اشتد السباق العالمي لبناء أول محطة تجارية لطاقة الاندماج النووي، وتلقت إحدى أبرز الشركات الأوروبية المرشحة لتحقيق هذا الإنجاز دفعة قوية جديدة.
فقد وقعت شركة “Proxima Fusion”، ومقرها ميونيخ، في 28 تشرين الأول مذكرات تفاهم مع شريكين صناعيين يابانيين هما “Fujikura” و”Kyoto Fusioneering” في طوكيو.
وحضر مراسم التوقيع كل من رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكاييتشي والمستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال زيارة هدفت إلى تعزيز العلاقات التجارية بين البلدين.
وقالت رئيسة مركز الأبحاث الأوروبي للطاقة النظيفة “Catalyse Europe” ونائبة الرئيس السابقة في “Breakthrough Energy”، آن ميتلر: إن تطوير هذه التكنولوجيا يجب أن يكون أولوية استراتيجية لأوروبا.
وأضافت في تصريحات لشبكة “CNBC”: أوروبا منطقة فقيرة بالموارد وتعتمد بدرجة كبيرة على الصين.. العالم يعيش منافسة محتدمة على التفوق التكنولوجي، وهذه لعبة محصلتها صفر”، وتابعت: “يمثل الاندماج النووي رصاصة سحرية، لأن الوعد يتمثل في طاقة وفيرة ونظيفة وغير محدودة”.
كيف تعمل طاقة الاندماج؟
تسعى طاقة الاندماج إلى محاكاة الطريقة التي تولد بها الشمس الطاقة، عبر استخدام بلازما فائقة السخونة لدمج نواتين ذريتين خفيفتين في نواة أثقل، ما يؤدي إلى إطلاق كميات ضخمة من الطاقة.
وهناك نهجان رئيسيان لتحقيق ذلك: الأول يعتمد على أشعة الليزر عالية القدرة، بينما يستخدم الثاني مغناطيسات فائقة القوة لحصر البلازما والتحكم بها، وتعمل شركة Proxima Fusion على تطوير جهاز مغناطيسي يعرف باسم “ستيلاراتور” (Stellarator)، صمم للحفاظ على استقرار البلازما لفترات طويلة.
وستوسع الاتفاقية مع شركة “Kyoto Fusioneering” التعاون الحالي لتطوير الجيل التالي من أجهزة Gyrotron، وهي معدات تنتج موجات ميكروية عالية القدرة تستخدم في تسخين البلازما.
لماذا يعد شريط HTS مهماً؟
أما اتفاقية الشركة مع “Fujikura” اليابانية، التي تأسست قبل 141 عاماً، فتستهدف دراسة إنشاء تصنيع صناعي واسع النطاق في ألمانيا لأشرطة الموصلات الفائقة عالية الحرارة، المعروفة اختصاراً ب HTS.
ويمتاز هذا الشريط المعدني المتخصص بقدرته على نقل التيار الكهربائي مع خسائر مقاومة شبه معدومة عند درجات حرارة مرتفعة نسبياً مقارنة بالموصلات الفائقة التقليدية، ويلف الشريط داخل ملفات لتشكيل مغناطيسات قوية تستخدم لحصر البلازما الساخنة والتحكم بها داخل مفاعل ستيلاراتور.
وقال الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة “Proxima Fusion” فرانشيسكو شيورتينو: إن Fujikura التي توظف أكثر من 50 ألف شخص حول العالم تعد من الشركات الرائدة في تصنيع الموصلات الفائقة عالية الحرارة، بعدما بنت سمعتها أساساً في صناعة الألياف الضوئية، وأضاف: “تعتقد الشركة أن هذا الشريط يمتلك الإمكانات نفسها التي جعلت الألياف الضوئية ثورة تكنولوجية”، وأشار إلى أن “Proxima Fusion” تدرس إنشاء مصنع إنتاج في ولاية ساكسونيا السفلى الألمانية، مع استهداف إنتاج نحو 5 آلاف كيلومتر من هذه الأشرطة سنوياً بحلول عام 2030.
ومن المقرر تمويل المنشأة، التي تبلغ تكلفتها نحو 140 مليون يورو (160 مليون دولار)، جزئياً من حصيلة جولة تمويل بقيمة 468 مليون دولار جمعتها الشركة في تموز الماضي، والتي رفعت تقييمها إلى 2.7 مليار دولار، ومن بين المستثمرين الداعمين لها شركة غوغل التابعة لمجموعة “ألفابت”.
وتتوقع الشركة أن تحتاج إلى نحو 20 ألف كيلومتر من أشرطة HTS لمشروعها التجريبي “ألفا”، بالإضافة إلى 40 ألف كيلومتر أخرى لمحطة الاندماج المخطط لها Stellaris.
بناء سلسلة التوريد الأوروبية
وأوضح شيورتينو أن إنشاء خطوط إنتاج لهذه الأشرطة في ألمانيا يعد أمراً أساسياً لمساعدة أوروبا على بناء الخبرات الصناعية وسلاسل التوريد اللازمة لتحويل ريادتها البحثية في مجال الاندماج النووي إلى قدرة صناعية حقيقية.
وترى آن ميتلر أن هذه النقطة تمثل التحدي التاريخي الأكبر لأوروبا، وقالت: “كل منطقة في العالم تسعى لتحويل الريادة العلمية إلى ريادة صناعية، وهذا هو المجال الذي لم تكن أوروبا بارعة فيه تاريخياً، أي تحويل التفوق العلمي إلى قيمة اقتصادية”، وأضافت أن أوروبا تمتلك شركات صناعية عملاقة، إلا أن الشركات الناشئة المبتكرة غالباً ما تكون الأكثر نجاحاً في التقنيات المستقبلية المتقدمة.
وتابعت: “إذا كانت أوروبا أول من ينجح في تطوير هذه التكنولوجيا، فسيمنحها ذلك أفضلية هائلة، لكن بناء سلسلة التوريد سيكون العامل الحاسم لتحقيق هذه الأفضلية”.
منافسة عالمية محتدمة
وأكد شيورتينو ثقته في أن Proxima Fusion ستكون أول شركة تتمكن من تشغيل محطة تجريبية لطاقة الاندماج، لكنه شدد على أن تحقيق الربحية يعتمد على جعل تشغيل المحطة بسيطاً قدر الإمكان، وقال: “يمكن أن يكون هناك تعقيد في التصميم أو التصنيع أو التشغيل.. نحن قادرون على إدارة التعقيد في مرحلتي التصميم والتصنيع، لكن رؤيتنا تقوم على ضرورة أن تكون عمليات التشغيل بسيطة.. نستهدف تحقيق صافي إنتاج موجب للطاقة خلال أوائل ثلاثينيات هذا القرن”.
لكن الشركة الألمانية تواجه منافسة قوية من شركات أخرى مدعومة مالياً بشكل كبير، من بينها “Commonwealth Fusion Systems” الأميركية، المدعومة أيضاً من “غوغل”، و”Helion Energy” الأميركية، و”General Fusion” الكندية، كما تمتلك الصين عدداً من اللاعبين المدعومين حكومياً، أبرزهم شركة “China Fusion Energy Co”، فيما تتصدر شركة “Helical Fusion” جهود اليابان في هذا المجال.
وترى ميتلر أن بناء منظومة التوريد يجب أن يبدأ قبل سنوات من الوصول إلى المحطات التجارية، وقالت: “يعتقد كثيرون أن التقنيات الثورية يمكن إطلاقها بضغطة زر، لكن الأمر ليس كذلك في مجال الاندماج النووي. فبناء سلسلة التوريد يجب أن يسبق التكنولوجيا نفسها بسنوات”.
المصدر: العربية نت
