الحرب ترسم خريطة موانئ اليمن لمواجهة مخاطر الممرات البحرية

زمن القراءة: 6 دقائق
سفن شحن ترسو في ميناء عدن، 31 كانون الأول 2025 (صالح العبيدي/فرانس برس)

دشن وزير النقل في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً محسن حيدرة العمري، أول من أمس الاثنين الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء ميناءي “قرمة” بمحافظة سقطرى و”بروم” بمحافظة حضرموت شرقي اليمن، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري.
وفاجأت خطوة الاتجاه نحو إعادة تشغيل موانئ مهمة استراتيجية كانت مهملة ومتوقفة في مواقع حيوية على بحر العرب والمحيط الهندي، الرأي العام اليمني حيث ربطها البعض بالتوترات في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز واضطراب التجارة العالمية، والمشاريع التي تمت إعادة إحيائها مؤخراً، ومنها المشروع السعودي لتصدير النفط عبر ممرات اليمن وموانئه في بحر العرب.
وأشار وزير النقل، الذي استعرض مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين والتحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، إلى أهمية المشروعين في دعم التنمية الاقتصادية والخدمية في محافظتي سقطرى وحضرموت وتعزيز النقل البحري ورفع كفاءة خدمات الموانئ بما يسهم في تسهيل حركة التجارة وخدمة المواطنين.
ووجه العمري بضرورة وضع آلية عملية لتسريع الإجراءات الفنية والإدارية الخاصة بالمشروعين واستكمالها، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

وأكد وزير النقل، بحسب ما ورد في موقع الوزارة الإلكتروني وحساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي، حرص قيادة الوزارة على المضي في تنفيذ المشاريع الاستراتيجية المرتبطة بقطاع الموانئ لما لها من دور محوري في دعم الاقتصاد الوطني وتطوير البنية التحتية لقطاع النقل البحري، مشدداً على أهمية التنسيق بين الجهات المعنية لتذليل كافة الصعوبات وضمان سرعة إنجاز المشروعين.

إعادة تموضع للموانئ

في السياق، كشف المستشار الاقتصادي برئاسة الجمهورية في اليمن فارس النجار عن معلومات مهمة في هذا الخصوص، حيث أكد أنّ ما يحصل ليس مجرد إعادة تشغيل لموانئ بالمسمى العام، بل إعادة تموضع اقتصادي واستراتيجي للدولة فيما يتعلق بملف الموانئ، في حين يعكس التركيز على موانئ المحافظات الشرقية رغبة الحكومة في تنويع مراكز النشاط الاقتصادي بعيداً عن نقاط الاختناق التقليدية، خاصةً مع تزايد المخاطر الجيوسياسية كما هو حاصل في البحر الأحمر وهرمز واضطراب الممرات، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، لاسيما أن اليمن يستورد أكثر من 85% من احتياجاته، وبالتالي فإن أيّ اضطراب يحصل في سلاسل الإمداد أو في الموانئ الرئيسية ينعكس مباشرة على ارتفاع أسعار السلع وسعر صرف العملة.

غير أن التوسع اليوم في خريطة الموانئ، وفق النجار، هو قرار نقدي وتجاري ولوجستي، يستوعب مقتضيات المرحلة التي تكثر فيها المخاطر الجيوسياسية ليس فقط في اليمن؛ بل أصبح وجود موانئ نشطة ومتعددة في البلاد، مع نشاط متقدم، يعيد لميناء عدن صدارته، خصوصاً فيما يتعلق بنشاط الترانزيت.
فيما يتعلق بميناء بروم وأهميته مقارنة بموانئ حضرموت الأخرى الرئيسية مثل المكلا والضبة والشحر؛ يشرح النجار أنّ ميناء بروم يختلف عن هذه الموانئ في ثلاثة أبعاد رئيسية؛ أولاً من حيث المرونة التشغيلية، فميناء المكلا مثلاً يعتبر ميناء تجارياً رئيسياً لكنه يعاني من ضعف بنيته التحتية، بينما الضبة مخصص لتصدير النفط ولا يخدم النشاط التجاري، أما الشحر فنشاطه محدود جداً، لذا تكمن هنا أهمية بروم في إضافة ميناء مرن ويتمتع بقابلية كبيرة للتطوير بشكل يجعله يخدم الاستيراد وكذا التخزين والتفريغ وجعله نقطة التقاء لوجستي.

مواقع استراتيجي

يتطرق النجار إلى نقطة مهمة يؤكد على عدم إغفالها من حيث هي بعد ثانٍ، وهي موقع ميناء بروم الاستراتيجي؛ حيث يقع على امتداد ساحلي قريب من خطوط الملاحة في بحر العرب، وهذا يمنحه ميزة مهمة تتمثل في تقليل زمن الانتظار والتكاليف مقارنة بالموانئ الأخرى الأكثر ازدحاماً، لذا فهو مشروع مستقبلي واعد والاهتمام به جاء في الوقت المناسب.

أما المحور أو البعد الثالث، حسب النجار، فيتعلق ببيئة العمل، حيث إن بيئة ميناء بروم تهيئ فرصة كبيرة أمامه من حيث المساحة التي بالإمكان أنّ يوفرها من مختلف جوانبه مقارنة ببيئة ميناء المكلا الحضرية، وهو الأمر الذي يوفر فرصة مستقبلية لإنشاء منطقة لوجستية متكاملة في حال كانت هناك خطط للتوسع وجذب الاستثمارات.

وفيما يتعلق بربطه بميناء قرمة في سقطرى، فهناك بُعدّ استراتيجي في هذا الخصوص حسب المستشار الاقتصادي برئاسة الجمهورية في اليمن، وذلك بالنظر إلى أنّ ميناء قرمة لا تكمن أهميته في كونه ميناء تجارياً تقليدياً فقط، بل هو نقطة ارتكاز في المحيط الهندي.
ولفت النجار إلى أهمية موقع سقطرى بالقرب من أحد أهم الممرات العالمية، المحيط الهندي، الذي تمر منه نحو 20% من تجارة الطاقة العالمية، وهذا يمنحها قيمة استراتيجية عالية في هذا الجانب.
ويرى أن التحركات الحكومية لها مغزى اقتصادي بتخفيف الضغط على الموانئ الرئيسية، خفض تكاليف الاستيراد والشحن والتأمين وزمن الانتظار، ودعم استقرار الأسعار وسعر الصرف عن طريق تأمين خطوط الإمداد وتدفق السلع، وما إلى ذلك من ارتباطات في تحسين الأمن الغذائي.
ودشنت وزارة النقل بالمقابل مشروع تطوير مداخل ميناء عدن الذي تم وصفه بمشروع النهوض الوطني الكبير الذي ترعاه الحكومة المعترف بها دولياً، والتي تهدف من وراء هذه الخطوة، المتزامنة مع الخطوة الأهم الأخرى في تشغيل ميناءي “قرمة” في سقطرى و”بروم” في حضرموت، إرسال رسالة بالغة الدلالة في التوجه لموارد خارج دائرة المنظومة الاقتصادية والمالية.

وهو الأمر الذي يتمثل بإعادة إحياء مشروع حيوي آخر في ميناء عدن وفق تأكيدات المسؤولين في وزارة النقل، والتي أشارت إلى أنّ الضرورة الاستراتيجية جعلت من استئنافه أولوية قصوى لكونه يمثل شريان الحياة الذي سيسهل حركة التجارة ويقلل التكاليف ويرفع كفاءة التشغيل.

محمد راجح

المصدر: العربي الجديد

آخر الأخبار