرات من الإنتاج الفعلي، مع إضافة معايير تنموية، مثل المساهمة في المسؤولية المجتمعية وتعزيز القيمة المضافة الاجتماعية.
وفي هذا السياق يمكن توجيه العوائد الجمركية لدعم قروض ميسرة للمصانع للتحول نحو الطاقات المتجددة واعتماد تقنيات توفير الطاقة، وربط الإعفاءات أو الحماية الجمركية بمستهدفات كفاءة الطاقة وتطوير الجودة.
كما يمكن دعم المدخلات الأخرى عبر تخفيض الرسوم على المواد الأولية والآلات المستوردة لتعويض جزء من تكاليف الطاقة المرتفعة، مع اعتماد أساليب دعم المخرجات عند التصدير الفعلي بما يتناسب طرداً مع نسبة الصادرات من الإنتاج.
ولفت عياش إلى إمكانية أن تعمل وزارة الاقتصاد والصناعة على تفعيل آليات رقابية واقتصادية لتقييد حرية التسعير المطلقة للمنتجين المحليين واستخدام “التسعير الإلزامي أو التوجيهي” للسلع الاستراتيجية فقط، مع أن ذلك يتناقض من حيث المبدأ مع التوجه لاعتماد نظام اقتصاد السوق الحر، إلا أنه قد يكون ضرورة مؤقتة تفرضها المرحلة الانتقالية لضمان انتقال مرن وتدريجي، مع ربط منح الحماية بشروط صارمة وتطبيق أدوات مرنة لحماية القوة الشرائية للمستهلك خلال هذه الفترة.
وفي هذا الإطار، يمكن اعتماد تحديد هوامش الربح وإلزامية التسعير عبر إخضاع أسعار السلع الأساسية والمحلية المحمية لرقابة مباشرة، بحيث لا يُسمح للمصانع برفع الأسعار إلا بعد تقديم دراسة تكاليف شفافة والحصول على موافقة وزارية مسبقة.
ويمكن أيضاً ربط فترات الحماية (الرسوم الجمركية المرتفعة) ببرامج زمنية ملزمة للمصانع لتحديث خطوط الإنتاج ورفع الطاقة القصوى (الحماية مقابل التحديث)، مع فرض غرامات أو تخفيض الحماية حال ثبوت استغلال لرفع الأسعار دون مبرر تقني أو تحديثي.
لذلك، تبرز ضرورة تفعيل قوانين منع الاحتكار وتجريم أي محاولة من المنتجين المحليين لتقليل المعروض بهدف رفع الأسعار، مع إتاحة سحب الحماية إذا فشل المنتج في تلبية احتياجات السوق، وفق عياش.
ومن الضرورة لنجاح تطبيق مفهوم الحماية الذكية مراقبة سلاسل الإمداد والتوريد لضمان شفافية التسعير، وإلزام المنتجين ومنافذ البيع بإعلان سعر الوحدة بشفافية تامة وإتاحة منصة أسعار السلع الرئيسية للمقارنة، بما يضع المستهلك كشريك فاعل في كشف أي استغلال، مع تعزيز دور الرقابة المجتمعية عبر منظمات المجتمع الأهلي كجمعيات حماية المستهلك وزيادة الوعي الاستهلاكي.
ومن جانب آخر، يجب العمل على حماية القوة الشرائية للمستهلك، وزيادتها كماً ونوعاً من خلال الدعم المباشر والإعفاءات المؤقتة وفق معايير محددة تضمن حداً مقبولاً من العدالة الاجتماعية، مثل عدد أفراد الأسرة ومعدل الإعالة وحالات الأمراض المزمنة، عبر توجيه الدعم الحكومي وتخفيض الضرائب والرسوم (مثل رسوم الطاقة، والجمارك على المواد الخام ومستلزمات الإنتاج)، بما يقلل تكلفة الإنتاج على المصانع المحلية ويحد من رفع الأسعار على المستهلك النهائي، بحسب عياش.
ويمكن اعتماد استراتيجية الإغراق العكسي (دعم المستوردات البديلة جزئياً) عبر تخفيض أو تعليق الرسوم الجمركية عن السلع الاستهلاكية، والمواد التي لا يتوفر لها بدائل محلية كافية كماً ونوعاً خلال الفترة الانتقالية، لمنع حدوث نقص في المعروض وضبط التضخم.
واعتبر عياش أن من الأهمية بمكان تأمين تمويل مُيسر لسلاسل الإمداد الوطنية، عبر توفير قروض ميسرة وتسهيلات ائتمانية سريعة للمصانع المحلية لتمكينها من استيراد الآلات والمواد بسرعة، وزيادة طاقتها الإنتاجية القصوى لسد الفجوة وتقليص مدى زمن التأخير (Time-lag)، وتفعيل قوانين حماية المستهلك عبر تكثيف الجولات التفتيشية المشتركة.
رولا عيسى
المصدر: الثورة السورية
