’’خلال الأزمات لا تتحكم البيانات وحدها في الأسواق بل تلعب المشاعر’’
في واحد من أكثر المشاهد إثارة في تاريخ السينما الاقتصادية، وتحديداً في فيلم “مارجن كول” يقف المدير التنفيذي لشركة استثمار عملاقة في منتصف الليل ليصدر أمراً واحداً وبصوت هادئ ومخيف: “بيعوا كل شيء.. الآن.. وبأي ثمن”.
وفي غضون دقائق تتحول قاعة التداول إلى ساحة من الفوضى، حيث يهرع الموظفون للتخلص من أصول بمليارات الدولارات قبل أن يستيقظ العالم ليدرك حجم الكارثة.

هذا المشهد ليس مجرد دراما سينمائية، بل هو “واقع” لما يحدث في كل أزمة مالية حقيقية؛ حيث تختفي الأرقام والتحليلات العقلانية خلف جدار سميك من الذعر الجماعي.
ففي اللحظة التي تشهد فيها الأسواق المالية موجة من الذعر، تختفي العقلانية ويحل مكانها الشاشات ذات اللون الأحمر، وتصبح العناوين الإعلامية مخيبة للآمال.
ويواجه المستثمرون معضلة حاسمة: هل يتحركون سريعاً لحماية أموالهم، أم يتمسكون بمراكزهم مخاطِرين بمزيد من الخسائر؟
وعادة ما يفقد معظم المستثمرين قدراتهم على اتخاذ قرارات متزنة خلال تلك الفترات، لتصبح المبالغة في ردّ الفعل هي السلوك الأكثر قوة وتأثيراً.
من الأزمة المالية العالمية في 2008 إلى الانهيار السريع الذي شهدته الأسواق مع جائحة كورونا في 2020، تكررت مشاهد الهبوط الحاد التي يعقبها تعافٍ قوي.
حتى في الأزمة الأخيرة المرتبطة بالحرب على إيران ظهرت أنماط مشابهة من السلوك؛ حيث دفعت حالة عدم اليقين الجيوسياسي المستثمرين إلى موجات بيع سريعة وواسعة، تركزت بشكل خاص في أسواق المال.
لكن، وكما حدث في أزمات سابقة، لم تستمر هذه التحركات الحادة بالوتيرة نفسها، إذ بدأت الأسواق في استيعاب الصدمة تدريجياً مع اتضاح الصورة، وهو ما يؤكد أن الأسواق لا تتحرك فقط بناءً على البيانات، بل تتأثر بشكل كبير بالحالة النفسية الجماعية للمستثمرين.
هذا الأمر يثير سؤالاً جوهرياً: هل هذه التحركات نتيجة تضخيم نفسي للخوف وعدم اليقين أم تعكس واقعاً اقتصادياً مؤلماً؟
هل تبالغ الأسواق في الهبوط خلال الأزمات؟
تشير الدراسات التطبيقية إلى أن الأسواق غالباً ما تبالغ في رد الفعل خلال الأزمات.
ووجدت أبحاث تناولت عدة انهيارات سوقية بين عامي 1987 و2008 أن هناك نمطاً متكرراً من الإفراط في ردّ الفعل، حيث تميل الأسهم التي تتراجع بشدة أثناء الأزمات إلى تحقيق أداء أفضل لاحقاً خلال فترات التعافي.
ويظهر هذا النمط بشكل أكبر في الأزمات الشاملة، ففي الأزمة المالية العالمية عام 2008، أظهرت دراسة شملت نحو 8000 شركة أن أسعار الأسهم أصبحت أقل من قيمها الحقيقية بشكل ملحوظ، قبل أن تعود تدريجياً إلى مستويات أكثر اتساقاً مع استقرار الأسواق.
وتكرر المشهد خلال أزمة كورونا في 2020، حيث تراجعت الأسواق العالمية بأكثر من 30% خلال أسابيع قليلة، قبل أن تستعيد جزءاً كبيراً من خسائرها خلال أشهر.
وأظهرت استطلاعات للمستثمرين في تلك الفترة أن التوقعات قصيرة الأجل تحولت إلى سلبية حادة، بينما بقيت التوقعات طويلة الأجل أكثر استقراراً نسبياً.
التفاصيل نفسها تكررت مع بداية حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران التي بدأت في 28 شباط الماضي، حيث عكست تحركات الأسواق ردود فعل سريعة ثم تكيفاً تدريجياً.
فمع بداية التصعيد هبط مؤشر “داكس” في البورصة الألمانية خلال بداية آذار بنحو 3.4% في جلسة واحدة كما تراجع مؤشر “كاك 40” في البورصة الفرنسية بنحو 3.46% خلال التوقيت نفسه.
لكن اللافت أن هذه التراجعات لم تستمر بالحدة نفسها؛ فمع انحسار المخاوف من تصعيد أوسع، بدأت المؤشرات في استعادة جزء من خسائرها خلال فترة قصيرة نسبياً، مدعومة بعودة التركيز على الأساسيات الاقتصادية وأرباح الشركات.
هذا السلوك يؤكد مرة أخرى أن الأسواق تميل إلى تسعير أسوأ السيناريوهات في البداية، قبل أن تعيد تقييم الموقف بشكل أكثر هدوءاً، وهو ما يفتح المجال لتحركات تصحيحية تعكس فجوة بين ردّ الفعل الأولي والواقع الفعلي.
لماذا يندفع المستثمرون نحو الذعر؟
إذا كانت المبالغة في ردّ الفعل ظاهرة متكررة، فإن السؤال الطبيعي هو لماذا يقع المستثمرون ضحية لها في كل مرة؟
الإجابة تكمن في التمويل السلوكي، الذي يفترض أن المستثمرين لا يتصرفون دائماً بعقلانية، بل يتأثرون بانحيازات نفسية تشتد خلال الأزمات.
أحد أبرز هذه الانحيازات هو كره الخسارة، حيث يشعر المستثمر بالألم الناتج عن الخسارة بشكل يفوق متعة الربح.
وهو ما يفسر لماذا يفوق ألم الخسارة فرحة المكسب حتى لو كان ضعف القيمة، إذ إنه عندما تحدث أزمة مفاجئة يتوقف الدماغ عن التفكير في القيمة العادلة للسهم ويبدأ في التفكير في “البقاء المالي”.

وفي فترات الهبوط، يدفع هذا الشعور المستثمرين إلى البيع لتجنب المزيد من الألم حتى لو لم تتغير الأساسيات بشكل جوهري.
وخلال آذار 2020، قفز مؤشر “في آي إكس” -المعروف بمقياس الخوف- إلى مستوى قياسي بلغ 82.69 نقطة، وهو مستوى يتجاوز ذروة الذعر في الأزمة المالية العالمية عام 2008.
هذا الرقم أظهر انهياراً واضحاً في الثقة، مما دفع مؤشر إس آند بي 500 للهبوط بنحو 34% في 33 يوماً فقط، في واحدة من أسرع عمليات “المبالغة في رد الفعل” في التاريخ الحديث.
كما يلعب سلوك القطيع دوراً محورياً، فعندما تبدأ الأسعار في التراجع، يفسر المستثمرون تصرفات الآخرين على أنها معلومات، فيتحول البيع إلى عدوى جماعية تُسرّع من وتيرة الهبوط.
وتؤكد البيانات هذا السلوك، فخلال أزمة كورونا، أظهرت دراسات أن المستثمرين الأكثر تفاؤلاً في البداية كانوا الأكثر ميلاً لتقليص استثماراتهم لاحقاً، بينما كان المستثمرون الأكثر تشاؤماً أقل تغييراً في مراكزهم.
كما تضاعف وسائل الإعلام من هذه التأثيرات، ففي عصر تدفق المعلومات اللحظي، تتحول الأخبار السلبية إلى موجات متلاحقة تعزز الخوف وتخلق حلقة تغذية عكسية تدفع الأسواق إلى مزيد من التراجع.
والمستثمرون المؤسسيون ليسوا بمنأى عن ذلك، فقد أظهر مسح عالمي أعدّه بنك أوف أميركا انخفاضاً حاداً في مخصصات الأسهم خلال إحدى فترات التراجع الأخيرة، مدفوعاً بمخاوف من التضخم المصحوب بالركود والمخاطر الجيوسياسية.
باختصار، خلال الأزمات لا تتحكم البيانات وحدها في الأسواق بل تلعب المشاعر أيضاً دوراً رئيسياً.
’’التمييز بين القلق المشروع والذعر المفرط
يظل أحد أصعب التحديات في عالم الاستثمار’’
رغم قوة الأدلة، لا يمكن اختزال كل تحركات الأسواق خلال الأزمات في كونها غير عقلانية.

فالأزمات غالباً ما تحمل آثاراً اقتصادية حقيقية قد تشمل انهيارات مصرفية، ونقصاً في السيولة، وتراجعاً في الطلب، وفي مثل هذه الحالات، قد تكون الانخفاضات في الأسعار مبررة، ما يجعل التمييز بين إعادة التسعير المبررة والذعر المبالغ فيه تحدياً حقيقياً.
تشير الأبحاث إلى أن الأسواق تستجيب بالفعل للمعلومات الجديدة، لكنها قد تفعل ذلك بشكل غير متوازن.
فالأصول الأعلى مخاطرة، على سبيل المثال، تشهد تقلبات أكبر حيث تنخفض أكثر خلال الأزمات، لكنها ترتفع بقوة ملحوظة خلال التعافي، وهذا يعني أن جزءاً من هذه التحركات يعكس تعديلاً منطقياً للمخاطر، وليس فقط مبالغة.
ومع ذلك، فإن نمط التعافي السريع في بعض الحالات -المعروف بالتعافي على شكل حرف V- يوحي بأن الأسواق تصل أحياناً إلى مستويات تشاؤم مفرطة قبل أن تعكس الاتجاه.
بمعنى آخر، بينما تبرر الأزمات الحذر، فإنها لا تبرر دائماً الذعر.
وتكشف الأزمات المالية حقيقة أساسية عن الأسواق وهي أنها ليست مجرد آليات لتسعير الأصول، بل هي انعكاس مباشر للسلوك البشري.
نعم، يميل المستثمرون إلى المبالغة في ردّ الفعل خلال الأزمات، لكن هذه المبالغة ليست عشوائية، بل نابعة من غرائز إنسانية عميقة مثل الخوف، وعدم اليقين، والرغبة في التصرف السريع.
ومع ذلك، ليست كل التحركات غير عقلانية، فالأزمات تحمل مخاطر حقيقية، والتمييز بين القلق المشروع والذعر المفرط يظل أحد أصعب التحديات في عالم الاستثمار.
في النهاية، الأزمات لا تختبر المحافظ الاستثمارية فقط، بل تختبر انضباط المستثمر نفسه، لأن الفارق بين الخسارة والفرصة قد يُحسم في لحظة واحدة، وهي تلك اللحظة التي يبدو فيها الخوف أكثر تأثيراً من أي وقت مضى.
المصادر: أرقام- سي إن بي سي- رويترز- هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية- بيزنس إنسايدر- ماركت ووتش- ذا جورنال أوف فاينانشال ريسيرش
