حين يكسر الذكاء الاصطناعي حلقة الفقر.. كيف يغير العالم النامي؟

زمن القراءة: 13 دقائق
تخيّل طبيباً في قرية نائية، تفصله عن أقرب مستشفى مئات الكيلومترات من الطرق الوعرة، يقف حائراً أمام حالة مرضية معقدة، ولا يمتلك الطبيب الخبرة التخصصية اللازمة لتحديد حالته بدقة.

لعقود طويلة، كان هذا المشهد ينتهي بمأساة مألوفة في أماكن كهذه، لكن ماذا لو امتلك هذا الطبيب مساعداً طبياً مدعوماً بالذكاء الاصطناعي، يستطيع تحليل أعراض المريض وتاريخه الصحي، ومراجعة نتائج فحوصاته الحالية والسابقة، وأخذ تاريخه المرضي والعائلي في الاعتبار، ومقارنة هذه المعلومات بالمعرفة الطبية المتاحة وأحدث الأبحاث العلمية، ثم تقديم احتمالات تشخيصية وتوصيات تساعد الطبيب على اتخاذ قرار أفضل. كل ذلك خلال وقت قصير، ودون أن يغادر المريض قريته.

فبينما ينشغل جزء كبير من النقاش في الاقتصادات المتقدمة بتأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف المكتبية، وتحسين الإنتاجية، وخفض تكاليف التشغيل، أعتقد أن هناك قصة أخرى مختلفة وملهمة لا تحظى بالاهتمام الذي تستحقه.

قصة دول يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدها ليس فقط على تحسين كفاءة ما تمتلكه من موارد، بل على تجاوز بعض العقبات التنموية المزمنة التي عجزت خطط التنمية التقليدية عن معالجتها لعقود طويلة، وأقصد هنا تحديداً ثلاثة قطاعات أساسية تمس حياة الإنسان بصورة مباشرة: التعليم، والصحة، والخدمات الحكومية.

القفز فوق المراحل واستراتيجية «قفزة الضفدع»

في الاقتصاد والتكنولوجيا، هناك مفهوم يُعرف باسم «القفز فوق المراحل»، ويطلق عليه أيضاً «قفزة الضفدع» أو «Leapfrogging»، ويصف قدرة الدول أو المؤسسات على الانتقال مباشرة إلى تقنية حديثة، دون المرور بجميع المراحل التقنية التي سبقتها.
ولعل أحد أوضح الأمثلة على ذلك ما حدث في قطاع الاتصالات في أماكن عديدة حول العالم. فبينما استثمرت الدول المتقدمة لعقود في بناء شبكات الهاتف الأرضي، تجاوزت العديد من الدول النامية جزءاً كبيراً من تلك المرحلة المعقدة والمكلفة، وانتقلت مباشرة إلى شبكات الهاتف المحمول، ولم يتوقف التحول عند الاتصالات، بل امتد إلى الخدمات المالية، حيث أتاحت الهواتف المحمولة لملايين الأشخاص الوصول إلى خدمات الدفع والتحويلات المالية دون الحاجة إلى شبكة واسعة من الفروع المصرفية التقليدية، ما حدث هنا لم يكن مجرد تبنٍّ لتكنولوجيا جديدة، بل تغييراً في المسار التقليدي للتنمية.
واليوم، أعتقد أننا أمام فرصة لقفزة أخرى، قد تكون أوسع أثراً وأكثر عمقاً. فالذكاء الاصطناعي يمتلك خاصية استثنائية: قدرته على جعل المعرفة والخبرة المتخصصة أكثر سهولة في الوصول، وأقل تكلفة في كثير من الاستخدامات، حيث يعمل الذكاء الاصطناعي في هذا السياق كـ «مُعجِّل للكفاءة» يضاعف أثر الموارد المتاحة بالفعل، وهذه نقطة جوهرية بالنسبة إلى الدول النامية، فالتحدي في هذه الدول لم يكن دائماً غياب الرغبة في تطوير التعليم أو الرعاية الصحية أو الخدمات العامة، بل محدودية الموارد، وارتفاع تكلفة بناء المؤسسات، وصعوبة توفير الكفاءات المتخصصة وتوزيعها جغرافياً.
الذكاء الاصطناعي لن يلغي الحاجة إلى بناء المدارس والمستشفيات، أو تدريب المعلمين والأطباء والموظفين الحكوميين، لكنه قد يغيّر بصورة جذرية مقدار القيمة التي تستطيع هذه المؤسسات والكفاءات تقديمها بالموارد المتاحة، بمعنى آخر، لم يعد تحسين جودة الخدمات مرتبطاً بالضرورة بالتوسع في الموارد البشرية والمادية بالنسبة نفسها، وهنا تكمن الفرصة الاقتصادية والتنموية الهامة، لهذا نقف اليوم أمام فرصة لـ «قفزة كبرى» في استخدام الذكاء الاصطناعي لدعم ثلاث قطاعات رئيسية: التعليم، الصحة، والخدمات الحكومية.

تعليم مخصص للجميع

في بلدان تعاني نقصاً حاداً في المعلمين المؤهلين، وازدحاماً في الفصول، وندرة في المدارس، يمكن لأنظمة التعليم القائمة على الذكاء الاصطناعي أن تؤدي دور المعلم الخصوصي لكل طفل، فهي تتكيف مع مستوى استيعابه، وتثري معرفته بلغته المحلية، وتقترب بذلك من ديمقراطية المعرفة على نطاق لم يعرفه التاريخ من قبل.
تخيل طفلاً يدرس في فصل يضم عشرات الطلاب مع معلم واحد يحاول تقديم المنهج للجميع، رغم الاختلافات الكبيرة في مستوياتهم وقدراتهم على الاستيعاب، في النظام التقليدي، يتعلم معظم الأطفال وفق وتيرة واحدة تقريباً، من يتأخر في فهم درس معين قد يجد صعوبة في اللحاق بزملائه، ومن يتقدم بسرعة قد لا يجد ما يكفي من التحديات لتطوير قدراته، لكن ماذا لو امتلك كل طفل مساعداً تعليمياً ذكياً، يستطيع شرح الدرس بلغته المحلية، وتبسيط المفاهيم التي يجد صعوبة في فهمها، وتقديم تمارين تناسب مستواه، ومتابعة تقدمه بصورة مستمرة؟
مساعد لا يتعب من إعادة الشرح، ولا يعاني ضغوط الحياة، ولا يشعر بالملل من الأسئلة المتكررة، ويستطيع تكييف أسلوبه مع احتياجات كل طالب، هذا لا يعني الاستغناء عن المعلم. بل على العكس، قد يمنحه قدرة أكبر على الاهتمام بالجوانب الإنسانية والتربوية، ومتابعة الطلاب الذين يحتاجون إلى دعم إضافي، بدلاً من استهلاك معظم وقته في الشرح المتكرر وتصحيح التمارين.
والأهم أن هذه الإمكانات قد تصبح متاحة لطلاب لم يكن بمقدور أسرهم تحمل تكلفة التعليم الخاص أو الدروس الإضافية، تخيل الأثر التراكمي لهذا التحول بعد عشر سنوات أو عشرين سنة، عندما يتمكن جيل كامل من الحصول على تعليم أفضل، رغم محدودية الموارد التي كانت متاحة له.
في رأيي، هذه ليست مجرد فرصة لتحسين العملية التعليمية، بل فرصة لتغيير العلاقة التقليدية بين مستوى دخل الأسرة وجودة التعليم الذي يستطيع أبناؤها الحصول عليه.

صحة أفضل وخبرة طبية نادرة في متناول الجميع وأقرب إلى من يحتاجها

لعل القطاع الصحي أحد أكثر القطاعات التي يمكن أن يظهر فيها الأثر الإنساني المباشر للذكاء الاصطناعي، ففي كثير من الدول النامية، لا تكمن المشكلة في نقص الأطباء وحده؛ بل في التوزيع غير المتوازن للكفاءات الطبية، وندرة بعض التخصصات، وصعوبة الوصول إلى المستشفيات المتقدمة خارج المدن الكبرى، قد يمتلك مستشفى في العاصمة أطباء متخصصين وتجهيزات متقدمة، بينما تفتقر مناطق واسعة من الدولة إلى جزء بسيط من هذه الإمكانات، وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تغيير المعادلة.
كثير من المناطق النائية تفتقر إلى الأطباء الاختصاصيين، وقد يكون الوصول إلى رأي خبير أمراً شبه مستحيل، هنا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يدعم الكوادر الصحية الميدانية بالتحليل الفوري والمشورة المتخصصة، فيساعد في الكشف المبكر عن الأمراض وفي اتخاذ قرارات علاجية أفضل، ويقلل الحاجة إلى رحلات طويلة ومكلفة بحثاً عن رأي طبي ثانٍ، وهو لا يحل محل الطبيب، بل يمنحه خبرة كان الحصول عليها مكلفاً وصعباً ويحتاج سنوات طويلة.
بالطبع، تحتاج هذه الأنظمة إلى اختبارات واعتمادات دقيقة، وضوابط صارمة لحماية خصوصية المرضى وجودتها، لكن الفكرة الأساسية لا تتغير، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد على توسيع نطاق الوصول إلى الخبرة الطبية وتحسين جودة الخدمات الصحية، دون اشتراط وجود جميع التخصصات في كل قرية أو مدينة صغيرة.

خدمات حكومية أكفأ وتخطيط أذكى

الحكومات المدعومة بالذكاء الاصطناعي ستكتسب قدرات تحليلية وتخطيطية كانت تتطلب كفاءات استثنائية يصعب استقطابها بسبب ندرتها وارتفاع كلفتها، فالذكاء الاصطناعي لا يقتصر أثره على تبسيط الإجراءات، أو رفع كفاءة العمليات، أو تسريع إصدار الوثائق، أو الرد على استفسارات المواطنين، أو أتمتة الإجراءات الإدارية، رغم أهمية كل ذلك. قيمته الأكبر ستظهر عندما يساعد الحكومات على تحسين قدرتها على فهم المشكلات، وتخصيص الموارد، وتوقع الاحتياجات المستقبلية، وقياس أثر السياسات العامة، وبالنسبة إلى الدول التي تعمل على تحقيق أهداف تنموية طموحة بموارد محدودة، فإن تحسين جودة القرارات قد يكون أكثر أهمية من مجرد تسريع تنفيذها.

من العوز إلى التمكين إلى كسر حلقة الفقر

الذكاء الاصطناعي سيساعد على الوصول إلى المعرفة والخبرة والخدمات المتخصصة بكلفة ووقت أقل، وهي عناصر أساسية في عملية التنمية، لهذا لم يعد النفاذ إلى تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ترفاً، بل أصبح بنية تحتية جديدة توازي في أهميتها شبكات الكهرباء والطرق.
الفقر ليس مجرد انخفاض في الدخل، بل قد يتحول إلى حلقة يصعب الخروج منها. الأسرة محدودة الدخل لا تستطيع توفير تعليم جيد لأطفالها، فيدخل هؤلاء سوق العمل بمهارات محدودة، مما يقلل فرصهم في الحصول على وظائف ذات دخل مرتفع. وعندما تكون الرعاية الصحية بعيدة أو مكلفة، قد تتحول مشكلة صحية قابلة للعلاج إلى خسارة في الدخل أو القدرة على العمل، فتزداد الضغوط على الأسرة، وهكذا تتكرر الحلقة عبر الأجيال.
الذكاء الاصطناعي لن يكسر هذه الحلقة بمفرده، لكنه قد يساهم في إضعاف بعض الروابط التي تجعلها تستمر، فعندما يتحسن التعليم، وتصبح الرعاية الصحية أكثر سهولة في الوصول، وتزداد كفاءة المؤسسات العامة في توجيه الموارد، تتحسن قدرة الأفراد والمجتمعات على الإنتاج والعمل وخلق الفرص الاقتصادية، وهنا ينتقل الحديث عن الذكاء الاصطناعي من كونه تقنية لرفع الإنتاجية إلى كونه أداة لتوسيع الفرص الاقتصادية والاجتماعية، وهذا، في رأيي، أحد أهم أوجه التحول الذي يستحق أن نستثمر فيه.

التحدي الحقيقي.. بناء حلول تناسب واقع وخصوصية الدول النامية

بالتأكيد، الطريق ليس مفروشاً بالورود. فما زالت تحديات الكهرباء والاتصال بالإنترنت، وتكلفة الأجهزة، وضعف البنية الرقمية عوائق حقيقية في مناطق كثيرة حول العالم، لكن الدول النامية، إن انتظرت حتى تحل جميع مشكلاتها التقليدية قبل أن تتبنى الذكاء الاصطناعي، فإنها ترتكب خطأً تاريخياً، المطلوب اليوم هو صياغة سياسات مرنة ومنفتحة، والاستثمار في تسهيل وصول هذه الأدوات إلى من يحتاجها.
أعتقد أن أحد أكبر التحديات اليوم يكمن في الحاجة إلى مزيد من الاهتمام بتطوير حلول ذكاء اصطناعي موجهة للتعليم والصحة والخدمات الحكومية في الدول النامية، تنطلق من تحدياتها الفعلية، وأتفهم حرص الشركات التقنية على التركيز على الأسواق الكبرى ذات الفرص التجارية الواضحة وعوائد استثمارية جذابة، لكن بناء حلول في هذه القطاعات تراعي خصوصية ظروف هذه الدول واحتياجاتها ولغاتها وتقاليدها المحلية سيفتح أبواباً جديدة للمنفعة المتبادلة.
وهنا لا نتحدث عن العمل الخيري الإنساني فقط، بل عن فرصة حقيقية لخلق قيمة اقتصادية واجتماعية متبادلة، فالمجتمعات التي تبدو اليوم محدودة القدرة الشرائية قد تتحول، مع تحسن التعليم والصحة والإنتاجية، إلى أسواق أكثر نمواً وقدرة على الاستهلاك والاستثمار، بمعنى آخر، الاستثمار في تمكين هذه المجتمعات سيكون أيضاً استثماراً في بناء أسواق المستقبل.
فرصة لإعادة رسم خريطة التنمية
لطالما ارتبط تقدم الدول بقدرتها على بناء البنية التحتية، وتوفير رأس المال، وتطوير المؤسسات، واستقطاب الكفاءات، ولا تزال هذه العناصر ضرورية، ولن يجعلها الذكاء الاصطناعي أقل أهمية، لكن ما قد يتغير هو الطريقة التي تستطيع بها الدول تحقيق أقصى استفادة منها، فالدولة التي لا تمتلك أعداداً كبيرة من الأطباء المتخصصين قد تتمكن من دعم أطبائها بأدوات معرفية متقدمة، والمدرسة التي تعاني نقصاً في المعلمين قد تستطيع تقديم تجربة تعليمية أكثر تخصيصاً لطلابها. والمؤسسة الحكومية ذات الموارد المحدودة قد تتمكن من الوصول إلى قدرات تحليل وتخطيط لم تكن متاحة لها سابقاً.
هذه ليست حلولاً سحرية، ولا بدائل عن الاستثمار في الإنسان والمؤسسات، لكنها إمكانات قد تغير قواعد اللعبة إذا أُحسن توظيفها، ولذلك، أعتقد أن علينا النظر إلى الذكاء الاصطناعي في الدول النامية من زاوية تتجاوز تحسين الكفاءة وخفض التكاليف، فنحن أمام فرصة تاريخية لجعل المعرفة والخبرة والخدمات الأساسية أكثر سهولة في الوصول.
في النهاية، ينبغي ألا ننظر إلى الذكاء الاصطناعي في العالم النامي بوصفه أداة للرفاهية، بل طوق نجاة، إنها فرصة تاريخية استراتيجية لتغيير القواعد القديمة التي أبقت هذه الدول أسيرة ظروف مليئة بالتحديات.
والسؤال الذي يجدر بالدول النامية أن تطرحه اليوم ليس: «كم سيكلفنا تبنّي الذكاء الاصطناعي؟»؛ بل: «ما الثمن الباهظ اقتصادياً واجتماعياً الذي سندفعه إذا تأخرنا في الاستفادة من هذه الفرصة؟»، والإجابة عن هذا السؤال تحدد ليس فقط مستقبل هذه الدول، بل موقعها على خريطة الاقتصاد العالمي خلال العقود القادمة.

هاني سيمو-  خبير المشاريع الرقمية

المصدر: سي إن إن الاقتصادية

 

آخر الأخبار