يتصاعد النقاش حول قرار مصرف سوريا المركزي المتعلق بإلزامية تسليم الحوالات الخارجية بالليرة السورية، بين من يراه خطوة باتجاه ضبط سوق الصرف وتعزيز العملة المحلية، ومن يحذر من تداعياته في ظلّ الفجوة القائمة مع السوق الموازية، وما قد يرافق ذلك من انعكاسات على التحويلات عبر القنوات الرسمية.
وتُشكّل الحوالات الخارجية ركيزة أساسية لدعم الكثير من السوريين، إذ تُعدّ رافداً وشرياناً يعزّز القوة الشرائية ويحرك عجلة الاقتصاد.
وبلغت قيمة الحوالات، بحسب تصريح سابق لحاكم مصرف سوريا المركزي الدكتور عبد القادر حصرية، أربع مليارات دولار خلال عام 2025، وهو رقم يفوق موازنة الدولة للعام ذاته، التي بلغت 3.493 مليار دولار، بينما بلغ الناتج المحلي 30.6 مليار دولار.
وبحسب البنك الدولي، أصبحت التحويلات “شريان حياة” للعديد من الأسر السورية، بقيمة إجمالية بلغت نحو ثماني مليارات دولار في 2023.
سعر وسطي
مع الجدل الواسع الذي أثاره القرار، أعلن المركزي تأجيل اعتماده حتى 1 أيار المقبل استجابة لطلبات شركات التحويل، وذلك لإتاحة الوقت اللازم لاستكمال الجاهزية الفنية المطلوبة.
وقال المركزي في بيان “توضيحي”، الخميس: إن قرار تسليم الحوالات بالليرة “يقتصر حصراً على الحوالات الواردة عبر شركات التحويل السريع مثل (ويسترن يونيون) ومثيلاتها”، بينما تُسلم جميع الحوالات الأخرى بالعملة الواردة بها أو ما يعادلها بالليرة السورية وفق الأنظمة النافذة وحسب رغبة المستفيد.
ونص القرار على تسليم الحوالات بالليرة وفق سعر نشرة المصرف المركزي مع هامش للتسعير ليعكس سعر السوق، بما يحقق التوازن ويخدم مصلحة المتعاملين.
وحدد المصرف في النشرة الرسمية الصادرة يوم الأحد، سعر الدولار عند 112.5 ليرة جديدة (11,250 ليرة قديمة) للشراء و113.5 ليرة (11,350 ليرة قديمة) للمبيع.
ورفع المصرف في 16 من الشهر الحالي هامش الحركة السعري من 7 بالمئة إلى 15 بالمئة، وهو إجراء يمنح المصارف المرخص لها التعامل بالقطع الأجنبي ومؤسسات الصرافة مرونة في إصدار نشرات أسعار الصرف الخاصة بها، والتسعير أعلى أو أدنى من سعر المصرف المركزي ضمن هذا الهامش المقرر.
ونفى المصرف التعميم المنسوب إلى إحدى شركات الصرافة، “كونه صدر قبل صدور أي قرار رسمي عن المصرف، وتضمن ادعاء بأن جميع الحوالات تسلّم بالليرة السورية، وهو أمر غير صحيح”.
علامة ارتباك
أكد مصرف سوريا المركزي أنه لا يوجد أي تناقض بين ما صدر عنه وما يتم تداوله، داعياً إلى اعتماد المصادر الرسمية للحصول على المعلومات وعدم الانجرار وراء الشائعات.
ورأى الباحث والخبير الاقتصادي الدكتور عبد المنعم الحلبي أن قرار تسليم الحوالات الخارجية القادمة عبر الشبكات العالمية بالليرة السورية بدل الدولار يُعد محاولة مباشرة لزيادة الطلب على العملة المحلية وتعزيز الاحتياطيات، إلا أن نفيه ثم إعادة إعلانه شكّل- بحسب تعبيره- “علامة ارتباك” في عمل المصرف المركزي، مشيراً إلى أن ذلك لا يُعد بالضرورة تعدداً في مراكز القرار أو خللاً في التواصل الإعلامي والتنسيق، لكنه يبقى أمراً حساساً في ظلّ تزايد التصريحات الصادرة عن حاكم المصرف.
وقال الحلبي لصحيفة “الثورة السورية” :إن تطبيق هذا القرار في بيئة منخفضة الثقة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ قد يدفع جزءاً من التحويلات إلى قنوات غير رسمية، ما يحرم الاقتصاد من تدفقات أساسية ويضعف قدرة الدولة على ضبط السوق النقدية، مشيراً إلى أن الإشكالية الأساسية، سواء في هذا القرار أو غيره من الإجراءات النقدية حتى الآن، لا تكمن في طبيعتها منفردة، بل في التزامن والسرعة التي تتواتر بها في فضاء اقتصادي غير منضبط ، فبدلاً من أن تأتي ضمن مسار تدريجي وفق خطّة مرحلية يمتد فيها الزمن وتنضبط فيها الإجراءات، جاءت متداخلة ومضغوطة زمنياً، وربما معكوسة، ما زاد من حالة عدم اليقين.
أسعار متباينة
تعتمد شركات الصرافة المرخصة نشرات أسعار يومية يحددها مصرف سوريا المركزي، مع السماح بهوامش حركة تصل حالياً إلى 15 بالمئة، بهدف تقليص الفجوة مع السوق الموازية وتشجيع التحويل عبر القنوات الرسمية. وفي المقابل، تبرز تحديات مرتبطة باستمرار فارق السعر بين القنوات الرسمية والسوق السوداء، ما ينعكس على رغبة المستفيدين في استلام حوالاتهم بالليرة السورية بدلاً من الدولار أو اليورو.
ويرى الباحث والخبير الاقتصادي الدكتور فراس شعبو، أن تسليم الحوالات بالليرة السورية قرار سيادي يعكس سيطرة المصرف المركزي، ويرتبط بجوهر السياسة النقدية وسلوك السوق، متسائلاً عن قدرة المصرف على ضبط السعر وتوحيده بين السوق الرسمية والسوق السوداء، في ظلّ الفجوة السعرية القائمة.
وأوضح شعبو لصحيفة “الثورة السورية”، أنه إذا كان السعر الرسمي أقل من سعر السوق السوداء، وهو السيناريو الشائع، فإن ذلك يخلق فجوة سعرية تدفع غالبية المتعاملين إلى السوق الموازية.
وأضاف أن هذا الواقع يتطلب أن يكون المصرف المركزي قادراً على التسليم بسعر قريب من سعر السوق الموازية، وإلا فإن القرار لن يكون ناجعاً، ويعيد إلى الأذهان تجارب سابقة كان فيها جزء كبير من عمليات التحويل يتم عبر قنوات غير رسمية ومكاتب صرافة خارج الإطار النظامي.
وأشار شعبو إلى أن اختلاف سعر السوق عن السعر الرسمي يؤدي إلى خسائر مباشرة للأشخاص والمستثمرين في قيمة حوالاتهم، وفرض كلفة غير مباشرة عليه نتيجة خلل في التسعير وبيئة تضخمية غير مستقرة.
كما لفت إلى تباين في أسعار الدولار بين المحافظات، إضافة إلى الفروقات بين الريف والمدينة، ما يشكل عبئاً إضافياً على استقرار السوق.
استغلال الفجوة السعرية
تُعد الحوالات شرياناً أساسياً للنقد الأجنبي في معظم الدول، وتسعى الحكومات عادة إلى إدخالها ضمن القنوات الرسمية عبر المصارف، إلا أن غياب العدالة في التسعير يدفع الأفراد إلى اللجوء إلى السوق السوداء، خاصة في ظلّ تراكمات التجربة خلال السنوات الماضية وفقدان الثقة، وفق شعبو.
وحذّر الخبير الاقتصادي من أن اتساع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي يؤدي إلى نتيجة متوقعة تتمثل في الابتعاد عن القنوات الرسمية والاتجاه نحو التحويلات غير النظامية، معتبراً أن معالجة ذلك يتطلب ضبط السوق ومحاربة المضاربات التي تؤثر على استقرار سعر الصرف.
وأشار شعبو إلى أن المصرف، بهذا الإجراء، يفرض سعراً غير متوازن وغير حقيقي يُجبر أصحاب الحوالات على التعامل به، ما قد يخلق تشوهات في السوق ويفتح المجال أمام الفساد وتهريب الأموال ويزيد من فرص التلاعب.
وأضاف أن هذا الواقع قد يسمح أيضاً باستغلال الفجوة السعرية، موضحاً أنه لا يمكن افتراض التزام مثالي في التعامل مع فروقات كبيرة بين السوقين، خاصة في ظلّ ارتباط الأمر المباشر بالأموال وسلوك المتعاملين.
ورأى أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب وضع قوانين تتناسب مع البيئة المصرفية الحالية، مع ضرورة توفر احتياطيات لدى الدولة، وأن يكون السعر الرسمي قريباً من سعر السوق بفارق محدود لا يتجاوز نحو 150 ليرة، معتبراً أن الفجوة التي تصل إلى 10 أو 15 بالمئة بين السعرين تمثّل- بحسب وصفه- إشكالية كبيرة في الاستقرار النقدي.
عزة شتيوي
المصدر: الثورة السورية
