في زمنٍ تُقاس فيه قيمة الإنسان بعدد الساعات التي يعملها، وبمدى قدرته على “التحمّل” داخل بيئات عمل قاسية، يبرز سؤال جوهري: هل أخلاقيات العمل التي نؤمن بها اليوم صُممت فعلاً لخدمة الإنسان، أم تم توجيهها لخدمة منظومة اقتصادية تُجيد تحويل الجهد البشري إلى أرباح مركّزة في يد القلة؟
هذا السؤال يشكّل المدخل الذي تنطلق منه الفيلسوفة الأمريكية إليزابيث أندرسون في كتابها “مختطفة: كيف حوّلت النيوليبرالية أخلاقيات العمل ضدّ العمال وكيف يمكنهم استعادتها”، حيث تقدم قراءة نقدية عميقة لكيفية “اختطاف” أخلاقيات العمل وتحويلها من أداة للتحرر والكرامة إلى وسيلة للهيمنة والاستغلال.

العدالة الاجتماعية
الكتاب يأتي في سياق عالمي يتسم بتصاعد الجدل حول العدالة الاجتماعية وظروف العمل، وقد تزامن صدوره مع تصريحات مثيرة للجدل لرجل الأعمال الأسترالي تيم غورنر، الذي دعا إلى رفع معدلات البطالة “لإشعار الموظفين بالألم”، في تعبير صادم عن رؤية ترى العامل مجرد أداة إنتاج ينبغي ضبطها عبر الخوف.
هذه التصريحات لم تمر دون رد، إذ وصفها السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز بأنها “مقززة”، مؤكداً أن مثل هذا التفكير يعكس ذهنية متجذرة لدى بعض النخب الاقتصادية.
ترى أندرسون أن هذه التصريحات ليست استثناءً، بل تعبير مباشر عما تسميه “الأخلاقيات المحافظة للعمل”، وهي النسخة التي أعادت النيوليبرالية إنتاجها وترسيخها.
وفقاً لهذه الرؤية، يُطلب من العمال بذل جهد متواصل دون اعتراض، والخضوع التام لسلطة صاحب العمل، بغض النظر عن قسوة الظروف.
وتذهب الكاتبة إلى أن النيوليبرالية، بوصفها أيديولوجيا تفضل السوق على تدخل الدولة، لم تكتفِ بتحرير الأسواق، بل أعادت توزيع السلطة لصالح رأس المال على حساب العمل، بحيث أصبح العامل مضطراً للخضوع من أجل البقاء.
تنظيمات السوق
تعرف أندرسون النيوليبرالية بأنها نظام يمنح الأولوية لتنظيمات السوق على حساب الرقابة الحكومية، بهدف تعظيم ثروة وقوة رأس المال مقارنة بالعمال. لكنها تشير إلى مفارقة أساسية: ما يسمى بـ”تحرير الأسواق” لا يعني بالضرورة تحرير الأفراد، بل قد يؤدي إلى نقل سلطة الدولة إلى الشركات الكبرى، التي تمارس شكلاً من “الحكم الخاص” غير الخاضع للمساءلة الديمقراطية.
في هذا السياق، يستعرض الكتاب الجذور التاريخية لأخلاقيات العمل، التي تعود إلى الفكر البروتستانتي، حيث ارتبط العمل بالواجب الديني والانضباط الأخلاقي. غير أن هذه الأخلاقيات لم تكن متجانسة، بل حملت منذ بدايتها تناقضاً بين اتجاهين: محافظ وتقدمي.
الاتجاه المحافظ، الذي تبناه مفكرون مثل جيريمي بنثام وتوماس مالثوس، كان يميل إلى تبرير الفوارق الطبقية واعتبار الفقر نتيجة لعيوب أخلاقية لدى الفقراء. في المقابل، تبنى الاتجاه التقدمي، الذي مثله مفكرون مثل آدم سميث وجون ستيوارت ميل، رؤية أكثر إنصافاً، تقوم على الديمقراطية والمساواة ورفض وصم الفقر.

صراعات القوة
توضح أندرسون أن هذا الانقسام لم يكن مجرد خلاف فكري، بل انعكاس لصراعات القوة بين الطبقات. فبينما سعى المحافظون إلى تكريس سلطة أصحاب رأس المال، دعا التقدميون إلى تمكين العمال ومنحهم دوراً أكبر في إدارة شؤونهم.
وتبرز هنا مساهمات كارل ماركس، الذي تأثر بالفكر الليبرالي الكلاسيكي، خاصة في تأكيده على أهمية أن يكون العمل وسيلة للتعبير عن الذات، لا أداة للاغتراب والاستغلال.
لكن مع تطور الرأسمالية، حدث ما تصفه أندرسون بـ”الاختطاف”، حيث نجحت النخب الاقتصادية في إعادة توظيف أخلاقيات العمل لخدمة مصالحها. فبدلاً من أن تكون هذه الأخلاقيات معياراً للجميع، أصبحت تُفرض فقط على العمال، بينما يُعفى منها الأثرياء الذين يحققون أرباحهم من المضاربة أو استغلال جهود الآخرين. وهكذا، تحول العامل إلى “مدين أخلاقياً” لصاحب العمل، بينما يُنظر إلى الفقر كدليل على الفشل الشخصي.
الفكر التقدمي
ولا تغفل الكاتبة التناقضات داخل الفكر التقدمي نفسه، إذ تشير إلى أن بعض رموزه، مثل جون لوك، رغم دفاعهم عن حقوق العمال، طرحوا سياسات قاسية تجاه الفقراء. وترى أن هذه التناقضات ساهمت في تمهيد الطريق أمام إعادة توظيف أخلاقيات العمل بشكل يخدم رأس المال.
تنتقل أندرسون بعد ذلك إلى تحليل صعود النيوليبرالية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، مع وصول شخصيات مثل رونالد ريغان ومارغريت تاتشر إلى السلطة. خلال هذه الفترة، تراجعت الديمقراطية الاجتماعية، التي كانت قد حققت تقدماً ملحوظاً في أوروبا الغربية من خلال تعزيز رفاهية الأفراد وحقوقهم. إلا أن النيوليبرالية أعادت الاعتبار للأخلاقيات المحافظة، وركزت على الكفاءة والنمو الاقتصادي على حساب العدالة الاجتماعية.
وتشير الكاتبة إلى أن الأحزاب اليسارية التقليدية لم تنجح في مواجهة هذا التحول، بل تأثرت به، خاصة مع تغير قاعدتها الاجتماعية من الطبقة العاملة إلى الطبقة المهنية. هذا التحول جعلها أكثر تقبلاً لأفكار الجدارة الفردية والمنافسة، وأقل اهتماماً بقضايا العمال.
إهمال ظروف العمل
ورغم اعتراف أندرسون بأن بعض السياسات النيوليبرالية ساهمت في معالجة مشكلات اقتصادية معينة، مثل التضخم أو ضعف الإنتاجية، إلا أنها تنتقد تركيزها الضيق على الكفاءة، وإهمالها لظروف العمل وكرامة الإنسان. فبرأيها، لا ينبغي أن يُقاس نجاح النظام الاقتصادي فقط بمؤشرات النمو، بل بمدى قدرته على تمكين الأفراد وتحسين جودة حياتهم.
في الفصل الأخير، تقدم الكاتبة رؤية بديلة تقوم على إحياء أخلاقيات العمل التقدمية، وتحديثها بما يتناسب مع تحديات العصر. تدعو إلى نظام يضمن لكل فرد الفرص والموارد اللازمة لتطوير قدراته، والعمل في بيئة تقوم على الثقة والتعاون، لا الخضوع والإكراه. كما تقترح تعزيز نماذج مثل التعاونيات العمالية، التي تمنح العمال دوراً أكبر في اتخاذ القرار.
مفهوم العمل
ومع ذلك، لا يخلو الكتاب من ثغرات، إذ تشير المراجعة إلى أن أندرسون لم تقدم تعريفاً دقيقاً لمفهوم العمل، ولم تميز بوضوح بين العمل المدفوع والأنشطة الرمزية التي تمارسها بعض النخب. كما تطرح تساؤلات حول إمكانية تحقيق التغيير في ظل توازنات القوة الحالية، خاصة مع تحذيرات بعض الباحثين من تصاعد الصراعات بين النخب.
رغم هذه الملاحظات، يظل الكتاب عملاً فكرياً مهماً يسلط الضوء على أحد أبرز التحديات في عصرنا: كيف يمكن استعادة كرامة العمل في ظل نظام اقتصادي يميل إلى استغلاله؟ تقدم أندرسون إجابة واضحة: عبر إعادة تعريف أخلاقيات العمل بحيث تخدم الإنسان، لا أن تُستخدم ضده.
وهي دعوة لا تهم العمال فقط، بل كل من يسعى إلى بناء اقتصاد أكثر عدلاً وإنسانية، حيث لا يكون العمل مجرد وسيلة للبقاء، بل مساحة لتحقيق الذات والمشاركة في صنع مستقبل أكثر توازناً.
المصدر: أرقام – موقع “إل إس إي”
