تواصل منطقة حسياء في ريف حمص الجنوبي ترسيخ مكانتها كواحدة من أبرز المناطق المنتجة للمواد الإنشائية في سوريا، مستفيدة من موقعها الحيوي بين حمص ودمشق، وما تمتلكه من مخزون جيولوجي مهم جعلها مركزاً رئيسياً لاستخراج الحجر الكلسي الدولوميتي والمواد الداخلة في الصناعات الإنشائية المختلفة.
وبالتوازي مع تزايد الحاجة إلى مواد البناء في المرحلة المقبلة، تتعاظم أهمية هذه المقالع بوصفها أحد الروافد الأساسية لقطاع البناء والإعمار، ومورداً اقتصادياً يسهم في دعم التنمية المحلية وتوفير فرص العمل.
وقال مدير المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية في حمص، درغام الشحود، في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، إن الأهمية الاقتصادية لاستثمار المقالع في حسياء وجندر تكمن في دعم الصناعة المحلية، من خلال توفير المواد الإنشائية الأولية للمعامل القائمة في المدينة الصناعية بحسياء، ومنها معامل البلوك ومجابل الإسمنت وغيرها من المنشآت الإنتاجية، ما يسهم في تأمين مواد البناء للسوق المحلية ويدعم إمكانية التصدير.
وأضاف أن المقالع تشكل رافداً مهماً للاقتصاد الوطني، إذ إن رسوم الاستثمار والرخص الممنوحة تشكل مورداً مالياً للخزينة العامة، إلى جانب ما يترتب على هذا النشاط من تحريك لعجلة النقل والتجارة والخدمات المرتبطة به.
وأشار إلى أن الميزة الجغرافية للموقع لا تقل أهمية عن الثروة الطبيعية ذاتها، فالقرب من الطريق الدولي يسهل حركة الشاحنات والآليات، ويختصر الزمن والتكاليف، ويمنح المنتج قدرة تنافسية أكبر مقارنة بمواد مشابهة تحتاج إلى مسافات نقل أطول.
مواد بجودة عالية تحفز على التوسع
وفيما يتعلق بدور هذه المقالع في قطاع البناء والإعمار، أكد الشحود أن المواد المستخرجة من حسياء وجندر تتمتع بجودة عالية، ناتجة عن قساوة المادة المنتجة وتماسكها، وهي ميزة تجعلها مطلوبة في المشاريع الإنشائية المختلفة، سواء في مشاريع الإسكان أو البنية التحتية أو الطرقات أو المنشآت الصناعية.
وأضاف أن هذه المقالع تسهم بشكل مباشر في تزويد مشاريع الإسكان العامة والخاصة في حمص وريفها بالمواد اللازمة، كما توفر احتياجات مصانع الإسمنت والخرسانة الجاهزة داخل المدينة الصناعية بحسياء، فضلاً عن دورها في مشاريع صيانة وتعبيد الطرق والمرافق الخدمية، وهي مشاريع تحتاج إلى كميات كبيرة من المواد ذات المواصفات الفنية الدقيقة.
وأوضح أن عدد الرخص المقلعية العاملة حالياً في المنطقة يبلغ 54 رخصة، في حين تصل المساحات المستثمرة إلى نحو 163 ألف متر مربع، ما يعكس حجم النشاط الاقتصادي القائم في المنطقة وأهميته، كما تمت دراسة المنطقة لتحديد المواقع القابلة للاستثمار، وبناءً على ذلك جرى قبول 15 طلب ترخيص جديد، بمساحة متوقعة للاستثمار تبلغ 52 ألفاً و350 متراً مربعاً، ما يشير إلى تنامي الاهتمام الاستثماري في هذا القطاع.
تنظيم الاستثمار والرقابة البيئية
وفيما يتعلق بالإجراءات المتبعة لتنظيم الاستثمار ومنح التراخيص، أشار الشحود إلى أن العمل يتم من خلال فرع المؤسسة العامة للجيولوجيا في حمص، وبالتنسيق مع الجهات العامة ذات الصلة، وفق الأنظمة والقوانين النافذة الناظمة لعمل المقالع، ولا سيما قانون المقالع رقم 26 لعام 2009.
وبيّن أن طالب الترخيص يتقدم بطلب خطي مرفق بالأوراق الثبوتية المطلوبة، ثم تتم دراسة الملف من قبل لجنة مختصة في الفرع، وبالتنسيق مع الإدارة العامة، وفي حال الموافقة الأولية يتم استيفاء قيمة الكشف الفني، ليُحال الطلب بعد ذلك إلى لجنة كشف مشتركة تضم مندوبين عن المحافظة وهيئة أملاك الدولة والزراعة والحراج والموارد المائية وسائر الجهات المعنية.
وبعد إجراء الكشف الميداني وموافقة الجهات ذات العلاقة، تُحال المعاملة إلى المحافظة بعد تسديد الرسوم المترتبة، ليصار إلى اعتمادها من المكتب التنفيذي وإصدار الترخيص.
وأكد الشحود أن المتابعة لا تتوقف عند منح الترخيص، إذ تقوم الجهات الإشرافية المختصة في قسم المقالع بفرع حمص بإجراء جولات دورية على مواقع العمل، للتأكد من التقيد بخطة الاستثمار المعتمدة، وتطبيق معايير السلامة المهنية، والالتزام بخطط إعادة التأهيل البيئي، من خلال تسوية المنحدرات، وردم الحفر العميقة بالردميات المناسبة، وتشجير المواقع الممكنة، إضافة إلى الحد من تطاير الغبار عبر رش المياه وتغطية الشاحنات أثناء النقل، بما يضمن تقليل الآثار البيئية والحفاظ على السلامة العامة.
وفيما يخص التحديات الراهنة، لفت الشحود إلى أن قطاع المقالع يواجه عدداً من الصعوبات، في مقدمتها قطاع الطاقة، إذ يؤدي انقطاع الكهرباء إلى رفع تكاليف تشغيل الكسارات والآليات الثقيلة، كما أن ارتفاع تكاليف الشحن والصيانة، نتيجة قدم أسطول النقل وتكرار الأعطال، يشكل عبئاً إضافياً على المستثمرين، علاوة على نقص الآليات الحديثة وقطع الغيار نتيجة الظروف والضغوط الاقتصادية التي سادت في السنوات الماضية، إلا أن هناك توجهاً عاماً لدى وزارة الطاقة لتسهيل إدخال المعدات الحديثة للمستثمرين، وقد بدأ بعضهم فعلياً بإدخال معدات فرز وغربلة حديثة تسهم في تحسين جودة المنتج ورفع مطابقته للمواصفات الإنشائية.
تفاؤل بمرحلة إعادة الإعمار
من جهته، أوضح رئيس الجمعية الحرفية لتكسير الأحجار، خالد الفجر، في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، أن المواد الناتجة عن مقالع المنطقة تدخل في استخدامات واسعة، فهي صالحة لأعمال الصب، ولمجابل الزفت والبيتون، كما تُستخدم في مشاريع تزفيت الطرقات، مشيراً إلى أن هذه المنتجات لا تقتصر على محافظة حمص، بل يتم توريدها إلى عدد من المحافظات السورية بحسب الحاجة والطلب.
وأضاف الفجر أن المقالع توفر أكثر من ألف فرصة عمل، تشمل العمالة الفنية، وسائقي الآليات، والعاملين في النقل والصيانة والخدمات المساندة، لافتاً إلى أن العاملين في هذا المجال أصبحوا أكثر خبرة وتمرساً نتيجة تراكم التجربة العملية عبر السنوات، بالتوازي مع تطور مستمر في آليات العمل.
وأكد أن مواد البناء الناتجة عن مقالع المنطقة تتميز، وفق الاختبارات المخبرية، بجودتها ومقاومتها، مبيناً أن أيام العمل حالياً محددة بثلاثة أيام أسبوعياً، لكنه أعرب عن أمله بزيادة وتيرة الإنتاج مع انطلاق مشاريع إعادة الإعمار وتوسع مشاريع القطاع العام.
بدوره، قال المستثمر في أحد مقالع حسياء، أحمد المصري، لصحيفة “الثورة السورية”، إن إنتاجه الحالي يتراوح بين 150 و300 متر يومياً كمعدل وسطي، وذلك بحسب توفر المحروقات وحجم الطلب، مشيراً إلى أن المواد المنتجة تشمل البحص والنحاتة وغيرها من الأنواع المستخدمة في عمليات البناء والردم وتعبيد الطرقات.
وأوضح أن المقلع يورد إنتاجه إلى مشاريع القطاعين العام والخاص، مؤكداً أن أبرز ما يميز مقالع حسياء هو جودة المواد المنتجة، وهي سمعة اكتسبتها المنطقة عبر سنوات طويلة من العمل.
وأضاف أن مرحلة ما بعد التحرير حملت قدراً من التفاؤل، إذ تحسن توفر المحروقات مقارنة بالفترة السابقة، وتراجعت حالات التلاعب بالأسعار، كما شهد سعر صرف الليرة السورية تحسناً نسبياً، ما ينعكس إيجاباً على استقرار تكاليف التشغيل.
ولفت إلى التزام العاملين بمعايير السلامة المهنية، ولا سيما استخدام معدات الوقاية، مؤكداً أن تحسين واقع الكهرباء وتمديدها بشكل كامل إلى منطقة المقالع، إضافة إلى إيصال المحروقات مباشرة إلى مواقع الإنتاج، سيسهم في تطوير العمل وتسهيله، معرباً عن فخره بدور مقالع حسياء في إعادة إعمار سوريا.
وعُرفت أراضي حسياء سابقاً بطابعها الزراعي والرعوي، وتحولت تدريجياً خلال العقود الماضية إلى مركز إنتاجي مهم مع اكتشاف القيمة الاقتصادية للخامات الحجرية فيها، وإنشاء المدينة الصناعية، إذ باتت تشكل حلقة تكامل طبيعية بين المواد الخام والصناعة التحويلية.
واليوم، ومع دخول سوريا مرحلة تتطلب مضاعفة الجهود لإعادة البناء واستعادة النشاط الاقتصادي، تبدو مقالع حسياء أمام دور متجدد يتجاوز حدود الإنتاج التقليدي، لتكون شريكاً أساسياً في ورشة الإعمار القادمة، ومصدراً وطنياً مهماً للمواد الأولية.
شهد إدريس
المصدر: الثورة السورية
