ماذا لو لم تعد الشيخوخة مساراً بيولوجياً لا يمكن عكسه، بل عملية يمكن إعادة ضبطها لاستعادة بعض وظائف الجسم في مرحلة الشباب؟ هذا السؤال، الذي ظل لسنوات أقرب إلى الخيال العلمي، بات محور سباق متصاعد في قطاع التكنولوجيا الحيوية، تقوده شركات ناشئة تحظى بدعم مليارديرات في وادي السيليكون، بينهم جيف بيزوس وبيتر ثيل ويوري ميلنر وسام ألتمان.
وتتمحور هذه الرهانات حول تقنية إعادة البرمجة الخلوية، التي تستهدف تغيير سلوك الخلايا المتقدمة في العمر ودفعها نحو حالة أكثر شباباً، بما قد يساعد مستقبلاً على مواجهة أمراض مرتبطة بالشيخوخة، مثل تراجع البصر والتهاب المفاصل وارتفاع ضغط الدم.

وبعد تحقيق نتائج مشجعة في تجارب على الحيوانات، انتقلت التقنية للمرة الأولى إلى الاختبارات البشرية، في خطوة قد تشكل نقطة تحول في أبحاث إطالة العمر، وإن كانت لا تزال في مراحلها المبكرة.
وتجري شركة «لايف بايوساينسز» أول تجربة بشرية من نوعها لعلاج تجريبي يعتمد على إعادة البرمجة الخلوية، ويستهدف مرضى الغلوكوما، المعروف بالمياه الزرقاء، وهو مرض يصيب العين وقد يؤدي إلى فقدان البصر.
إعادة ضبط الساعة البيولوجية للخلايا
تعتمد إعادة البرمجة الخلوية على إيصال تعليمات جينية إلى الخلايا بهدف تغيير خصائصها وإعادتها جزئياً نحو حالة أكثر شباباً. وتستند هذه الفكرة إلى آليات بيولوجية مرتبطة بإعادة تشكيل هوية الخلايا، وهي عمليات تظهر بصورة طبيعية في مراحل نمو الأجنة والخلايا الجذعية.
ويأمل الباحثون أن يتيح التحكم في هذه الآليات استعادة بعض الوظائف التي تتراجع مع التقدم في العمر، من دون الحاجة إلى استبدال الأنسجة أو الأعضاء بالكامل، وقد أظهرت تجارب على الفئران والقرود نتائج مشجعة في هذا المجال، ما دفع شركات متخصصة إلى تطوير علاجات تستهدف تطبيق التقنية لدى البشر.
لكن الانتقال من الحيوانات إلى الإنسان يمثل تحدياً علمياً كبيراً؛ إذ يتعين على الباحثين إثبات أن إعادة البرمجة تحقق فوائد فعلية، مع الحفاظ على سلامة الخلايا ووظائفها الطبيعية، كما أن أي علاج من هذا النوع يحتاج إلى تقييم دقيق لمخاطره، قبل التفكير في استخدامه على نطاق واسع.
وفي هذا السياق، أعلنت «لايف بايوساينسز» نتائج السلامة الأولية لتجربتها البشرية، مشيرة إلى أن ثلاثة مرضى تلقوا العلاج التجريبي حتى الآن. ويتضمن العلاج حقن العين، إلى جانب تناول مضادات حيوية يومياً لمدة ثمانية أسابيع، بهدف تنشيط عوامل إعادة البرمجة داخل الخلايا.
وقالت الشركة: إن المرضى الثلاثة لم يبلغوا عن آثار جانبية خطيرة، وإن العلاج كان جيد التحمل حتى الآن.. وتمثل هذه البيانات خطوة أولى في تقييم سلامة النهج العلاجي، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات فعاليته أو ضمان سلامته على المدى الطويل.
مؤشرات أولية لاستعادة البصر
إلى جانب بيانات السلامة، ظهرت إشارات مبكرة إلى احتمال تحقيق العلاج نتائج إيجابية في تحسين الرؤية، فقد سجل اثنان من المرضى الثلاثة تحسناً ملحوظاً في اختبارات قياس البصر القياسية، ما يثير احتمال أن يساعد العلاج على استعادة بعض الوظائف البصرية لدى المصابين بالغلوكوما.
ووصف الدكتور جيمس تساي، رئيس مستشفى نيويورك للعيون والأذن التابع لنظام «ماونت سايناي» الصحي، النتائج بأنها مشجعة، لكنه شدد على أنها لا تزال أولية للغاية، ولم يشارك تساي في التجربة، وهو متخصص في علاج الغلوكوما.
وأشار إلى أن التحسن قد لا يعني بالضرورة تجدد أنسجة العين بالكامل، بل ربما يعكس تحسناً في الإشارات الكهربائية الموجودة لدى المرضى الذين لا يزالون يحتفظون بجزء من قدرتهم على الإبصار.
وأوضح أن إثبات حدوث انعكاس حقيقي لفقدان البصر يتطلب توافر معلومات إضافية ونتائج أكثر قوة، رغم أن إجراء التجربة على البشر يمثل في حد ذاته تطوراً مهماً.
وبناءً على النتائج الأولية، وافق مجلس مستقل لمراقبة سلامة التجربة على زيادة الجرعة العلاجية ثلاثة أضعاف للمجموعة التالية من المرضى، وقد تساعد الجرعة الأعلى على تحسين فعالية العلاج، لكن ذلك سيحتاج بدوره إلى إثبات من خلال البيانات السريرية، مع مراقبة دقيقة لأي آثار جانبية محتملة.
وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها تختبر إمكانية استخدام إعادة البرمجة الخلوية لمواجهة أحد الأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر، بدلاً من الاكتفاء بتخفيف أعراضه أو إبطاء تدهوره.
من العين إلى الأعضاء الحيوية
إذا أثبتت التجربة نجاحها، فقد تتجاوز تطبيقات التقنية علاج أمراض العين إلى مجموعة أوسع من الحالات المرتبطة بالشيخوخة، ويشير مايكل رينغل، رئيس العمليات في «لايف بايوساينسز»، إلى أن التجارب الحيوانية أظهرت نتائج واعدة في حالات تشمل التهاب المفاصل وارتفاع ضغط الدم ومرض الكبد الدهني، فضلاً عن أمراض دماغية مثل ألزهايمر.
وترى الشركة أن إعادة البرمجة الخلوية قد تصبح أداة واسعة التأثير في التعامل مع أمراض الشيخوخة، نظراً إلى إمكانية استهداف الآليات البيولوجية المشتركة التي تقف وراء تراجع وظائف الأنسجة والأعضاء.
لكن رينغل أكد أن هذه الإمكانات لا تزال بحاجة إلى إثبات سريري، موضحاً أن الاعتقاد بقدرة التقنية على معالجة طيف واسع من الأمراض لا يغني عن تقديم أدلة علمية تؤكد فعاليتها لدى البشر.
ويظل هذا التمييز جوهرياً في قطاع أبحاث إطالة العمر، إذ إن نجاح علاج في نوع محدد من الخلايا أو الأنسجة لا يعني بالضرورة إمكانية تطبيقه بأمان وفاعلية على أعضاء أخرى، كما أن إعادة البرمجة الخلوية تثير تساؤلات تتعلق بمدى التحكم في التغيرات الجينية، واحتمالات حدوث آثار غير مرغوبة عند تعديل سلوك الخلايا.

مليارات الدولارات تتسابق نحو التجارب البشرية
لا تقتصر المنافسة على «لايف بايوساينسز»، إذ تستعد شركات أخرى مدعومة برؤوس أموال كبيرة لدخول المجال، في ظل تنامي الاهتمام التجاري بإمكانات إطالة العمر وتحسين الصحة خلال مراحله المتقدمة.
ومن بين هذه الشركات «ألتوس لابز»، المدعومة من جيف بيزوس، التي عينت العام الماضي الخبيرة في التجارب السريرية جوان مانيك رئيسة لتطوير المنتجات، واعتبر جيمي جاستيس، المتخصص في أبحاث إطالة العمر ومدير برنامج «إكس برايز هيلث سبان»، أن استقطاب شخصية بخبرتها قد يشير إلى استعداد الشركة للانتقال نحو التجارب السريرية، وإن كان ذلك لا يؤكد موعداً محدداً لبدئها.
أما شركة «نيو ليمت»، فقد جمعت مؤخراً 435 مليون دولار في جولة تمويل من الفئة «سي»، قادها صندوق «فاوندرز فاند» التابع لبيتر ثيل، وتستهدف الشركة بدء أولى تجاربها البشرية لعلاج يعتمد على إعادة برمجة خلايا الكبد في عام 2027.
وتعمل كذلك شركة «ريترو بايوساينسز»، المدعومة من سام ألتمان، على تطوير أبحاث في المجال نفسه، في مؤشر إلى اتساع اهتمام المستثمرين بالتقنيات التي تستهدف معالجة الشيخوخة على المستوى الخلوي.
ويعكس هذا النشاط تحول أبحاث إطالة العمر إلى مجال استثماري تتقاطع فيه علوم الوراثة والطب والتكنولوجيا الحيوية مع رؤوس الأموال الضخمة، ومع ذلك، فإن الطريق إلى علاجات معتمدة لا يزال طويلاً؛ فالمؤشرات الأولية، مهما بدت مشجعة، لا تعادل إثبات الفعالية أو الحصول على الموافقات التنظيمية.
وبين الطموح العلمي والرهانات الاستثمارية، تضع التجربة البشرية الأولى لإعادة البرمجة الخلوية هذا المجال أمام اختبار حاسم: هل يمكن تحويل القدرة على تجديد الخلايا في المختبرات والتجارب الحيوانية إلى علاج آمن وفعال للإنسان؟ الإجابة ستحدد ما إذا كانت هذه التقنية ستصبح أساساً لجيل جديد من علاجات أمراض الشيخوخة، أم ستظل وعداً علمياً يحتاج إلى سنوات أخرى قبل أن يقترب من التطبيق العملي.
المصدر: بيزنس إنسايدر
