الذهب يفقد بريق الملاذ الآمن.. هل تعيده مخاوف العجز والتضخم إلى الواجهة؟

زمن القراءة: 7 دقائق

تراجع الذهب نحو أسوأ أداء سنوي له في أكثر من عقد، وسط رهانات على أن تؤدي التحولات السياسية في الولايات المتحدة إلى إحياء جاذبيته كملاذ آمن عبر إعادة تسليط الضوء على مخاطر العجز المالي والتضخم.

سجل الذهب بداية قوية هذا العام مدفوعاً بزخم استثماري أوصله إلى مستويات قياسية تجاوزت 5500 دولار للأونصة، قبل أن يتراجع لاحقاً إلى ما دون 4000 دولار.

وجاء الضغط على المعدن النفيس نتيجة طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وارتفاع عوائد السندات، وتصاعد توقعات تشديد السياسة النقدية، ليفقد أكثر من 8% من قيمته منذ بداية 2026.

وأعادت انتخابات التجديد النصفي الأميركية إلى الواجهة تساؤلات حول مستقبل التضخم والعجز المالي، وهو ما قد يدعم عودة الذهب إلى مكانته التقليدية كأداة تحوط في أوقات عدم اليقين.

وأشار كبير استراتيجيي الاستثمار لدى “مانولايف جون هانكوك”، مات ميسكين، إلى أن تجربة عام 2019 قد تتكرر مجدداً إذا أدى الانقسام السياسي في واشنطن إلى تباطؤ التشريعات وعجز الحكومة عن معالجة العجز المالي البالغ نحو تريليوني دولار سنوياً، وأضاف أن ضعف الذهب الحالي قد يكون مؤقتاً إذا سلكت الأسواق مساراً مشابهاً لما حدث آنذاك، وفقاً لما ذكره لوكالة “بلومبرغ”.

وعززت العوائد الحقيقية المرتفعة وقوة الدولار الضغوط على الذهب الذي لا يدر فائدة، في وقت اجتذبت فيه طفرة الذكاء الاصطناعي وتماسك الاقتصاد الأميركي مزيداً من رؤوس الأموال نحو الأصول الأعلى مخاطرة، لكن عودة المخاوف المتعلقة بالدين العام والعجز والتضخم وتباطؤ النمو قد تدفع المستثمرين للعودة إلى المعدن الأصفر.

وأظهرت استطلاعات الرأي تقدماً للديمقراطيين في سباق السيطرة على مجلس النواب، بينما بقيت نتائج مجلس الشيوخ أقل وضوحاً، وحتى في حال سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس، فإن قدرة الرئيس على استخدام حق النقض قد تحد من الإنفاق الحكومي وتضغط على عوائد سندات الخزانة، وهو ما يصب في مصلحة الذهب.

ولوح الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستخدام حق النقض إذا فاز الديمقراطيون بالأغلبية، مشيراً إلى أنه قد يتحول إلى “سيد الفيتو”، في إشارة إلى احتمال اتساع حالة الجمود السياسي في واشنطن.

ورجح ميسكين أن يسهم هذا الجمود في الحد من مخاطر التوسع المالي الإضافي وارتفاع العوائد الحقيقية، معتبراً أن ذلك يمثل تطوراً إيجابياً للذهب.

كما استندت النظرة الإيجابية للمعدن النفيس إلى احتمال لجوء المستثمرين إليه كوسيلة تحوط من أي ضعف محتمل للدولار مع استمرار تراكم الديون الأميركية.

وأشار كبير استراتيجيي الأسواق لدى “أميريبرايز”، أنتوني ساجليمبيني، إلى أن الكونغرس المقبل سيواجه أوضاعاً مالية صعبة بغض النظر عن تركيبته السياسية، موضحاً أن الانقسام السياسي قد يعرقل ليس فقط خطط الإنفاق بل أيضاً إجراءات خفض العجز أو زيادة الإيرادات الضرورية لتحسين المالية العامة.

وخلق ذلك معادلة معقدة للذهب، إذ تؤدي المخاوف المالية إلى رفع العوائد بما يدعم الأصول المدرة للفائدة على حساب المعدن الأصفر، لكنها في الوقت نفسه تعزز المخاوف حول الاستدامة المالية، ما يعيد دعم الذهب كمخزن للقيمة.

وتوقع ساجليمبيني أن يبحث المستثمرون القلقون بشأن الأوضاع المالية الأميركية عن بدائل لسندات الحكومة، معتبراً أن ارتفاع العوائد بفعل المخاوف من العجز والدين قد يتحول في النهاية إلى عامل داعم للذهب.

في المقابل، غذت أسعار النفط المرتفعة المخاوف التضخمية وزادت توقعات تشديد السياسة النقدية، ما دفع المستثمرين نحو أدوات الدين الحكومية مرتفعة العائد وأبقى الضغوط قائمة على الذهب، رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية.

وأظهر أداء المعدن النفيس هذا العام ابتعاداً عن سلوكه التقليدي كملاذ آمن، إذ فشل في الاستفادة بشكل مستدام من التوترات الجيوسياسية والمخاوف المتعلقة بالمالية العامة الأميركية.

ورغم ذلك، بدأ تراجع الأسعار يجذب بعض المشترين. وقال دوغ دالي، مدير المحافظ لدى “كور كوموديتي مانجمنت”، إن هبوط الذهب إلى ما دون 4000 دولار عزز قناعته الإيجابية تجاه المعدن، رغم أن رهاناته الانتخابية لا تزال تتركز على قطاع الطاقة والحرب في الشرق الأوسط.

كما كشف ميسكين أن استراتيجياته الاستثمارية زادت انكشافها تدريجياً على الذهب قرب مستوى 4000 دولار للأونصة، لتقترب من مراكز محايدة أو أعلى قليلاً من المتوسط.

طفرة الذكاء الاصطناعي تضغط على الذهب

ارتبطت آفاق الذهب بشكل متزايد باستدامة طفرة الذكاء الاصطناعي التي تتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية ومراكز البيانات.

وزادت الشركات اعتمادها على أسواق الدين لتمويل تلك الاستثمارات، في وقت تحتاج فيه الحكومة الأميركية أيضاً إلى تمويل عجزها المرتفع، ما يضيف ضغوطاً صعودية على العوائد ويضعف جاذبية الذهب.

واعتبر روجر ألياغا دياز، المسؤول العالمي عن بناء المحافظ الاستثمارية في “فانغارد”، أن موجة الإنفاق الرأسمالي المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تمثل إحدى أقوى دورات الاستثمار منذ عقود، مرجحاً استمرارها خلال العام المقبل مع بقاء النمو الاقتصادي فوق التوقعات.

وأوضح أن العجز المالي لا يدعم الذهب تلقائياً، إذ إن احتفاظ صناع السياسات بمصداقيتهم واستعدادهم لرفع الفائدة لمواجهة التضخم قد يؤدي إلى ارتفاع العوائد بدلاً من إضعاف الثقة بالدولار، وهو سيناريو سلبي للمعدن الأصفر.

وأضاف أن الذهب سيصبح أكثر جاذبية إذا بدأت الأسواق التشكيك في استقلالية الاحتياطي الفيدرالي أو قدرته على احتواء التضخم، أما في الوقت الراهن فما زالت استثمارات الذكاء الاصطناعي تدعم النمو الاقتصادي رغم الضغوط التضخمية.

تقلبات قصيرة الأجل

ورأت كريستينا هوبر من “مان غروب” أن انتخابات التجديد النصفي قد تخلق تقلبات مؤقتة في الأسواق، إذ يمكن أن تدفع أي نزاعات انتخابية المستثمرين إلى البحث عن الملاذات الآمنة قبل التصويت أو بعده مباشرة.

وأضافت أن الحكومة المنقسمة ستواجه على الأرجح جولات متكررة من المواجهات السياسية المرتبطة بالإنفاق العام أو سقف الدين الأميركي.

وبالنسبة للمستثمرين الذين يحاولون تحديد ما إذا كان ضعف الذهب في 2026 يمثل بداية هبوط طويل الأمد أم فرصة للشراء، فإن السؤال الأهم يتمثل في شكل الاقتصاد الأميركي بعد انتهاء الانتخابات.

وراقبت هوبر مؤشرات الركود التضخمي باعتبارها العامل الأكثر أهمية، إذ إن استمرار التضخم بالتزامن مع تباطؤ النمو شكل تاريخياً بيئة داعمة للذهب.

وفي حال تباطأ النمو وتراجعت العوائد الحقيقية أو تصاعدت المخاوف من عجز واشنطن عن ضبط أوضاعها المالية، فقد يستعيد الذهب سريعاً جاذبيته التقليدية.

أما إذا واصلت استثمارات الذكاء الاصطناعي دعم الاقتصاد، واستمر الاحتياطي الفيدرالي في نهجه المتشدد، وظلت السندات تقدم عوائد مغرية، فسيبقى الذهب تحت الضغط مقارنة بالأصول المنافسة.

المصدر: العربية Business
آخر الأخبار