يشكل اعتماد أوروبا على الوقود الأحفوري المستورد (النفط) إحدى أبرز نقاط ضعف اقتصاد القارة، فقد أدت الصدمات الأخيرة في أسعار الطاقة إلى تحويل موارد هائلة خارج أوروبا، ودفعت إلى تدخلات طارئة، وأرهقت المالية العامة، وهذه التكاليف حقيقية ومتكررة، وتُهدر في معظمها.
تقع مسؤولية سياسة الطاقة على عاتق الحكومات المنتخبة، لكن اعتماد أوروبا على الطاقة له أيضاً تداعيات عميقة على البنك المركزي الأوروبي، لذلك يجب أن تكون المهمة الأساسية هي استقرار الأسعار، ومع ذلك فإن الصدمات المتكررة في أسعار الطاقة تجعل تحقيق هذا الهدف أكثر صعوبة.
ولا تزال أوروبا من بين الاقتصادات المتقدمة الأكثر اعتماداً على الوقود الأحفوري المستورد، وقد تجلى هذا الضعف بوضوح بعد اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، عندما ارتفعت أسعار الطاقة بشكل حاد، ما دفع التضخم في منطقة اليورو إلى 10.6% في أكتوبر 2022، وأدى إلى ما وصفه البعض بـ«تضخم الوقود الأحفوري».
وأبرزت التوترات الجيوسياسية الأخيرة مدى ضآلة التغيير، الذي شهدته القارة في حجم هذا الاعتماد، حيث أدى الصراع في الشرق الأوسط إلى ارتفاع جديد في تكاليف الطاقة الأوروبية، وتوضح التوقعات الاقتصادية الكلية الصادرة عن البنك المركزي الأوروبي في مارس كيف يتوقع أن يؤدي ذلك إلى زيادة التضخم، وانخفاض النمو في عام 2026.
ويعد هذا سيناريو معقداً، فتشديد السياسة النقدية لاحتواء التضخم قد يُعمّق التباطؤ الاقتصادي، بينما قد يؤدي تخفيف السياسة النقدية لدعم النمو إلى ترسيخ التضخم، ومن الناحية النظرية يمكن للبنوك المركزية التغاضي عن صدمات العرض المؤقتة، شريطة ألا تمتد إلى ضغوط سعرية أوسع وأكثر استدامة، وأن تبقى توقعات التضخم مستقرة، وألا تظهر دوامات الأجور والأسعار، لكن الصدمات المتكررة والمستمرة في قطاع الطاقة تختبر جميع هذه الأمور، وهو ما أكدته رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، مؤخراً.
إن أوروبا ليس باستطاعتها القضاء على المخاطر الجيوسياسية، لكن بإمكانها الحد بشكل كبير من تعرضها لها، والطريقة الأنجع لتحقيق ذلك هي خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد، وتسريع التحول المنظم إلى الطاقة النظيفة، وإذا ما حققت أوروبا أهدافها في مجال الطاقة المستدامة فإن العلاقة بين أسعار الطاقة المحلية وأسواق الطاقة العالمية المتقلبة ستضعف بشكل كبير.
ويُبرهن تحوّل إسبانيا إلى الطاقة المتجددة على فوائد الاستثمار فيها، إذ تشير تقديرات بنك إسبانيا إلى أن أسعار الكهرباء بالجملة في أوائل عام 2024 كانت أقل بنحو 40 % مما كانت ستكون عليه لو بقي توليد الطاقة من الرياح والطاقة الشمسية عند مستويات عام 2019.
ومن شأن التوسع في تطبيق هذه الاستراتيجيات أن يقلل من الصدمات التي قد تتعرض لها الأسر والشركات والمالية العامة والأسواق المالية، وبالتالي يُحقق في نهاية المطاف استقراراً أكبر في الاقتصاد الكلي والأسعار.
إن البعض يرى أن هذا التحوّل مكلف للغاية، صحيح أن المفوضية الأوروبية تُشير إلى أن الاستثمار سيحتاج إلى بلوغ نحو 660 مليار يورو سنوياً بين عامي 2026 و2030، إلا أن التركيز على هذه التكاليف فقط يُعد مضللاً للغاية، حيث يُغني الاستثمار في الطاقة النظيفة والمستدامة عن الإنفاق الكبير على الوقود الأحفوري، وتُنفق أوروبا اليوم ما يقرب من 400 مليار يورو سنوياً على واردات الوقود الأحفوري، في المقابل تعد التكلفة الحدية لإنتاج الطاقة المتجددة محلياً أقل هيكلياً، وبمجرد إنشاء البنية التحتية اللازمة تصبح الطاقة نفسها شبه مجانية.
يظهر تحليل جديد للجنة تغير المناخ في المملكة المتحدة أن فوائد كل جنيه استرليني يستثمر في الطاقة المستدامة تفوق تكاليفها بنسبة تتراوح بين 2.2 و4.1 أضعاف، لذا ليس من المستغرب أن تشير التقارير الحديثة، بما فيها تقرير ماريو دراجي حول «مستقبل التنافسية الأوروبية»، إلى خفض الانبعاثات الكربونية ركيزة أساسية للاستراتيجية الاقتصادية الأوروبية طويلة الأجل.
ولحسن الحظ فإن الأدوات اللازمة لإحداث هذا التحول متاحة، ويتطلب ذلك استثمارات أولية ضخمة، وأسواق رأس مال عميقة وفعّالة، وبيئة سياسات مستقرة، وسيكون إحراز تقدم في اتحاد الادخار والاستثمار ضرورياً لتعبئة رأس المال بالحجم المطلوب.
إن استقرار السياسات، إلى جانب الحوافز المناسبة، أمر بالغ الأهمية، لضمان إعطاء الأولوية للمنظورات طويلة الأجل على المكاسب قصيرة الأجل، وأن تُعزز الأهداف العامة والخاصة بعضها بعضاً بدلاً من أن تُقوّض بعضها.
ويبدأ ذلك بتحقيق أهداف خفض الانبعاثات الكربونية الحالية، والحفاظ على نظام تداول الانبعاثات أداة موثوقة وقائمة على السوق لتسعير الكربون، كل هذا ليس بالأمر الهين، لكن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت أوروبا قادرة على تحمل تكاليف التحول في قطاع الطاقة، بل ما إذا كانت قادرة على تحمل تكاليف عدم القيام بذلك، ومن منظور البنوك المركزية فإن الإجابة واضحة.
فرانك إلديرسون – عضو المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي
المصدر: فايننشال تايمز