اقتصاد السوق في سوريا بعد الحرب..بين ضرورات التحرير وحدود التنظيم

زمن القراءة: 8 دقائق

العالم الاقتصادي- خاص

 بالتوازي مع التحولات التي شهدتها سوريا بعد سقوط النظام البائد في 8 كانون الأول من العام 2024 عاد النقاش بقوة حول شكل النظام الاقتصادي الذي يمكن أن تتبناه الحكومة في مرحلة إعادة البناء، وفي هذا السياق برز في الخطاب الرسمي والاقتصادي مفهوم «الاقتصاد الحر التنافسي» بوصفه الطريق الأقصر نحو التعافي الاقتصادي وجذب الاستثمارات وإعادة إدماج الاقتصاد السوري في النظام الاقتصادي العالمي، غير أن طرح هذا المفهوم غالباً ما يأتي في صورة تبسيطية تقدّم اقتصاد السوق كحل جاهز لمشكلات معقدة تراكمت خلال سنوات طويلة من الحرب والانهيار الاقتصادي.

فالسؤال الحقيقي لا يتعلق بقبول اقتصاد السوق أو رفضه؛ بل بطبيعة النموذج الاقتصادي القادر على تحقيق التوازن بين تحفيز الاستثمار والإنتاج من جهة، وضمان الاستقرار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية من جهة أخرى، وفي حالة اقتصاد يعاني من دمار واسع في البنية التحتية وتراجع كبير في الإنتاج – كما هي حال الاقتصاد السوري- يصبح النقاش حول دور السوق والدولة جزءاً أساسياً من التفكير في مستقبل التنمية الاقتصادية، فإعادة بناء الاقتصاد لا تتعلق فقط بفتح الأسواق أو جذب الاستثمارات؛ بل أيضاً ببناء مؤسسات اقتصادية قادرة على تنظيم النشاط الاقتصادي وضمان تكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين.

السوق الحرة.. بين النظرية والواقع

يُطرح مفهوم السوق الحرة غالباً باعتبارها نموذجاً اقتصادياً يقوم على المنافسة المفتوحة وحرية المبادرة الاقتصادية، حيث يؤدي تفاعل العرض والطلب إلى تحقيق الكفاءة الاقتصادية وتحسين الإنتاجية، غير أن هذا التصور النظري يتجاهل حقيقة أساسية في تاريخ الاقتصاد الحديث، وهي أن الأسواق لا تعمل في فراغ، فحتى أكثر الاقتصادات ليبرالية تعتمد على منظومة واسعة من القوانين والمؤسسات التي تنظم المنافسة وتحمي المستهلكين وتمنع الاحتكار، كما أن ما يسمى «حرية السوق» لم يكن مفهوماً ثابتاً عبر الزمن، فممارسات كانت تعتبر تدخلاً في السوق قبل قرنين، مثل تحديد ساعات العمل أو منع تشغيل الأطفال، أصبحت اليوم جزءاً أساسياً من القواعد الاقتصادية الحديثة، ومن هنا فإن النقاش الاقتصادي في سوريا لا ينبغي أن يدور حول تحرير السوق بشكل مطلق؛ بل حول بناء سوق منظم تحكمه قواعد واضحة تضمن المنافسة العادلة وتمنع تحول التحرير الاقتصادي إلى فوضى اقتصادية أو احتكار جديد.

دروس التاريخ الاقتصادي للدول المتقدمة

غالباً ما يُطلب من الدول الخارجة من الأزمات فتح أسواقها بالكامل والانخراط في التجارة العالمية تحت شعار التنافسية الاقتصادية، إلا أن مراجعة التاريخ الاقتصادي للدول الصناعية الكبرى تكشف أن مسار تطورها كان أكثر تعقيداً، فخلال مراحل نموها الأولى اعتمدت دول مثل بريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا على سياسات حمائية نسبياً، بما في ذلك التعرفات الجمركية المرتفعة ودعم الصناعات المحلية، حتى أصبحت قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية، كما لعبت الدولة دوراً مهماً في توجيه الاستثمار وتطوير البنية التحتية وبناء المؤسسات الاقتصادية، ولم يبدأ الانفتاح الكامل للأسواق إلا بعد أن أصبحت هذه الاقتصادات قوية وقادرة على المنافسة، وفي هذا السياق، فإن تطبيق سياسات تحرير اقتصادي كامل في اقتصاد ضعيف أو مدمر قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ قد تجد الصناعات المحلية نفسها غير قادرة على منافسة المنتجات الأجنبية المتقدمة تكنولوجياً أو المدعومة من حكوماتها.

التنافسية في مواجهة الاحتكار

تقوم النظرية الكلاسيكية للسوق على افتراض وجود عدد كبير من الشركات الصغيرة التي تتنافس فيما بينها، وهو ما يؤدي إلى تحسين الجودة وخفض الأسعار، لكن الواقع الاقتصادي المعاصر يختلف كثيراً عن هذا النموذج المثالي؛ ففي العديد من القطاعات الاقتصادية العالمية تسيطر شركات كبرى متعددة الجنسيات تمتلك قدرات مالية وتكنولوجية ضخمة، ما يجعل المنافسة غير متكافئة بالنسبة للاقتصادات الصغيرة أو الخارجة من الأزمات، وفي مثل هذه الظروف قد يؤدي تحرير الأسواق دون تنظيم فعال إلى تعزيز الاحتكارات بدلاً من تعزيز المنافسة، سواء عبر شركات عالمية تهيمن على السوق المحلية أو عبر نخب اقتصادية محلية تسيطر على قطاعات كاملة من الاقتصاد، ولهذا فإن تحقيق المنافسة الحقيقية لا يتطلب غياب الدولة؛ بل وجود دولة تنظيمية قادرة على ضبط الأسواق ومنع الاحتكار وفرض قواعد شفافة للمنافسة.

دور الدولة في مرحلة إعادة الإعمار

تُظهر تجارب عديدة في آسيا وأوروبا أن الدولة لعبت دوراً محورياً في مراحل إعادة البناء الاقتصادي بعد الحروب أو الأزمات الكبرى؛ ففي دول مثل كوريا الجنوبية واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، قامت الحكومات بتوجيه الاستثمار نحو الصناعات الاستراتيجية وتطوير البنية التحتية ودعم القطاعات الإنتاجية، قبل أن يتوسع دور القطاع الخاص لاحقاً في قيادة النمو الاقتصادي.

وفي حالة الاقتصاد السوري قد يكون للدولة دور حاسم في توجيه الموارد نحو القطاعات الحيوية مثل: الطاقة والصناعة والنقل والزراعة، ولا يعني هذا إلغاء دور السوق أو القطاع الخاص؛ بل يعني تنظيمه وتوجيهه بحيث يخدم عملية التنمية الاقتصادية طويلة الأمد، بدلاً من الاقتصار على الأنشطة الريعية أو التجارية قصيرة الأجل.

العدالة الاجتماعية كشرط للاستقرار الاقتصادي

لا تقتصر عملية إعادة بناء الاقتصاد على تحقيق النمو الاقتصادي فقط؛ بل تشمل أيضاً معالجة الاختلالات الاجتماعية التي تفاقمت خلال سنوات الحرب، فالمجتمعات الخارجة من الحروب والأزمات غالباً ما تعاني من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتآكل الطبقة الوسطى، وفي مثل هذه الظروف قد يؤدي الاعتماد الكامل على آليات السوق إلى تعميق الفوارق الاجتماعية بدلاً من معالجتها، لذلك فإن أي نموذج اقتصادي مستقبلي في سوريا يحتاج إلى تحقيق توازن بين تشجيع الاستثمار والإنتاج من جهة، وضمان الحماية الاجتماعية والعدالة الاقتصادية من جهة أخرى، فالتنمية الاقتصادية المستدامة لا تتحقق فقط عبر النمو الرقمي للناتج المحلي؛ بل أيضاً عبر توزيع أكثر توازناً للفرص والموارد داخل المجتمع، بما يسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

تحديات الانتقال إلى اقتصاد السوق

رغم أهمية الانتقال إلى اقتصاد أكثر انفتاحاً وتشجيعاً للاستثمار، فإن هذه العملية لا تخلو من تحديات معقدة في الحالة السورية؛ فالاقتصاد الذي خرج من حرب طويلة يعاني من ضعف المؤسسات الاقتصادية، وتراجع الإنتاج الصناعي والزراعي، إضافة إلى محدودية رأس المال المحلي القادر على الاستثمار، وفي مثل هذه الظروف قد يؤدي التحرير الاقتصادي السريع إلى هيمنة الأنشطة التجارية والريعية على حساب القطاعات الإنتاجية، كما أن غياب الأطر التنظيمية القوية قد يسمح بظهور احتكارات اقتصادية جديدة، سواء عبر شبكات مصالح محلية أو عبر شركات خارجية تمتلك قدرات مالية أكبر من الاقتصاد المحلي، ولذلك فإن نجاح الانتقال إلى اقتصاد السوق يتطلب بناء مؤسسات تنظيمية قوية تضمن الشفافية وتكافؤ الفرص وتحمي الاقتصاد الوطني في مرحلة التعافي.

نحو نموذج اقتصادي متوازن

إن الجدل الدائر حول «الاقتصاد الحر التنافسي» في سوريا يعكس في جوهره نقاشاً أعمق حول العلاقة بين السوق والدولة في مرحلة إعادة بناء الاقتصاد بعد سنوات طويلة من الحرب والأزمات، فبينما يمكن لاقتصاد السوق أن يلعب دوراً مهماً في تحفيز الاستثمار والابتكار، فإن التجارب التاريخية تشير إلى أن التنمية الاقتصادية الناجحة غالباً ما تعتمد على مزيج متوازن بين آليات السوق ودور الدولة التنظيمي، وبالتالي فإن التحدي الحقيقي أمام سوريا لا يكمن في تبني نموذج اقتصادي نظري واحد؛ بل في صياغة سياسة اقتصادية واقعية تجمع بين ديناميكية السوق وفعالية المؤسسات العامة، بما يسمح بإعادة بناء البنية التحتية، دعم الإنتاج الوطني، وتحقيق قدر معقول من العدالة الاجتماعية، فنجاح مرحلة ما بعد الحرب لن يعتمد فقط على سرعة تحرير الاقتصاد؛ بل على قدرة الدولة والمجتمع على بناء نموذج تنموي مستدام يضع أسس الاستقرار الاقتصادي ويخدم المجتمع ككل في السنوات المقبلة.

آخر الأخبار