“إذا أردت السلام فاستعد للحرب”.. الصين تعزز أدواتها التجارية رغم “الهدنة” مع أمريكا

زمن القراءة: 12 دقائق
الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الأمريكي دونالد ترمب في لقاء سابق (أسوشيتد برس-أرشيف)

لم تثن هدنة الرسوم الجمركية الموقعة بين الولايات المتحدة والصين أيا منهما عن زيادة الضغوط الاقتصادية المحتمل استغلالها في مواجهة بعضهما بعضاً وهي المواجهة التي قد تندلع من جديد بنهايتها في تشرين الثاني المقبل.

وحسب وكالة رويترز، استخدمت الصين الهدنة لتقوية ترسانتها القانونية، وضوابط سلاسل التوريد والتقنيات الحساسة، وتعزيز أدواتها من الإجراءات الاقتصادية الانتقامية قبل قمة مرتقبة بين البلدين الشهر المقبل.

ومنذ تشرين الأول الماضي، سنّت الصين قوانين لمعاقبة الكيانات الأجنبية (منظمة، شركة، مؤسسة، جمعية أو غيرها) التي تنقل سلاسل التوريد بعيدا عنها، وشددت نظام تراخيص المعادن النادرة، وحظرت استخدام رقائق الذكاء الاصطناعي الأجنبية في مراكز البيانات الممولة من الدولة، ومنعت الشركات الصينية من استخدام برامج أمن سيبراني أمريكية وإسرائيلية، كما تدرس فرض قيود على صادرات معدات تصنيع الألواح الشمسية إلى الولايات المتحدة.

ويُقصد بسلاسل التوريد حلقات المسار الذي تقطعه السلعة من مجرد فكرة أو مادة خام حتى تصل إلى يد المستهلك النهائي (توريد ثم تصنيع ثم تخزين ثم توزيع ونقل ثم إيصال لتجار الجملة والتجزئة فالمستهلك).

أدوات بكين

وفيما يلي الإجراءات المضادة الجديدة التي أعلنتها بكين منذ التوقيع على “الهدنة التجارية”، وفق رويترز:

  • عقد مسؤولون صينيون، في 15نيسان 2026، محادثات أولية مع مزودي معدات تصنيع الألواح الشمسية، في وقت تدرس فيه بكين تقييد صادرات التقنيات الأكثر تقدماً إلى الولايات المتحدة، وتشير تقديرات إلى أن الصين تنتج أكثر من 80% من مكونات الألواح الشمسية في العالم.
  • أصدر مجلس الدولة الصيني، في 13 نيسان الماضي، لوائح جديدة تجيز اتخاذ إجراءات مضادة ضد الدول الأجنبية بشأن “الولاية القضائية الخارجية غير القانونية”، وفق بكين.
  • أصدر مجلس الدولة الصيني، في 7 نيسان 2026، لوائح (قواعد) جديدة بشأن أمن سلاسل الصناعة والتوريد، تمنح السلطات صلاحيات للتحقيق واتخاذ إجراءات ضد دول أجنبية أو شركات أو منظمات دولية تتبنى “إجراءات تمييزية” تقوض سلاسل الصناعة والتوريد الصينية.
  • في 24 شباط الماضي، حظرت وزارة التجارة الصينية، في إطار التصعيد بين بكين وطوكيو، تصدير مواد مزدوجة الاستخدام إلى 20 كياناً يابانياً تقول إنها تزود الجيش الياباني، بما في ذلك معادن نادرة حيوية تستخدم في السيارات والإلكترونيات الاستهلاكية والأسلحة.
  • في 9 كانون الثاني 2026، بدأت الصين تقييد صادرات المعادن النادرة “الثقيلة” والمغناطيسات القوية التي تحتوي عليها إلى الشركات اليابانية.
  • فرضت الصين في 30 كانون الأول 2025، على شركات تصنيع الرقائق استخدام ما لا يقل عن 50% من المعدات المحلية عند إضافة طاقات إنتاجية جديدة، وذلك ضمن مساعي بكين لبناء سلسلة توريد مكتفية ذاتيا في قطاع أشباه الموصلات.
  • في 8 تشرين الثاني الماضي، دخلت حيز التنفيذ ضوابط تصدير أقرتها الصين على بعض بطاريات الليثيوم أيون المتقدمة ومواد الكاثود والغرافيت المستخدمة في الأنود (مكون أساسي في البطاريات)، إضافة إلى المعرفة التقنية المرتبطة بها.
  • أصدرت الصين، في 5 تشرين الثاني 2025، توجيهات تلزم مشروعات مراكز البيانات الجديدة التي حصلت على أي تمويل حكومي باستخدام رقائق ذكاء اصطناعي مصنوعة محليا فقط.
أمريكا تتهم الصين بفرض مزيد من القيود التجارية (الفرنسية)

منطق الاستعداد

ونقلت وكالة رويترز عن خبراء قولهم إن هذا النمط (في إشارة إلى الإجراءات الصينية المذكورة سابقا) يتجاوز مجرد الرد بالمثل، إذ تستخدم الصين “الهدنة التجارية” لبناء قائمة من أدوات النفوذ الاقتصادي، وهو مجال كان حتى وقت قريب حكراً إلى حد كبير على الولايات المتحدة، وذلك قبيل قمة مرتقبة بين الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الأمريكي دونالد ترمب في منتصف أيار المقبل.

يشار إلى أن الهدنة التجارية، المقرر أن تنتهي في تشرين الثاني 2026، جاءت، وفق رويترز، بصورة جزئية بفعل تهديدات بكين العام الماضي بتقييد صادرات المعادن النادرة إلى واشنطن.

وقال محللون إن تلك القيود الصينية تسببت خلال أسابيع في نقص داخل سلاسل توريد السيارات الأمريكية، ما ساعد في دفع ترمب إلى طاولة التفاوض مع شي خلال اجتماع في مدينة بوسان في كوريا الجنوبية.

ومنذ ذلك الحين، لم تمتنع الصين عن تنفيذ أي خطوات أخرى، بل أقرت عدة إجراءات في مواجهة أي جهود نقل الإنتاج إلى خارج البلاد، أو فرض إجراءات ضد وارداتها من المواد الخام، وهي إجراءات تراها بكين ضرورية للدفاع عن مصالحها، حسب وكالة رويترز.

قواعد الرد

وخلال نيسان الجاري، وقع رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ لائحتين، هما الأوليان من نوعهما في البلاد، وتمنحان السلطات صلاحيات واسعة للتحقيق مع شركات وحكومات وأفراد أجانب تتهمهم بكين بالتمييز ضد السلاسل الصناعية وسلاسل الإمداد الصينية، أو بفرض ما تصفه الصين بأنه “ولاية قضائية خارجية غير مبررة” ضد كيانات صينية، ويمكن للسلطات بموجب اللائحتين منع دخول من تثبت مخالفتهم، أو طردهم، أو مصادرة أصولهم.

وزادت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تركيز الصين على الإجراءات الاقتصادية الجديدة، خصوصا بعدما هدد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت في منتصف نيسان الجاري بفرض عقوبات على مشتري صادرات النفط الإيرانية، التي تشتري الصين 80% منها.

ووصف حساب “يويوان تانتيان”، وهو منصة للتواصل الاجتماعي تابعة لتلفزيون الصين المركزي (حكومي) اللوائح الجديدة بكونها إجراءات قانونية مضادة، وكتب بعد يومين من تحذير بيسنت: “في الماضي، كانت إجراءاتنا المضادة تتركز إلى حد كبير في المجال التجاري، لكن الاحتكاكات الدولية اليوم شاملة، وهذه الأدوات لم تعد كافية”.

ودخلت قواعد سلاسل التوريد والتدخل خارج الحدود حيز التنفيذ فوراً من دون إتاحة فرصة لتلقي آراء الشركات، وفق رئيس غرفة التجارة الأمريكية في الصين مايكل هارت.

يشار إلى أن الهدنة التجارية، المقرر أن تنتهي في تشرين الثاني 2026، جاءت، وفق رويترز، بصورة جزئية بفعل تهديدات بكين العام الماضي بتقييد صادرات المعادن النادرة إلى واشنطن.

وقال محللون: إن تلك القيود الصينية تسببت خلال أسابيع في نقص داخل سلاسل توريد السيارات الأمريكية، ما ساعد في دفع ترمب إلى طاولة التفاوض مع شي خلال اجتماع في مدينة بوسان في كوريا الجنوبية.

ومنذ ذلك الحين، لم تمتنع الصين عن اتخاذ أي خطوات أخرى، بل أقرت عدة إجراءات في مواجهة أي جهود لنقل الإنتاج إلى خارج البلاد، أو فرض إجراءات ضد وارداتها من المواد الخام، وهي إجراءات تراها بكين ضرورية للدفاع عن مصالحها، حسب وكالة رويترز.

قواعد الرد

وخلال نيسان الجاري، وقع رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ لائحتين، هما الأولى من نوعهما في البلاد، وتمنحان السلطات صلاحيات واسعة للتحقيق مع شركات وحكومات وأفراد أجانب تتهمهم بكين بالتمييز ضد سلاسلها الصناعية وسلاسل التوريد، وبإنفاذ ما تصفه الصين بأنه “ولاية قضائية خارجية غير مبررة” ضد كيانات صينية، ويمكن للسلطات منع دخول من تثبت مخالفتهم، أو طردهم، أو مصادرة أصولهم.

وقدّم حساب “يويوان تانتيان”، وهو حساب على وسائل التواصل الاجتماعي تابع لتلفزيون الصين المركزي، اللوائح الجديدة صراحة بوصفها إجراءات قانونية مضادة، وكتب هذا الحساب بعد يومين من تحذير بيسنت ما يلي: “في الماضي، كانت إجراءاتنا المضادة تتركز إلى حد كبير في المجال التجاري، لكن الاحتكاكات الدولية اليوم شاملة، وهذه الأدوات لم تعد كافية”.

ودخلت اللائحتان الخاصتان بسلاسل التوريد والتدخل خارج الحدود حيز التنفيذ فوراً من دون إتاحة فرصة لتلقي آراء الشركات، وفق رئيس غرفة التجارة الأمريكية في الصين مايكل هارت.

ونقلت وكالة رويترز عن هارت قوله: “تواجه الشركات الآن حالة من عدم التكافؤ: تستطيع الصين تقليص مشترياتها من الشركات الأجنبية بعواقب محدودة، بينما تواجه شركة أجنبية تقلص اعتمادها على الصين خطر الخضوع للتحقيق”.

ضغط واشنطن

مارست واشنطن بدورها ضغوطاً على بكين، إذ فتحت في آذار الماضي تحقيقات تجارية بشأن فائض الطاقة الصناعية وممارسات “العمل القسري” في الصين، إلى جانب قيود تصدير على أشباه الموصلات ومعدات تصنيع الرقائق إلى الصين، وهي قيود أبطأت قدرة بكين على إنتاج رقائق متقدمة.

ويقول تشيم لي محلل السياسات الصناعية في وحدة “إيكونوميست إنتليجنس”: “بسبب ضوابط التصدير، لا تستطيع الصين الوصول إلى بعض أكثر معدات تصنيع أشباه الموصلات تقدما في العالم”.

كما عقّدت المنافسة على أدوات النفوذ مأمورية الصين لإبرام صفقة شراء طائرات بوينغ الأمريكية بعشرات مليارات الدولارات، فبكين تريد الطائرات وقطع الغيار، لكن واشنطن قالت إنها تحتاج إلى شحنات صينية من عنصر الإيتريوم، وهو معدن نادر يُستخدم في تصنيع محركات الطائرات، وذلك وفق تصريحات مسؤولين حكوميين أمريكيين ومسؤولين في شركات على دراية بمناقشات الصفقة.

وردت الصين على الموقف الأمريكي بتصعيد ضوابطها التنظيمية، فمنذ أواخر عام 2025، ألزمت شركات الرقائق باستخدام ما لا يقل عن 50% من المعدات المحلية عند إضافة طاقات إنتاجية جديدة، كما حظرت بعض برامج الأمن السيبراني الأمريكية والإسرائيلية، وفرضت على مراكز البيانات الممولة من الدولة استبدال رقائق الذكاء الاصطناعي الأجنبية بأخرى محلية، بما يدفع نحو الإحلال المحلي ويقصي الموردين الأمريكيين من السوق الصينية.

سلاسل الرقائق

قالت وزارة التجارة الصينية إنها تراقب عن كثب الخطط التشريعية للولايات المتحدة بعدما أقرت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي مشروعات قوانين لضوابط التصدير تستهدف أشباه الموصلات، وحذرت بكين من أن هذه التشريعات قد تعطل سلاسل التوريد العالمية إذا أُقرت.

ووصفت الوزارة، في بيان نقلته وكالة بلومبيرغ، خطوة المشرعين الأمريكيين بأنها توسع في استخدام مفهوم الأمن القومي لتبرير القيود التجارية، وقالت: إن إساءة استخدام ضوابط التصدير ستقوض النظام الاقتصادي الدولي، وتلحق الضرر بصناعة الرقائق العالمية، وفق بيان صادر عن وزارة التجارة الصينية يوم السبت الماضي.

وقالت الصين إنها ستقيّم بعناية تأثير هذه الخطط التشريعية على مصالحها الوطنية إذا أصبحت قوانين نافذة، وتعهدت باتخاذ الخطوات اللازمة لحماية الحقوق المشروعة للشركات الصينية، من دون أن توضح الإجراءات المضادة التي قد تلجأ إليها.

مرتكزات تعطيل

اعتبرت غرفة التجارة الأوروبية في الصين، في تقرير لها صدر في نيسان الحالي بشأن ضوابط التصدير الصينية، أن استخدام الصين لضوابط تصدير ذات أثر خارج حدودها قد “يعطل سلاسل التوريد العالمية على نطاق غير مسبوق، مما يؤدي إلى أضرار اقتصادية وغير اقتصادية”.

وقال جو مازور محلل الجغرافيا السياسية لدى شركة “تريفيوم تشاينا”: “سيكون ثمة جهد أكبر من الجانب الصيني لتحديد مرتكزات جديدة للضغط والتعطيل، وسيواصلون تجربة أدوات مختلفة لمعرفة ما الذي سينجح منها”.

المصدر: الجزيرة- بلومبيرغ + بوليتيكو + رويترز + نيويورك تايمز
آخر الأخبار