الصين تلاحق ثروات بـ140 مليار دولار في الخارج ضمن حملة ضريبية على الأثرياء

زمن القراءة: 7 دقائق

العالم الاقتصادي- وكالات

اتبع كثير من رواد الأعمال الصينيين -لسنوات- الاستراتيجية نفسها لحماية ثرواتهم من الضرائب، وتقوم هذه الاستراتيجية على تأسيس شركة ناجحة داخل الصين، وإدراج أسهمها في بورصة عالمية، ثم الاحتفاظ بمليارات الدولارات خارج البلاد.

لكن هذه الاستراتيجية لم تعد مجدية بعدما أعلن المسؤولون في يوليو أنهم سيبدأون تطبيق ضريبة بنسبة 20% على الأرباح المحققة من الصناديق الاستئمانية في الخارج التابعة لدافعي الضرائب المقيمين في الصين.

وأصبح أمام من يحصلون على هذا النوع من الدخل مهلة حتى 22 تشرين الأول لحساب التزاماتهم الضريبية والإفصاح عنها وسدادها دون التعرض لغرامات.

ومن بين الأشخاص الأكثر عرضة للتأثر بهذه الخطوة ثمانية من أغنى 500 شخص في العالم والمستفيدون من ثرواتهم، وفقاً لمؤشر “بلومبرغ” للمليارديرات.

ويملك هؤلاء الأثرياء حصصاً في شركات مدرجة بالبورصة، تمارس جزءاً كبيراً من أنشطتها في الصين، من خلال صناديق استئمانية خارج البلاد، بحسب إفصاحات البورصات.

لم تسم الحكومة الصينية أي أشخاص علناً، ولم يتضح ما إذا كان أي من هؤلاء المليارديرات ملزماً بسداد ضرائب على الأرباح التي حققتها صناديقه الاستئمانية في الخارج، أو ما إذا كانت السلطات قد طلبت منهم ذلك.

وبلغت القيمة الإجمالية لحيازاتهم نحو 140.2 مليار دولار حتى يوم الجمعة الماضية، وفقاً لحسابات “بلومبرغ” المستندة إلى ملفات الإفصاح التنظيمية، وتمثل هذه الحيازات أكبر أصول كل واحد منهم أو عائلته.

أسس المليارديرات الثمانية بعضاً من أشهر الشركات الصينية، وسجلوا صناديقهم الاستئمانية في ملاذات ضريبية مثل جزر العذراء البريطانية وجزر كايمان.

ومن بينهم ويليام دينغ، الذي يدير شركة تطوير ألعاب الفيديو “نت إيز”، ويملك نحو 37 مليار دولار في الخارج، وكولين هوانغ، مؤسس شركة التجارة الإلكترونية العملاقة “بيندودو هولدينغز”، الذي يمتلك 29 مليار دولار خارج الصين.

وقال متحدث باسم شركة إنتاج الألمنيوم: “تشاينا هونغكياو غروب”: إن ربط مؤسسها تشانغ بو وقيادة الشركة بالتغييرات في السياسة الضريبية “لا يستند إلى أساس من الصحة ومضلل”، ولم يرد ممثلو الشركات السبع الأخرى على طلبات التعليق.

وتراكم جزء كبير من هذه الثروات الخارجية من استثمارات جرت قبل إتمام الطروحات العامة الأولية للشركات في الولايات المتحدة الأميركية أو هونغ كونغ.

وارتفعت قيمة بعض هذه الشركات، مثل “بيندودو” و”بوب مارت”، بشكل هائل منذ بدء تداول أسهمها، ما حقق لمؤسسيها مكاسب دفترية بمليارات الدولارات.

وقال كيفن وو، الشريك في مكتب المحاماة “إنس آند كو” (Ince & Co) في هونغ كونغ: إن حملة تحصيل الضرائب تؤثر بدرجة أكبر على الصناديق الاستئمانية المرتبطة بالثروات العائلية القديمة.

وأضاف: “تصبح الزيادة في قيمة الأصول هائلة بمجرد إدراج الشركة في البورصة”، وأوضح أن العملاء المحتملين الذين أدرجوا شركاتهم في البورصة منذ سنوات طويلة “يبحثون عن محامين مبتكرين يستطيعون إعادة هيكلة الصناديق الاستئمانية، بدلاً من الاكتفاء بشرح القواعد”، وكان يشير بذلك إلى محادثاته الخاصة، وليس إلى المليارديرات الثمانية الذين حددتهم “بلومبرغ”.

ويأتى مسعى تحصيل الضرائب امتداداً لحملة الرئيس الصيني شي جين بينغ لتحقيق “الرخاء المشترك”، التي شملت تشديد الإجراءات التنظيمية على شركات التكنولوجيا الصينية العملاقة وخفض أجور المصرفيين.

ورغم تخفيف بعض هذه القيود خلال السنوات القليلة الماضية، فإن الركود المطول في سوق العقارات ألحق أيضاً أضراراً بالغة بالمالية العامة للحكومات المحلية، ما دفعها إلى البحث عن مصادر أخرى للإيرادات.

وقال كارلوس كازانوفا، كبير خبراء الاقتصاد المختصين بآسيا لدى بنك “يونيون بانكير بريفيه”: “تحتاج السلطات إلى تحسين مصادر الإيرادات على مستوى الحكومتين المحلية والمركزية، وهي تدرس الثروات الموجودة في الخارج باعتبارها إحدى القنوات الممكنة لتحقيق ذلك”.

وكانت الصين قد بدأت فرض قيود على الاكتتابات العامة للشركات المؤسسة في الخارج، التي قد توفر مزايا ضريبية معينة، وفقاً لما ذكره أشخاص مطلعون على الأمر في وقت سابق من العام الجاري.

ويساعد مستشارو الثروات والمحامون حالياً العائلات على تتبع تاريخ هياكل ملكية أصولها في الخارج، وصولاً إلى الوقت الذي نُقلت فيه الأصول لأول مرة إلى الصناديق الاستئمانية، وحساب مقدار الأرباح التي حققتها منذ ذلك الحين.

وقالت كايلي لو، رئيسة قسم إدارة الأصول والثروات لدى “بي دي أو للاستشارات الضريبية”: “بالنسبة إلى العائلات التي لديها هياكل ملكية قائمة منذ سنوات طويلة، قد تتطلب هذه العملية جهداً كبيراً للغاية”.

وأوضحت لو أن بعض العائلات تسعى عموماً إلى تبسيط ترتيباتها المالية في الخارج، بينما تدرس عائلات أخرى إعادة هيكلة بعض الترتيبات القائمة أو تصفيتها. وأضافت: “نشهد أيضاً تأسيس مزيد من هياكل المكاتب العائلية خلال العام الجاري”.

ولم يعلن أي من المليارديرات الثمانية علناً ما إذا كان يتعين عليه اتخاذ إجراءات استجابة للتغيير في القواعد الضريبية، أو الكيفية التي قد يتعامل بها معه.

لكن بعض مؤسسي الشركات الآخرين لجأوا بالفعل إلى المستثمرين لجمع السيولة اللازمة لسداد الضرائب، فقد باع رواد الأعمال الذين أسسوا سلسلة مطاعم الأطباق الساخنة “هايديلاو إنترناشونال هولدينغ” وتطبيق التوظيف “كانتشون” أسهماً بقيمة إجمالية تبلغ مئات الملايين من الدولارات، استجابة لبدء تطبيق القواعد الضريبية الجديدة، وفقاً لما ذكره سابقاً أشخاص مطلعون على الأمر.

وما زال حجم الإيرادات الإضافية التي ستدرها القواعد الجديدة على خزينة الحكومة الصينية غير واضح، ويرجع ذلك جزئياً إلى عدم توافر بيانات عامة حتى الآن توضح الأشخاص الملزمين بالسداد والمبالغ المستحقة على كل منهم، كما توجد إمكانية أمام الأثرياء للتفاوض بشأن قيمة فواتيرهم الضريبية النهائية.

ورغم ذلك، من المستبعد أن يتمكن أي شخص من الإفلات من سداد الضرائب بالكامل. إذ تسري الضرائب الصينية حتى على الأشخاص الذين حصلوا على جوازات سفر أجنبية، مثل مؤسس “هايديلاو”، ما داموا يحققون جزءاً كبيراً من إيراداتهم من الصين.

وقالت ليندا باي، الشريكة في مكتب المحاماة “دينتونز روديك”، التي قدمت المشورة إلى فائقي الثراء في الصين بشأن تأسيس صناديق استئمانية لأغراض ضريبية: “أصيب الجميع بالصدمة”.

وأوضحت باي أن كثيراً من عملائها، الذين رفضت الكشف عن أسمائهم، فوجئوا في البداية بهذه الخطوة، لكنهم سرعان ما بدأوا الاستعداد لسداد الضرائب والتعمق في التفاصيل الفنية، مثل تحديد ما إذا كان يمكن المطالبة بخصم بعض النفقات من الدخل الخاضع للضريبة.

واختتمت بأنهم أدركوا أن السلطات ستكون قادرة على تحديد مقدار الضرائب المستحقة عليهم من خلال الربط بين المعلومات الواردة في وثائق الطروح العامة الأولية أو إعلانات الاستحواذ المتاحة للجمهور، مشيرة إلي أنه “لا يمكنك التهرب منها”.

آخر الأخبار