حصيلة حرّ الصيف في أوروبا: 50 ألف وفاة و17 مليار يورو خسائر في الناتج

زمن القراءة: 6 دقائق

العالم الاقتصادي- وكالات 

أودت موجات الحر الشديد التي اجتاحت أوروبا خلال الصيف بحياة ما يُقدَّر بنحو 50 ألف شخص في مدن بأنحاء القارة، في أعلى حصيلة مسجّلة على الإطلاق، كما محت نحو 0.17% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي بين أبريل وسبتمبر، بما يُقارب 17 مليار يورو (18.9 مليار دولار).

وتكشف هذه النتائج، التي توصّلت إليها دراستان منفصلتان، مدى هشاشة أوروبا في مواجهة ارتفاع درجات الحرارة، خلال عام يُرجَّح أنه كان من بين الأشد حرارة في التاريخ الحديث.

وتستند تقديرات حصيلة الوفيات إلى دراسة صدرت الجمعة، قادها علماء من “إمبريال كوليدج لندن”، وخلصت إلى أن نحو ثلثي الوفيات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف ما كانت لتقع لولا تغير المناخ. وفي الوقت نفسه، أظهرت دراسة حديثة لـ”بلومبرغ إيكونوميكس” أن الخسائر التي لحقت بالناتج المحلي الإجمالي الأوروبي بلغت ضعفي ونصف متوسط الخسائر المسجلة خلال الفترة نفسها في العقد السابق.

وكانت حصيلة الوفيات الناجمة عن سلسلة موجات حر حطّمت أرقاماً قياسية هذا العام أعلى بكثير من تلك المسجلة في الأعوام التي شهدت سابقاً أعلى مستويات الوفيات. وللمقارنة، بلغت الوفيات المرتبطة بالحر في المدن نحو 29 ألفاً في 2022، ونحو 28 ألفاً في 2003، بحسب الدراسة، المقرر نشرها في دورية “نيتشر هيلث” (Nature Health) الأسبوع المقبل.

وقالت كلير بارنز، الباحثة في الظواهر الجوية المتطرفة وتغير المناخ في “إمبريال كوليدج لندن” والمؤلفة الرئيسية للدراسة، في مقابلة: “شهدنا موجات حر متكررة كانت ستظل خطرة حتى من دون الارتفاع الإضافي في درجات الحرارة الناجم عن الاحترار الذي يتسبب فيه الإنسان، لكن هذه الزيادة فاقمت حدتها وجعلتها بالغة الخطورة”.

وعانت دول أوروبا من درجات حرارة شديدة الارتفاع طوال الصيف، فقد بدأت موجات الحر في مايو واستمرت حتى سبتمبر، وحطمت أرقاماً قياسية بفوارق كبيرة في العديد من البلدان. وفي غرب أوروبا، ارتفع متوسط درجات الحرارة بنحو 3 درجات مئوية عن متوسط فصل الصيف المسجل بين عامي 1991 و2020، فيما تجاوزته في بعض الأيام بما يصل إلى 12 درجة مئوية.

وامتدّت تداعيات الحر الشديد إلى البنية التحتية الحيوية في أنحاء القارة. أتت حرائق الغابات على منازل، وارتفعت درجات الحرارة داخل المستشفيات، وتعطلت وسائل النقل، فيما توقفت أنظمة التبريد في الثلاجات وأجهزة تكييف الهواء عن العمل.

وبحسب أولريش إيبرله، معدّ تقرير “بلومبرغ إيكونوميكس”، أدت موجات الحر الشديد إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي لفرنسا بنسبة 0.2% في الربع الثاني، ولألمانيا بنسبة 0.1% خلال الفترة نفسها، فيما قلّصت الناتج المحلي الإجمالي لإسبانيا بنسبة 0.05%.

وشملت الدراسة التي أعدها باحثون من “إمبريال كوليدج لندن” وكلية لندن للصحة والطب الاستوائي، 854 مدينة في 30 دولة بالاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وسويسرا والنرويج، يعيش فيها نحو 40% من إجمالي سكان هذه الدول.

وخلصت الدراسة إلى أن الوفيات المرتبطة بالحر والناجمة عن تغير المناخ تزايدت بمرور الوقت، مع ارتفاع درجات الحرارة بفعل انبعاثات الوقود الأحفوري. وأسهم تغير المناخ في نحو ثلثي الوفيات الزائدة المسجلة هذا الصيف، مقارنة بنحو 40% في عام 2003.

ويصعب تقدير عدد الوفيات الناجمة عن الحر، إذ نادراً ما يكون التعرض للحرارة سبباً مباشراً للوفاة. ففي معظم الحالات، تفرض درجات الحرارة المرتفعة ضغطاً إضافياً على الجسم وتفاقم حالات مرضية قائمة، ولا سيما أمراض القلب والجهاز التنفسي. كما يصعب قياس درجة حرارة الجسم الداخلية بدقة خارج المستشفيات.

وإذا توفي شخص بمفرده في المنزل، فقد يكون من الصعب تحديد ما إذا كان الحر قد أسهم في وفاته، أو إلى أي مدى. لذلك، لا تُسجَّل جميع الوفيات المرتبطة بالحر على هذا الأساس.

وقال أندرو هارتل، استشاري العناية المركزة في مؤسسة “إمبريال كوليدج للرعاية الصحية” التابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية، خلال إحاطة صحفية يوم الأربعاء: “كثيراً ما نرى مرضى مُسنين يعانون من الارتباك أو يصابون بسكتات دماغية أو أزمات قلبية، وقد يكون الحر عاملاً رئيسياً أسهم في وفاتهم”، وأضاف: “تشريح الجثة لا يكشف ما إذا كان الشخص يشعر بالحرّ أم لا”.

وتعتمد دراسة “إمبريال كوليدج” على الجمع بين سجلات درجات الحرارة ونتائج أبحاث سابقة تقيس أثر مستويات الحرارة على معدلات الوفيات، لتقدير حصيلة الوفيات المرتبطة بالحر. وقال معدّو الدراسة إن هذه المنهجية أسفرت في السابق عن تقديرات متسقة مع الإحصاءات الرسمية، التي لم تنشر السلطات الصحية الحكومية بعد كثيراً منها عن موسم صيف 2026 بأكمله.

وقال توبي بيركنز، رئيس لجنة التدقيق البيئي في المملكة المتحدة: “من الواضح أننا بحاجة إلى دعم الفئات الأكثر عرضة للخطر، بمن فيهم كبار السن والمرضى والأكثر فقراً، والتحرك لمنع انهيار البنية التحتية التي يعتمد عليها هؤلاء لحمايتهم من الحر”.

ومن المتوقع أن يكون العام المقبل أشد حرارة من 2026، وقالت الأمم المتحدة يوم الأربعاء: إن الاحترار العالمي بات شبه مؤكد أن يتجاوز 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، وإن على العالم أن يركز جهوده الآن على إبقاء هذا التجاوز عند أدنى مستوى ممكن.

آخر الأخبار