بعد سنوات من الجفاف وتراجع الإنتاج وتضرر البنية التحتية، يواجه القطاع الزراعي في سوريا تحدي استعادة قدرته الإنتاجية وبناء نموذج أكثر استدامة في ظل ضغوط المناخ وارتفاع كلفة مستلزمات الإنتاج.
وفي هذا السياق، يأتي مشروع «STAR» المدعوم من البنك الدولي بمنحة تبلغ 175 مليون دولار على مدى ست سنوات، ويستهدف دعم تعافي القطاع عبر تطوير سلاسل القيمة الزراعية، ودعم الثروة الحيوانية والتعاونيات، وتعزيز دور القطاع الخاص، إلى جانب رقمنة الخدمات الزراعية ورفع كفاءة الأداء المؤسسي.
وأوضح مدير المشروع أحمد الأحمد، أن «STAR» يتعامل مع سلسلة القيمة الزراعية بصورة متكاملة، بدءاً من المدخلات وصولاً إلى الأسواق، من خلال ثلاث مسارات رئيسية تشمل تحسين جودة المدخلات الزراعية، وتطوير منظومة المختبرات وشهادات الجودة، وربط الإنتاج بالأسواق.
ولفت الأحمد إلى أن المشروع يتضمن إعادة تأهيل مراكز غربلة وتعقيم البذار ومستودعاتها، وتوفير بذار محسنة ومقاومة للجفاف، بما يسهم في رفع جودة الإنتاج وزيادة قدرته على مواجهة التغيرات المناخية.
التعافي الهيكلي والتنمية المستدامة
ومن وجهة نظر تنموية، رأى الخبير الزراعي المهندس حسام القصار، أن مشروع «STAR» يمثل تحولاً محورياً في مسار الزراعة في سوريا، وخطوة نحو الانتقال من مرحلة «المساعدات الإغاثية الطارئة»، التي تشمل توزيع مستلزمات الإنتاج مجاناً، مثل البذار والأسمدة والأعلاف وتجهيزات ومعدات الري، إلى مرحلة «التعافي الهيكلي والتنمية المستدامة».
وأوضح القصار لصحيفة «الثورة السورية» أن التقييم الأولي للمشروع يبرز نقاط قوة عدة، في مقدمتها تمويله بمنحة وليس بقرض، ما يجنب الدولة أعباء ديون إضافية، إلى جانب توزيع المنحة على ست سنوات، بما يتيح إحداث أثر ملموس إذا ما وُجّهت الاستثمارات نحو البنى التحتية الضرورية للقطاع الزراعي.
وأضاف أن المشروع يفترض أن يركز على إعادة تأهيل مراكز غربلة وتعقيم البذار وتحديث مستودعاتها، وتوفير أصناف بذار محسنة وعالية الإنتاجية ومقاومة للجفاف والآفات، إلى جانب رفع كفاءة إدارة الموارد المائية من خلال دعم تقنيات الري الحديث وتأهيل شبكات الري بالتعاون مع التعاونيات الزراعية، بما يسهم في الحد من هدر المياه وتحسين كفاءة استخدامها في ظل الشح المائي.
وأشار إلى أن المشروع يستهدف تطوير سلسلة القيمة الزراعية بصورة متكاملة، بدءاً من تأمين مستلزمات الإنتاج، مروراً بالزراعة والحصاد، ووصولاً إلى خدمات ما بعد الحصاد والتسويق والتصنيع ومتطلبات التصدير، ما يمنحه قيمة تنموية كبيرة.
وفيما يتعلق بميزات المشروع، لفت القصار إلى أنه يسهم في الحد من الفاقد الزراعي الذي يستنزف جزءاً من عوائد المزارعين، من خلال دعم خدمات ما بعد الحصاد وإنشاء مراكز للفرز والتوضيب والتبريد والخدمات اللوجستية، إلى جانب تفعيل الزراعات التعاقدية والتحالفات الإنتاجية، وربط المزارعين والجمعيات التعاونية مباشرة بشركات التصنيع الغذائي والمصدرين عبر عقود مسبقة، بما يسهم في الحد من دور الوسطاء ومعالجة تحديات تسويق المحاصيل.
كما يشمل المشروع تطوير البنية التحتية للجودة والاعتماد الدولي، من خلال تحديث مختبرات السلامة الغذائية والصحة النباتية بما يتيح الحصول على شهادات الجودة العالمية، مثل GAP وشهادات الزراعة العضوية، ويعزز قدرة المحاصيل السورية، لا سيما الزيتون والفستق الحلبي والحمضيات، على دخول الأسواق الخارجية وتحقيق قيمة مضافة أعلى.
وفي قطاع الثروة الحيوانية، أفاد القصار بأن المشروع يتضمن إعادة تأهيل وتحديث مختبرات الصحة الحيوانية، ودعم حملات اللقاحات والرعاية البيطرية للحفاظ على القطيع الوطني، وإنشاء نظام رقمي لتسجيل وتتبع الثروة الحيوانية، بما يسهم في إدارة توزيع المقننات العلفية والخدمات البيطرية بكفاءة وعدالة أكبر.
ويدعم المشروع أيضاً تنظيم سلاسل إنتاج الألبان واللحوم من خلال إنشاء مراكز لتجميع الحليب وتبريده، وتطوير مصانع تجهيز مصغرة لدى المربين والتعاونيات، بما يتيح وصول المنتجات إلى الأسواق وفق معايير صحية، ويرفع دخل صغار المربين.
وأكد القصار أن نجاح المشروع يرتبط بالإدارة السليمة والحوكمة، والابتعاد عن البيروقراطية في التنفيذ، والاستعانة بالخبرات الفنية المتخصصة، إلى جانب مراعاة العدالة في توزيع التدخلات جغرافياً، ومعالجة تحديات الطاقة وتطوير تقنيات الري الحديث.
نموذج التحالفات الإنتاجية
ويشكل تعزيز دور التعاونيات والتحالفات الإنتاجية أحد المحاور الأساسية في «STAR»، من خلال اعتماد آلية المنح المقابلة، بحيث تسهم الجهات المستفيدة بجزء من تكلفة المشروع، بينما يمول المشروع الجزء الآخر، بما يعزز جدية الاستثمار وملكية المستفيدين للمشروعات المنفذة، وفقاً لمدير المشروع أحمد الأحمد.
وأشار إلى أن المشروع يعمل على تشكيل تحالفات إنتاجية تربط مجموعات المزارعين مباشرة بالقطاع الخاص، بما يشمل المصانع والمصدرين وتجار الجملة، من خلال عقود واضحة تساعد على تأمين أسواق لتصريف الإنتاج، إلى جانب تحديث الإطار القانوني الناظم للتعاونيات، بما يمكنها من العمل ككيانات اقتصادية أكثر مرونة وقدرة على تنفيذ عمليات الشراء الجماعي للمدخلات والتسويق المشترك للمنتجات.
ولفت الأحمد إلى توجه المشروع نحو تحديث التشريعات الخاصة بالبذار والأسمدة والمبيدات والأعلاف، واعتماد الموردين من القطاع الخاص وتبسيط الإجراءات المرتبطة بهم.
ومن جهته، أوضح المهندس القصار أن نموذج «التحالفات الإنتاجية» يوفر إطاراً يجمع الجمعيات التعاونية وصغار المزارعين والقطاع الخاص، ويتيح توظيف أدوات المشروع في تعزيز الحوكمة المالية وتطوير آليات الرقمنة.
وأفاد القصار بأن المشروع يفترض أن يدعم اعتماد أنظمة محاسبية حديثة داخل التعاونيات، إلى جانب استخدام وسائل الدفع الإلكتروني، بما يعزز الشفافية ويحسن إدارة الموارد. وأضاف أن تنظيم صغار المزارعين ضمن مجموعات إنتاجية يتيح لهم شراء مستلزمات الإنتاج بالجملة، مثل الأسمدة والبذار والأعلاف، بأسعار أقل، إلى جانب خفض تكاليف النقل والتوزيع.
وأضاف أن الانتقال من البيع الفردي إلى البيع الجماعي يمنح التعاونيات قوة تفاوضية أكبر مع التجار والمصانع التحويلية والمصدرين، ويمكّنها من توقيع عقود توريد آمنة ومسبقة التمويل.
وأكد أن نجاح هذه الإجراءات يمكن أن يسهم في تحسين العائد الاقتصادي للمزارعين، وتعزيز استقرارهم وتحسين ظروفهم المعيشية، مع ارتباط تحقيق هذه النتائج بمدى وعي المزارعين بأهمية العمل التعاوني وقدرتهم على الالتزام بالأنظمة والإجراءات المطلوبة.
فرص استثمارية أمام الشركات السورية
وحول دور القطاع الخاص، وما إذا كان التمويل التنموي وحده قادراً على تشغيل سلاسل القيمة الزراعية على المدى الطويل، أوضح القصار أن المنح التنموية، ومنها منحة البنك الدولي، تؤدي دوراً تحفيزياً وتأسيسياً في المراحل الأولى من التنمية، بينما تتطلب استدامة هذه السلاسل مشاركة القطاع الخاص والاستثمار التجاري.
ويمكن أن يولد المشروع فرصاً مباشرة وغير مباشرة لقطاع الأعمال السوري، خصوصاً في حال طرح المشتريات والأعمال التنفيذية بصورة تنافسية وشفافة. وبحسب القصار، يمكن للمشروع أن يفتح مجالات جديدة أمام الشركات المحلية والإقليمية، من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص وتوسيع فرص التوريد والاستثمار في مختلف حلقات القطاع الزراعي.
وتشمل هذه الفرص شركات مستلزمات الإنتاج النباتي والحيواني، لا سيما العاملة في استيراد وتوزيع البذار المحسن واللقاحات البيطرية والأعلاف عالية القيمة الغذائية، إلى جانب شركات الإنتاج الزراعي، خاصة العاملة في مجال الزراعة العضوية.
كما تبرز فرص أمام شركات الأسمدة ومخصبات التربة وصناعة المبيدات، وشركات التقنيات الزراعية ومعدات الري لتوفير أنظمة الري الحديثة، مثل الري بالتنقيط والرش، ومعدات الطاقة الشمسية المخصصة للضخ الزراعي.
وتتضمن الفرص أيضاً شركات الصناعات الغذائية والتصنيع الزراعي، من خلال إنشاء مراكز حديثة للفرز والتوضيب والتغليف، ومعامل للكونسروة والعصائر وتصنيع المنتجات اللبنية، إلى جانب شركات الخدمات اللوجستية وسلاسل التبريد، لإنشاء وإدارة مخازن التبريد وشاحنات النقل المبرد بما يحافظ على جودة المنتجات ويخفض الفاقد التسويقي.
وفي مجال التكنولوجيا، يمكن أن تستفيد شركات الحلول الرقمية من تطوير منصات السجل الزراعي والتطبيقات الرقمية للإرشاد الزراعي والتنبؤ بالطقس والآفات، إضافة إلى أنظمة التتبع المالي للتعاونيات.
الأولوية للحاجة والأهمية الإنتاجية
وعن أولوية المناطق الأكثر حاجة، أوضح الأحمد أن تحديد المناطق المستهدفة في المشروع يعتمد على معايير فنية واضحة بالتنسيق مع البنك الدولي، تشمل مستوى الحاجة وانعدام الأمن الغذائي، والأهمية الإنتاجية للمنطقة في إنتاج القمح والثروة الحيوانية، إضافة إلى إمكانية الوصول الآمن والقدرة على تنفيذ التدخلات.
وأشار إلى أن منطقة الجزيرة تحظى بأولوية في التدخلات، بسبب تضررها من الجفاف وأهميتها في إنتاج القمح والشعير وتربية الثروة الحيوانية.
وأضاف أن الوزارة تعمل مع البنك الدولي على دراسة تدخل موسع مخصص للمنطقة الشرقية، استناداً إلى الاحتياجات الفعلية، مؤكداً أن تحديد الأولويات يستند إلى البيانات ومؤشرات الحاجة والأهمية الإنتاجية والقدرة على التنفيذ.
وبناء على متابعتها الميدانية للواقع الزراعي، تحدثت منسقة سبل العيش في الهلال الأحمر العربي السوري بريف دمشق، المهندسة الزراعية وسام الحجي، عن حاجة مناطق واسعة من ريف دمشق إلى تدخلات عاجلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الزراعية.
ولفتت إلى أن منطقة المرج، التي تضم قرى دير سلمان والنشابية والقاسمية والعبادية وبزينة الزمانية، إلى جانب مناطق أخرى تتبع لدوما، تعاني من أعطال كبيرة في الآبار، وصل بعضها إلى حد التوقف الكامل، ما انعكس على قدرة المزارعين على استثمار أراضيهم.
وأضافت لصحيفة «الثورة السورية» أن قطاع وادي بردى، بما يشمله من مناطق عين الفيجة وبسيمة وعين الخضرة، يواجه تحديات كبيرة نتيجة تضرر السواقي وشبكات المياه، موضحة أن معظم المزارعين هناك كانوا يعتمدون على مياه الينابيع والآبار، في حين لا يزال عدد محدود من مصادر المياه يعمل حالياً. وأشارت إلى أن الزراعة في بعض هذه المناطق تراجعت بنسبة تصل إلى 80 بالمئة، وفق آخر الإحصاءات التي تم إعدادها.
أبرز التحديات
رغم مميزات المشروع، إلا أن القطاع الزراعي يواجه مجموعة من التحديات التي تحد من قدرة أي تمويل على تحقيق أثر مستدام، وفي مقدمتها المياه والبنية التحتية الزراعية.
وفي هذا السياق، أوضحت الحجي أن نقص مياه الري يمثل التحدي الأكبر أمام الزراعة في سوريا، نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وتعطل الآبار والسواقي وشبكات المياه.
وقالت إن العديد من المناطق الزراعية كانت تعتمد على الينابيع والسواقي في عمليات الري، إلا أن تضرر هذه المنشآت أدى إلى صعوبات كبيرة أمام المزارعين، كما هو الحال في منطقة وادي بردى بريف دمشق.
وأشارت إلى أن بعض المناطق لجأت إلى استخدام مياه الصرف الصحي في الري، ما يشكل خطراً على الإنتاج الزراعي والصحة العامة، لافتة إلى أن فرق العمل توجه المزارعين في المناطق التي تنتشر فيها هذه الممارسات إلى الجهات المعنية في وزارة الزراعة، بالتنسيق مع رؤساء البلديات، للحد منها.
ورأت أن الحلول المتاحة حالياً تتركز في التوجه نحو تقنيات الري الحديثة، لا سيما شبكات الري والري بالتنقيط، باعتبارها من أكثر الخيارات كفاءة من الناحيتين الاقتصادية والبيئية، لما توفره من ترشيد في استهلاك المياه مقارنة بالري بالغمر، رغم ارتفاع كلفتها الأولية.
وإلى جانب تحديات المياه والبنية التحتية، يشكل ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي، لا سيما الأسمدة والبذار والمبيدات، عبئاً إضافياً على المزارعين ويحد من قدرتهم على مواصلة العمل الزراعي.
وأضافت الحجي أن جزءاً من المزارعين بات يتجه إلى استخدام الأسمدة العضوية، لا سيما غير المعالجة، من خلال الاستفادة من روث الحيوانات، مشيرة إلى أن استخدامها يمكن أن يحقق نتائج جيدة، في حين يواصل كثير من المزارعين الاعتماد على الأسمدة والمبيدات الكيميائية رغم ارتفاع تكلفتها.
وأفادت بأن بعض المزارعين اضطروا إلى الاستدانة لتأمين مستلزمات الإنتاج، أو الحصول على تمويل من التجار مقابل تسويق المحصول لهم لاحقاً، ما زاد من الأعباء المالية على المزارعين.
وعن تخفيف أعباء الاستيراد عن المزارعين ودعم قدرتهم الإنتاجية، لفتت الحجي إلى أن ذلك يتطلب توجيه المنظمات والبرامج التنموية نحو تأمين الأسمدة والبذار والمبيدات، إلى جانب دعم شبكات الري والثروة الحيوانية، لا سيما أن بذور الهجين مرتفعة التكلفة.
وأكدت أهمية توفير مساعدات نقدية أو آليات تمويل تساعد المزارعين على شراء مستلزمات الإنتاج، مع التركيز على دعم استخدام الأسمدة العضوية وتشجيع التحول التدريجي نحو الزراعة العضوية وتقليل الاعتماد على المبيدات الكيميائية.
تقليل الفاقد الزراعي أولوية
ورغم أهمية زيادة الإنتاج، يبقى تقليل الفاقد الزراعي أحد الملفات الأساسية التي تحدد قدرة القطاع على تحقيق عوائد اقتصادية أفضل، إذ يؤدي ضعف التخزين والنقل إلى خسائر كبيرة يتحملها المزارعون.
ورأت الحجي أن إنشاء محطات تبريد في مختلف المحافظات، وتوزيعها بالقرب من مناطق الإنتاج بحيث تخدم مجموعة من القرى ضمن المنطقة الواحدة، يمثل أحد الحلول المهمة للحد من الفاقد. وأوضحت أن بعض المناطق الزراعية، مثل الغوطة الشرقية التي تعد من أهم مناطق إنتاج الفاكهة والأشجار المثمرة، لا تضم سوى محطة تبريد واحدة على طريق المليحة، ما يضطر المزارعين إلى نقل محاصيلهم لمسافات بعيدة إلى الأسواق، مشيرة إلى أن إنشاء محطات إضافية سيسهم في تخفيض تكاليف النقل وتقليل تلف المنتجات بعد الحصاد.
وأضافت أن دعم عمليات النقل يمكن أن يتم من خلال آليات مشتركة بين الدولة والمزارعين، بحيث تتحمل الدولة جزءاً من التكلفة، ولا يقع العبء كاملاً على المنتج، خصوصاً أن ارتفاع تكاليف النقل يدفع بعض المزارعين إلى ترك محاصيلهم أو التحول إلى زراعات أقل قيمة، كما يحدث في منطقة الزبداني، حيث اضطر بعض المزارعين إلى زراعة الشعير والقمح لتقليل الفاقد والخسائر.
وإلى جانب إعادة تأهيل البنية التحتية الزراعية، تبرز أهمية التوجه نحو تقنيات زراعية حديثة ومنخفضة التكلفة تساعد المزارعين على التكيف مع التغيرات المناخية وتحسين إدارة الموارد الطبيعية.
واعتبرت الحجي أن من بين الحلول الواعدة التي يمكن التوجه إليها «الزراعة الحافظة»، وحصاد المياه، والزراعة بنظام نصف الدوائر، والتسميد الأخضر، باعتبارها تقنيات يمكن تطبيقها بتكاليف محدودة، وتساهم في تحسين إنتاجية الأرض على المدى الطويل.
وأوضحت أن الزراعة الحافظة تقوم على إبقاء مخلفات المحاصيل داخل التربة والاستفادة منها في تحسين خصوبتها، بدلاً من التخلص منها، ما يساعد على رفع قدرة الأرض على الاحتفاظ بالرطوبة وتقليل تأثير الجفاف.
أما تقنية حصاد المياه، فتقوم على إنشاء مجمعات بسيطة لتجميع مياه الأمطار واستخدامها لاحقاً في عمليات الري، موضحة أن هذه الحلول لا تحتاج إلى استثمارات كبيرة، ويمكن تنفيذها بمشاركة مجموعة من المزارعين.
وفيما يخص زراعة نصف الدوائر حول الأشجار، أكدت الحجي أنها من الأساليب التي تساعد على تخزين مياه الأمطار خلال فصل الشتاء والاستفادة منها خلال فترات الجفاف، مشيرة إلى أن انتشار بعض الممارسات الزراعية الناجحة بين المزارعين غالباً ما يتم من خلال التجربة المباشرة وتقليد النماذج التي تحقق نتائج جيدة.
وأشارت إلى أن التسميد الأخضر، من خلال زراعة محاصيل مثل الفول والبازلاء ثم قلبها في التربة وهي في مرحلة الإزهار، يسهم في تحسين خصوبة الأرض ورفع جودة التربة، إلا أن كثيراً من المزارعين يركزون على إنتاج المحصول الحالي أكثر من اهتمامهم بتحسين التربة على المدى البعيد.
تأهيل البنية التحتية.. بداية التعافي
وعن دور المنظمات والمؤسسات التنموية، أوضحت الحجي أن القطاع الزراعي في سوريا يعاني من أعطال واسعة في الآبار والسواقي ومراكز الإرشاد الزراعي والمراكز البيطرية، مشيرة إلى أن أولوية تدخلات المنظمات والمؤسسات يجب أن تبدأ بإعادة تأهيل البنية التحتية الزراعية الأساسية، وفي مقدمتها الآبار، سواء عبر التعزيل أو الترميم أو إعادة التشغيل، إلى جانب إصلاح السواقي وشبكات الري والتوجه نحو إنشاء أنظمة ري حديثة تتناسب مع طبيعة كل منطقة.
وأكدت أن إصلاح مصادر المياه يمثل الخطوة الأولى لإعادة تنشيط الدورة الزراعية، لأن توفر المياه ينعكس مباشرة على قدرة المزارع على الإنتاج.
وشددت على أهمية توجيه التدخلات نحو بناء مشاريع مستدامة تشمل تأهيل البنية التحتية وتدريب المزارعين ومربي المواشي على أساليب الإنتاج الحديثة، إلى جانب تأمين احتياجاتهم، بدلاً من الاقتصار على تقديم المساعدات العينية أو توزيع مستلزمات مؤقتة.
ورأت الحجي أن أحد التحديات التي تواجه عمل المنظمات يتمثل في اعتمادها غالباً على تقديم الدعم للأفراد بشكل مباشر، ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى بيع المساعدات بدلاً من استخدامها في تطوير الإنتاج.
واقترحت الانتقال إلى نموذج دعم الجمعيات والتعاونيات الزراعية المرخصة، بحيث تستفيد مجموعات من المزارعين ومربي المواشي ضمن إطار منظم يخضع للرقابة والمتابعة، مشيرة إلى إمكانية الاستفادة من الخبرات والتجارب الحديثة في إدارة الموارد المائية والزراعة المستدامة في البلدان المجاورة، خصوصاً بعد التراجع الكبير الذي شهده القطاع الزراعي خلال السنوات الماضية.
الاستدامة الحقيقية للمشروع
من جانبه، رأى القصار أن التمويل التنموي يسهم في تقليل المخاطر وبناء البنية التأسيسية، من خلال إعادة تأهيل البنى التحتية، وإدخال تقنيات الري الحديثة، وإنشاء مراكز التجميع والتبريد، في حين يتولى القطاع الخاص الاستثمار في الزراعة والتصنيع والتشغيل التجاري والتسويق، إلى جانب الاستثمارات الحكومية، بما يدعم استمرار النشاط الاقتصادي وتقليص الاعتماد تدريجياً على الدعم الخارجي.
وأكد أن الاستدامة الحقيقية للمشروع ترتبط بتحقيق عائد مالي مجزٍ لجميع الأطراف في السلسلة الزراعية، إذ إن غياب الجدوى الاقتصادية قد يؤدي إلى توقف الأنشطة بعد انتهاء فترة المنحة، وبالتالي الحد من تحقيق الأهداف التنموية للمشروع.
ولتجنب توزيع المنحة الاستثمارية على عدد كبير من الأنشطة الزراعية، تشمل الإنتاج النباتي والحيواني والرقمنة وسلاسل القيمة، دعا القصار إلى اعتماد آليات تضمن توجيه الاستثمارات نحو أولويات محددة، مقترحاً منهجية اقتصادية متكاملة تقوم على التركيز الجغرافي وسلاسل القيمة المختارة.
واقترح القصار التركيز في المرحلة الأولى على اختبار سلسلتين إلى ثلاث سلاسل قيمة رئيسية، مثل القمح والزيتون والألبان أو الدواجن، وتوجيه مكونات المشروع لخدمة هذه السلاسل بدءاً من الإنتاج وصولاً إلى التسويق والتصنيع.
كما دعا إلى تعزيز الترابط بين الإنتاج النباتي والحيواني والتركيز على دورة إنتاج متكاملة، من خلال دعم إنتاج المحاصيل العلفية لتغذية الثروة الحيوانية، والاستفادة من مخلفاتها في إنتاج الأسمدة العضوية.
وشدد أيضاً على أهمية ربط التحول الرقمي بالخدمات الزراعية الفعلية، بحيث يشمل تطوير الإرشاد الزراعي الرقمي، وتتبع سلاسل الإنتاج، وإنشاء سجل زراعي إلكتروني يساعد في اتخاذ القرارات، إلى جانب ربط توزيع المنح التمويلية بمؤشرات أداء رئيسية (KPIs) تركز على حجم المبيعات وزيادة الإنتاجية وتقليل الفاقد بعد الحصاد.
نور جوخدار
المصدر: الثورة السورية
