لا يشبه خريف 2026 العديد من الفصول المشابهة التي مرت خلال العقود الثلاثة الأخيرة، إذ يعد شاهداً على تصاعد حالة احتقان عالمية تغذيها انتخابات سياسية في عدد من الدول والمناطق حول العالم، وسط مطالبات قد تتضارب في التوجهات السياسية إلا أنها تتفق في الأمان والاقتصاد. فبينما تكافح الحكومات حول العالم لتمويل التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية والتحول المناخي، يبدو أن “الدفاع” يعد بنداً آخر يتقدم سريعاً إلى مقدمة الأولويات.
ففي وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي تباطؤاً في النمو وارتفاعاً في مستويات الدين العام، تتجه الدول إلى تخصيص مئات المليارات الإضافية للجيوش والأسلحة والذخائر وأنظمة الدفاع الجوي وتقنيات الذكاء الاصطناعي العسكرية. ولم يعد الأمر مقتصراً على القوى التقليدية الكبرى، بل امتد إلى أوروبا والخليج وآسيا وأفريقيا، في موجة تسلح تعد الأوسع منذ نهاية الحرب الباردة.
ووفقاً لبيانات “SIPRI”، بلغ الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.9 تريليون دولار خلال 2025، وهو أعلى مستوى مسجل على الإطلاق، ومواصلة لسلسلة ارتفاعات امتدت لأكثر من عقد متواصل، وتشير البيانات إلى أن كافة المناطق الجغرافية تقريباً سجلت زيادات في الإنفاق الدفاعي مدفوعة بمخاوف أمنية متزايدة وصراعات إقليمية محتدمة.
أرقام الإنفاق ليست وحدها المهمة، لكن الاستعداد لإنفاق كل هذه الأموال رغم الضغوط الاقتصادية والمالية المتزايدة، بات سؤالاً ملحاً.
حرب أوكرانيا أنهت عصر “السلام الرخيص”
طوال العقود الثلاثة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي، اعتقدت قطاعات واسعة من النخب السياسية الغربية أن الحروب التقليدية واسعة النطاق أصبحت جزءاً من الماضي. وانخفضت ميزانيات الدفاع في كثير من الدول الأوروبية لصالح الإنفاق الاجتماعي والاستثمارات الاقتصادية، غير أن الحرب الروسية الأوكرانية قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب.
فقد أظهرت الحرب أن الصراعات التقليدية بين الدول الكبرى لم تختف، وأن أوروبا ليست محصنة ضد الحروب البرية واسعة النطاق، كما كشفت حجم المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على المظلة الأمنية الأميركية دون امتلاك قدرات دفاعية كافية.
وأشارت بيانات “SIPRI” إلى أن الإنفاق العسكري الأوروبي سجل واحدة من أسرع وتائر النمو منذ عقود، بينما قفز الإنفاق الألماني بشكل كبير مع إطلاق أكبر برنامج إعادة تسليح تشهده البلاد منذ الحرب العالمية الثانية.
وفي هذا السياق، حذرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين مراراً من أن أوروبا دخلت “عصراً أكثر خطورة”، داعية إلى تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية وتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين في الصناعات العسكرية. كما دعمت إطلاق خطة “ReArm Europe” أو إعادة تسليح أوروبا الهادفة إلى تعبئة مئات المليارات من اليورو لإعادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية، ولم يعد الهدف الأوروبي مجرد دعم أوكرانيا، بل الاستعداد لمرحلة طويلة من التوتر مع روسيا حتى بعد توقف القتال.

من بحر الصين إلى تايوان.. سباق قوى عظمى جديد
إذا كانت أوروبا تزيد إنفاقها بسبب حرب قائمة بالفعل، فإن الولايات المتحدة والصين تفعلان ذلك بسبب احتمال حرب مستقبلية، فالمنافسة بين القوتين الأكبر اقتصادياً وعسكرياً في العالم تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى سباق استراتيجي متعدد الجبهات يشمل التكنولوجيا والفضاء وأشباه الموصلات والبحار والممرات التجارية.
وأظهرت وثائق وزارة الدفاع الأميركية أن جزءاً كبيراً من خطط الإنفاق الدفاعي الجديدة يركز على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وعلى تعزيز القدرات اللازمة لردع الصين وحماية الحلفاء الإقليميين.
وفي المقابل، رفعت الصين ميزانيتها الدفاعية للعام الحادي والثلاثين على التوالي، مبررة ذلك بالحاجة إلى تحديث الجيش وحماية المصالح الوطنية وتطوير القدرات البحرية والجوية والفضائية.
وتبقى تايوان العامل الأكثر حساسية في هذه المعادلة. فبكين تعتبر الجزيرة جزءاً من أراضيها، بينما تؤكد واشنطن ضرورة الحفاظ على الوضع القائم ومنع أي تغيير بالقوة. ولذلك ينظر كثير من الاستراتيجيين إلى غرب المحيط الهادئ باعتباره النقطة الأكثر ترجيحاً لاندلاع أزمة كبرى خلال العقد المقبل.
الخليج.. حماية الاقتصاد جزء من الأمن القومي
في منطقة الخليج، لا يرتبط الإنفاق العسكري فقط بمواجهة تهديدات عسكرية مباشرة رغم حضورها الحالي على الساحة، بل أيضاً بحماية أصول اقتصادية تمثل شرياناً للاقتصاد العالمي، فمنشآت النفط والغاز والموانئ وطرق الشحن البحرية أصبحت أهدافاً محتملة مع كل تصعيد إقليمي. وقد عززت هجمات سابقة على منشآت الطاقة والاضطرابات الأمنية في البحر الأحمر والخليج العربي من قناعة الحكومات الخليجية بضرورة الاستثمار المكثف في أنظمة الدفاع الجوي والرادارات والقدرات المضادة للمسيّرات، لكن التحول الأبرز يتمثل في الانتقال من استيراد السلاح إلى تصنيعه محلياً، فقد تبنت دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، استراتيجيات تهدف إلى توطين جزء متزايد من الإنفاق العسكري وبناء صناعات دفاعية وطنية قادرة على توفير الوظائف ونقل التكنولوجيا وتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين، وبذلك أصبح الإنفاق الدفاعي يُنظر إليه باعتباره أداة للأمن القومي والتنمية الصناعية معاً.
الأسبوع الجاري كشفت المدير التنفيذي لـ”إنديفر” السعودية، لطيفة الوعلان، عن طموحها في بناء صندوق للشركات الناشئة بقيمة مليار دولار في قطاع التسلح، في إشارة إلى أن القطاع الخاص يعوّل عليه في الابتكار وسط عالم مضطرب وقد يستمر التوتر لسنوات طويلة تتحوّل خلالها الشركات الناشئة إلى كيانات ربحية.
روسيا واقتصاد الحرب
على الجانب الآخر، تقدم روسيا نموذجاً مختلفاً، فبحسب البيانات الحديثة، ارتفع الإنفاق العسكري الروسي بصورة كبيرة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، وبات يشكل نسبة مرتفعة من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بالسنوات السابقة، ويصف محللون اقتصاديون هذا التحول بأنه انتقال تدريجي نحو “اقتصاد الحرب”، حيث أصبحت الصناعات العسكرية والذخائر والإنتاج الدفاعي من أبرز محركات النشاط الصناعي والاستثمار الحكومي.
ووفقاً لمحاضر اجتماعات فلاديمير بوتين مع اللجنة العسكرية الصناعية الروسية المنشورة على موقع الكرملين، طالب الرئيس الروسي مراراً بزيادة إنتاج الذخائر والمسيّرات وأنظمة الحرب الإلكترونية وتسريع تنفيذ عقود الدفاع الحكومية، مؤكداً أن تطوير القاعدة الصناعية العسكرية يمثل شرطاً أساسياً لتلبية احتياجات القوات المسلحة في أوكرانيا وفي برامج التسلح طويلة الأجل.
أفريقيا.. الأمن الداخلي يقود الإنفاق
في أفريقيا تختلف الصورة بعض الشيء، فالتحديات الرئيسية التي تدفع الإنفاق العسكري لا ترتبط غالباً بصراعات بين قوى كبرى، وإنما بمكافحة الإرهاب والنزاعات المسلحة والانقلابات وعدم الاستقرار السياسي، وأشار تقرير SIPRI إلى استمرار ارتفاع الإنفاق الدفاعي في عدد من الدول الأفريقية نتيجة العمليات العسكرية ضد الجماعات المتطرفة، إضافة إلى التوترات الحدودية والصراعات الداخلية الممتدة في مناطق الساحل والقرن الأفريقي.

هل عاد العالم إلى مستويات الحرب الباردة؟
للوهلة الأولى، قد يوحي رقم 2.9 تريليون دولار بأن العالم يعيش بالفعل سباق تسلح يفوق ما شهدته العقود السابقة، لكن عند قياس الإنفاق كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي تظهر صورة أكثر تعقيداً، فخلال الثمانينيات، عندما كانت الحرب الباردة في ذروتها، تراوحت النفقات العسكرية العالمية بين 5% و6% من الناتج العالمي تقريباً. أما اليوم فتدور التقديرات حول 2.5% إلى 2.7% من الناتج العالمي.
بمعنى آخر، العالم ينفق اليوم أموالاً أكثر من أي وقت مضى بالقيمة المطلقة، لكنه لا يزال يخصص نسبة من ثروته أقل بكثير مما كان عليه الحال قبل أربعة عقود، إلا أن الاتجاه هو ما يثير القلق، فبعد عقود من الانخفاض أو الاستقرار النسبي، بدأ منحنى الإنفاق العسكري العالمي بالصعود مجدداً، بينما تتجه دول حلف الناتو لمناقشة رفع أهداف الإنفاق الدفاعي من 2% من الناتج المحلي إلى 3% أو 3.5% وربما أكثر خلال السنوات المقبلة، وفي أوروبا، تشير خطة ReArm Europe إلى استعداد الحكومات لتمويل دورة تسلح قد تستمر عقداً كاملاً.
التكنولوجيا العسكرية ترفع الفاتورة
لم تعد الجيوش الحديثة تنفق الأموال على الدبابات والطائرات والسفن فقط، فالحرب في أوكرانيا والحروب الحديثة أظهرت أن ساحة المعركة أصبحت تمتد إلى الفضاء والإنترنت ومراكز البيانات والأقمار الصناعية، واليوم تشمل أولويات الإنفاق العسكري:
- الذكاء الاصطناعي.
- الطائرات المسيّرة.
- المسيّرات البحرية.
- الدفاعات السيبرانية.
- أنظمة الحرب الإلكترونية.
- الصواريخ فرط الصوتية.
- الأقمار الصناعية العسكرية.
وتشير تقارير دفاعية غربية إلى أن هذه المجالات تستحوذ على حصة متزايدة من الموازنات الدفاعية الجديدة، لكن المفارقة أن التكنولوجيا العسكرية المتطورة تجعل التسليح أكثر كلفة، إذ أصبحت المقاتلات الحديثة والغواصات النووية وأنظمة الدفاع الصاروخي تتطلب استثمارات بمليارات الدولارات حتى قبل دخولها الخدمة الفعلية.

التحديات الكبرى أمام الإنفاق العسكري
رغم الزخم الحالي، يواجه التوسع الدفاعي أربعة تحديات رئيسية، أولها ارتفاع الدين العام، خصوصاً في الاقتصادات المتقدمة التي تواجه ضغوطاً متزايدة لتمويل الرعاية الاجتماعية والتحول الأخضر إلى جانب الأمن والدفاع، وثانيها ارتفاع تكلفة التسليح المتطور، إذ أصبحت بعض المنظومات العسكرية الحديثة أغلى بكثير من نظيراتها قبل عقود، أما ثالث التحديات فهو محدودية الطاقة الإنتاجية للصناعات العسكرية، فقد أظهرت الحرب الأوكرانية أن حتى القوى الغربية الكبرى عانت من صعوبات في توفير الذخائر بالسرعة المطلوبة، ما دفع الحكومات إلى الاستثمار في توسيع خطوط الإنتاج الدفاعية، ويتعلق التحدي الرابع بنقص الأفراد، إذ تواجه جيوش عديدة صعوبات متزايدة في التجنيد والاحتفاظ بالقوى البشرية المؤهلة.
المحور الأخير، دفع عدد من الدول بما فيها الصين والتي تمتلك واحداً من أكبر جيوش العالم من حيث عدد الأفراد إلى إدخال الروبوتات البشرية إلى ساحة التسلح معتمدة على تقنيات الذكاء الاصطناعي المتطورة.

لماذا تبحث الجيوش عن أسلحة أرخص؟
ربما يكون الدرس الأهم الذي خرجت به الجيوش من حرب أوكرانيا هو أن الكفاءة الاقتصادية أصبحت عنصراً حاسماً في الحروب الحديثة، ففي حالات كثيرة، اضطر طرف ما إلى استخدام صاروخ اعتراضي تبلغ قيمته ملايين الدولارات لإسقاط طائرة مسيرة لا تتجاوز قيمتها بضعة آلاف.
هذه المعادلة دفعت جيوش العالم إلى البحث عن حلول أقل تكلفة وأكثر استدامة، مثل أسراب المسيّرات منخفضة التكلفة، وأنظمة الذكاء الاصطناعي لتنسيق العمليات العسكرية، فضلاً عن الحرب الإلكترونية للتشويش على الاتصالات والملاحة، والمسيّرات البحرية غير المأهولة، ومؤخراً أنظمة الليزر المستقبلية منخفضة تكلفة التشغيل، وبدلاً من التركيز حصراً على امتلاك أغلى الأسلحة، باتت الحكومات تبحث عن تحقيق أفضل عائد عسكري مقابل كل دولار يتم إنفاقه.
عودة استراتيجية الاستنزاف
إلى جانب الردع التقليدي، عادت فكرة الاستنزاف لتحتل مكانة مهمة في العقيدة العسكرية الحديثة، وتقوم هذه الاستراتيجية على إرهاق الخصم مالياً وصناعياً بدلاً من الاكتفاء بإلحاق الخسائر المباشرة بقواته، فإذا نجحت طائرات مسيرة زهيدة التكلفة في إجبار دولة ما على استهلاك صواريخ باهظة الثمن بشكل متكرر، فإنها تحقق هدفاً اقتصادياً واستراتيجياً حتى قبل إصابة أي هدف عسكري، وقد برز هذا النمط من التفكير في أوكرانيا، وهنا يتحول السؤال العسكري من “من يمتلك السلاح الأقوى؟” إلى “من يستطيع تحمل فاتورة الصراع لفترة أطول؟”.

الأمن أصبح أكثر كلفة
في نهاية المطاف، لا يبدو أن العالم يتجه نحو تكرار الحرب الباردة بالشكل التقليدي. فالخصوم أكثر عدداً، والتكنولوجيا أكثر تعقيداً، وساحات الصراع تمتد من الفضاء إلى الكابلات البحرية والذكاء الاصطناعي، لكن ما تكشفه البيانات بوضوح هو أن الحكومات باتت مقتنعة بأن فترة “السلام الرخيص” انتهت، فالحرب الروسية الأوكرانية، والتنافس الأميركي الصيني، واضطرابات الشرق الأوسط، وتصاعد المخاطر السيبرانية، كلها دفعت الدول إلى إعادة النظر في افتراضات أمنية استمرت لعقود.
خلال الحرب الباردة كان العالم ينفق نسبة أكبر من ثروته على الجيوش، لكن الخصوم كانوا معروفين والخطوط الفاصلة واضحة، أما اليوم فإن العالم ينفق نسبة أقل من الناتج العالمي مقارنة بتلك الحقبة، لكنه يفعل ذلك في بيئة أكثر ضبابية، حيث تتداخل الحروب التقليدية مع الهجمات السيبرانية والذكاء الاصطناعي والمسيّرات والصراعات الاقتصادية، ولهذا قد لا يكون السؤال الحقيقي هو لماذا ترتفع ميزانيات الدفاع، بل لماذا أصبحت كلفة الشعور بالأمان أعلى من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الباردة.
المصدر: العربية نت
