المسار الوطني للتكنولوجيا المتقدمة.. خطوة نحو تقليص الفجوة بين المعرفة والإنتاج

زمن القراءة: 16 دقائق

يمثل إحداث المسار الوطني للتكنولوجيا المتقدمة في سوريا توجهاً نحو ربط التعليم بإنتاج التكنولوجيا وتطويرها، عبر مسار يبدأ من المرحلة الثانوية ويمتد إلى التعليم الجامعي التطبيقي والبحثي. وتزداد أهمية هذه الخطوة في ظل تنامي دور المعرفة والابتكار في تعزيز الإنتاجية والتنافسية وخلق فرص العمل، ضمن توجه أوسع نحو اقتصاد قائم على المعرفة، يوظف التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا في تطوير الإنتاج وزيادة القيمة المضافة، ويحول الأفكار والابتكارات إلى منتجات وخدمات وشركات قادرة على توليد فرص العمل.

وبموجب المرسوم رقم 183 لعام 2026، الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع الأربعاء الماضي، يُحدث المسار الوطني للتكنولوجيا المتقدمة بهدف إعداد كوادر وطنية في مجالات التكنولوجيا الرقمية والصناعية المتقدمة، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل. ويشمل المسار اختصاصات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وهندسة البرمجيات المتقدمة، إلى جانب الروبوتات والأتمتة الصناعية والطاقة الذكية والتصنيع الذكي.

وينص المرسوم على إحداث مدارس متخصصة في المرحلة الثانوية تحت اسم «مدارس التكنولوجيا المتقدمة»، يُقبل الطلاب فيها بعد النجاح في شهادة التعليم الأساسي أو ما يعادلها واجتياز اختبار وطني معياري، وفق معايير علمية عادلة وشفافة. كما ينص على إحداث مسار جامعي خاص لحاملي شهادة الثانوية في التكنولوجيا المتقدمة ضمن كليات تحمل اسم «كليات التكنولوجيا المتقدمة» في الجامعات العامة، بقرار من مجلس التعليم العالي.

وتعتمد مناهج المدارس على الدمج بين التعليم النظري والتطبيق العملي والمشروعات المخبرية والبرمجة والتصميم الهندسي، مع تحديث المناهج دورياً بما يواكب التطورات التقنية واحتياجات سوق العمل. ويلزم المرسوم الجامعات المعنية بإدراج تدريب عملي في مؤسسات تقنية أو صناعية أو بحثية، وإعداد مشروعات تخرج قابلة للتحويل إلى منتجات أو شركات ناشئة، بما يعزز الصلة بين التعليم والتطبيقات الاقتصادية.

وتبلغ مدة الدراسة الجامعية في المسار ثلاث سنوات، تنتهي بمنح درجة جامعية تطبيقية تؤهل الخريجين لدخول سوق العمل أو متابعة المسار البحثي. كما يتيح المرسوم استكمال دبلوم تأهيل وتخصص في التكنولوجيا المتقدمة لمدة عام إضافي، يمنح الحاصل عليه إجازة في هندسة التكنولوجيا المتقدمة، مع إمكانية متابعة مسار بحثي متقدم يشمل برامج الماجستير البحثي والحاضنات التقنية ومخابر الابتكار وبرامج الدراسات العليا المشتركة مع الجامعات الوطنية والدولية.

وينص المرسوم كذلك على وضع نظام خاص لحماية الملكية الفكرية للمشروعات الطلابية والبحثية، يضمن حقوق الطلبة والمشرفين والمؤسسات التعليمية، ويشجع تحويل الابتكارات إلى منتجات وشركات ناشئة.

الانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى صناعتها

وقال وزير التعليم العالي والبحث العلمي مروان الحلبي، إن المرسوم يمثل مرحلة جديدة في بناء الإنسان السوري، تستهدف الانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى صناعتها وتطويرها وامتلاك أدواتها. وأوضح أن المسار سيتيح التخصص في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، إلى جانب دعم البحث العلمي والابتكار وريادة الأعمال، وتقليص الفجوة الرقمية وتعزيز الربط بين التعليم والاقتصاد والصناعة، فضلاً عن بناء شراكات مع القطاع الخاص ورعاية المواهب وفق معايير الكفاءة والعدالة والتميز.

ويأتي هذا التوجه ضمن مساعي تطوير التعليم التقاني والرقمي وتوسيع التخصصات المرتبطة بالتكنولوجيا الحديثة. ففي آب الماضي، أقر مجلس التعليم العالي إحداث كليات وبرامج جديدة في عدد من الجامعات الحكومية، بينها برامج ماجستير في المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وهندسة الطيران، إلى جانب توسيع اختصاصات الهندسة المعلوماتية في الجامعات السورية. كما أطلقت وزارة الداخلية هذا العام الجامعة السورية للعلوم الأمنية، التي تضم كلية ومعهداً للأمن السيبراني.

لكن تحويل هذا التوجه التعليمي إلى قيمة اقتصادية يتطلب منظومة متكاملة تشمل تطوير البنية التحتية الرقمية، وتمويل البحث العلمي والابتكار، وتوفير بيئة تشريعية واستثمارية داعمة، وتعزيز الشراكات بين الجامعات والشركات، فضلاً عن تهيئة الظروف اللازمة لاستيعاب الكفاءات وتطبيق مخرجات البحث العلمي في القطاعات الإنتاجية. وبين أهداف المرسوم والتحديات التي يواجهها الاقتصاد السوري، يبقى السؤال حول قدرة المسار على تحويل المهارات والمعرفة إلى منتجات وشركات وفرص عمل تسهم في بناء اقتصاد المعرفة.
وفي هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، أن إحداث المسار الوطني للتكنولوجيا المتقدمة بموجب المرسوم رقم 183 يعبّر عن تحول في التفكير الاقتصادي في سوريا، التي تواجه تحدياً يتمثل في الانتقال من اقتصاد ريعي أو شبه ريعي إلى اقتصاد قائم على المعرفة، تكون فيه التكنولوجيا المتقدمة محوراً لتطوير الإنتاج، وإعادة تشكيل المجتمع، وتحديث دور الدولة. ويطرح هذا المسار مشروعاً طويل الأمد يتطلب إعادة بناء البنية المؤسسية والبحثية والتعليمية، تمهيداً لظهور نتائجه في صورة منتجات تقنية وشركات ناشئة وكفاءات قادرة على إنتاج المعرفة.

وأوضح قوشجي، لصحيفة «الثورة السورية»، إن الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة يقوم على بناء قدرة وطنية على إنتاج المعرفة وتوطين التكنولوجيا، من خلال تطوير البيئة الرقمية، وإنشاء مراكز بحث قادرة على الابتكار، ودعم الشركات التي تمتلك القدرة على استيعاب التكنولوجيا وتحويلها إلى قيمة اقتصادية. .

وأضاف أن المسار الوطني للتكنولوجيا المتقدمة يوفر الإطار المؤسسي، لكنه لا يضمن النتائج ما لم تُبنَ منظومة متكاملة تشمل البنية التحتية الرقمية، ورأس المال البشري، والبيئة التشريعية والتمويلية. فالتكنولوجيا المتقدمة لا تعمل في فراغ، بل تحتاج إلى اقتصاد قادر على احتضانها، ومجتمع قادر على استخدامها، ومؤسسات قادرة على تطويرها.

الفجوة المعرفية

في المقابل، حدد قوشجي مجموعة من العقبات البنيوية التي تواجه نقل التكنولوجيا إلى سوريا، في مقدمتها الفجوة المعرفية بين المجتمع والتكنولوجيا، إذ يتطلب استخدام الأدوات المتقدمة توفر ثقافة رقمية ومهارات أساسية للتعامل معها. وأشار إلى أن منظومة البحث العلمي تواجه تحديات تتعلق بضعف التمويل، وهجرة الكفاءات، وغياب الربط بين الجامعات والقطاع الصناعي، ما يحد من تحويل التكنولوجيا المنقولة إلى تطبيقات عملية وإنتاج فعلي.

كما لفت إلى أن الشركات القادرة على استيعاب التكنولوجيا المتقدمة لا تزال محدودة، سواء من حيث البنية الإدارية أو القدرة على الاستثمار طويل الأجل أو الالتزام بمعايير الحوكمة.

ويضاف إلى ذلك محدودية التمويل، إذ يحتاج الاستثمار في التكنولوجيا إلى رؤوس أموال كبيرة، بينما يعاني الاقتصاد من ضعف السيولة وغياب صناديق رأس المال المخاطر.

ويتطلب بناء اقتصاد معرفي تغييراً جذرياً في نمط التعليم في سوريا، الذي ما زال يعتمد على التلقين والحفظ والامتحانات التقليدية، في حين يحتاج هذا الاقتصاد إلى منظومة تعليمية تعزز التفكير النقدي والابتكار، وتدمج البرمجة والذكاء الاصطناعي في المناهج، وتوثق الصلة بين الجامعات والقطاع الصناعي، وفق قوشجي.

وأكد قوشجي أن تغيير نمط التعليم عملية اجتماعية وثقافية تتطلب تحديث المناهج، وتدريب المعلمين، وتوظيف التكنولوجيا في العملية التعليمية، إلى جانب إنشاء مختبرات ومراكز للابتكار. وتشمل هذه العملية أيضاً تغيير نظرة المجتمع إلى التعليم المهني والتقني، وتعزيز مكانة العلوم التطبيقية التي تشكل أساساً لاقتصاد المعرفة، باعتبار أن المجتمع يمثل الحاضن لأي تحول اقتصادي.

وأشار إلى أن تهيئة المجتمع لاستخدام التكنولوجيا المتقدمة تتطلب رفع مستوى الوعي الرقمي من خلال برامج وطنية، وتحسين البنية التحتية الرقمية في المنازل، وتعزيز ثقافة الابتكار وريادة الأعمال. كما يستلزم ذلك بناء الثقة بالأدوات الرقمية عبر حماية البيانات، وتطوير الأمن السيبراني، وضمان الشفافية في استخدامها. ويرى أن نجاح التحول التكنولوجي يرتبط بمدى اندماج هذه الأدوات في الحياة اليومية للمجتمع وتلبية احتياجاته.

واعتبر قوشجي أن الغاية النهائية من المسار الوطني للتكنولوجيا المتقدمة تتمثل في تكوين طبقة مبدعة من الباحثين والمهندسين ورواد الأعمال القادرين على تحويل الأفكار إلى منتجات، والمعرفة إلى قيمة اقتصادية. ويتطلب بناء هذه الطبقة تطوير التعليم، وتوفير بيئة حاضنة للابتكار، وتأمين التمويل المستدام، وتعزيز حرية البحث، وإنشاء حاضنات للأعمال، إلى جانب تحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

وأضاف أن تحقيق هذه الغاية يستلزم الانفتاح على العالم، واستقطاب الكفاءات السورية في الخارج، وتعزيز الربط بين الجامعات والقطاع الصناعي، وتفعيل دور الدولة بوصفها مستهلكاً رئيسياً للتكنولوجيا المتقدمة.

شروط التحول

ورأى قوشجي أن المرسوم رقم 183 يشكل خطوة أولى في مسار طويل نحو بناء اقتصاد قائم على المعرفة، يتطلب إعادة بناء منظومة التعليم، وتطوير البنية التحتية الرقمية، وتحفيز البحث العلمي، وإنشاء صناديق وطنية للابتكار، وتحديث التشريعات المتعلقة بالتكنولوجيا، وتعزيز الربط بين الجامعات والقطاع الصناعي.

وأضاف أن هذا المسار يحتاج أيضاً إلى بناء شركات قادرة على استيعاب التكنولوجيا، وتوفير بيئة تمويلية تتيح نمو الشركات الناشئة، وتفعيل دور الدولة بوصفها محركاً رئيسياً للطلب على التكنولوجيا المتقدمة. ومن شأن تكامل هذه العناصر أن يتيح لسوريا التحول من اقتصاد يعتمد على الموارد التقليدية إلى اقتصاد ينتج المعرفة ويصدرها، ويعزز اندماجه في الاقتصاد العالمي.

وشدد على «أن الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة بعد إحداث المسار الوطني للتكنولوجيا المتقدمة هو مشروع لإعادة بناء الدولة والمجتمع والاقتصاد معاً. نجاح هذا المشروع يتطلب نقل التكنولوجيا، وتغيير التعليم، وتهيئة المجتمع، وبناء طبقة مبدعة، وتطوير التشريعات والمؤسسات. إنه مسار طويل، لكنه المسار الوحيد القادر على نقل سوريا إلى اقتصاد المستقبل، حيث تكون المعرفة المورد الأول، والابتكار المحرك الأساسي للنمو».

تحويل سوريا إلى بلد منتج للتكنولوجيا

بدوره، اعتبر الخبير الاقتصادي الدكتور إيهاب اسمندر، أن المرسوم رقم 183 لعام 2026، الذي أطلق المسار الوطني للتكنولوجيا المتقدمة، يمثل خطوة مهمة نحو تطوير اقتصاد المعرفة في سوريا.
وأوضح اسمندر لصحيفة «الثورة السورية» أن البعد الجوهري للمرسوم يتمثل في بناء مسار تعليمي يمتد من المدرسة إلى الجامعة، ويتخصص في مجالات تكنولوجية تشمل الأمن السيبراني وعلوم البيانات والروبوتات والذكاء الاصطناعي، بما يدعم توجه سوريا نحو إنتاج التكنولوجيا.

وأضاف: «من المهم أننا نسمع عبر وسائل الإعلام عن استثمارات أجنبية مباشرة مرتقبة لمستثمرين سعوديين وإماراتيين في سوريا في المجال التكنولوجي، بالتوازي مع خطط حكومية لتطوير شبكات الجيل الخامس، وإنشاء كابل بحري جديد، وتنفيذ مشروع للألياف الضوئية، وكل ذلك يدعم البنية التحتية لسوريا بوصفها دولة تكنولوجية واعدة».

وأشار اسمندر إلى تحديات قد تؤثر في جدوى الاستثمار التكنولوجي في سوريا، من بينها ضعف شبكة الإنترنت وعدم انتظام التيار الكهربائي، لافتاً إلى أن أكثر من 64 بالمئة من السوريين لا يستطيعون الاستفادة من خدمة الإنترنت. كما تشمل التحديات محدودية أدوات التمويل الحكومي، وصعوبة التحويلات المالية الدولية، وهجرة قسم كبير من الكفاءات السورية الشابة، والحاجة إلى مواءمة مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل الفعلية.

بناء رأس المال البشري

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم، أن المرسوم رقم 183 لعام 2026 يمثل توجهاً لبناء رأس المال البشري، ولا يندرج ضمن قوانين الاستثمار أو صناديق التمويل أو برامج جذب الشركات الأجنبية. وأضاف أن العائد الاقتصادي للمسار سيتوقف على تطور المنظومة الداعمة له، من بنية تحتية وتمويل وفرص عمل، خلال السنوات السبع إلى الثماني المقبلة، وهي الفترة المتوقعة لتخرج أول دفعة من المهندسين.

وأوضح عبد الكريم لصحيفة «الثورة السورية» أن النموذج الجامعي الذي يحدده المرسوم يستحق التوقف عنده من الناحية الاقتصادية؛ إذ تنص المادة 13 على دراسة جامعية مدتها ثلاث سنوات تنتهي بمنح درجة جامعية تطبيقية تؤهل الخريج لدخول سوق العمل مباشرة أو متابعة المسار البحثي. وتتيح المادة 14 استكمال دبلوم تأهيل وتخصص لمدة عام إضافي، يُمنح الطالب بموجبه إجازة في هندسة التكنولوجيا المتقدمة، فيما تفتح المادة 15 المجال أمام متابعة مسار بحثي يشمل الماجستير البحثي والحاضنات التقنية ومخابر الابتكار وبرامج الدراسات العليا المشتركة مع جامعات وطنية ودولية.

ويقوم المنطق الاقتصادي لهذا النموذج على تقليص المسافة بين التعليم واكتساب المهارات والتطبيق العملي ودخول سوق العمل؛ إذ يبدأ الطالب التخصص في سن الخامسة عشرة تقريباً، بدلاً من الثامنة عشرة، ويمكنه الوصول إلى سوق العمل بدرجة جامعية تطبيقية بعد نحو ست سنوات من بدء المسار.

واعتبر عبد الكريم أن الأهم من المناهج هو ما تنص عليه المادة 16 من إلزام الجامعات بمشروعات تخرج تطبيقية قابلة للتحول إلى منتجات أو شركات ناشئة، وتدريب عملي في مؤسسات تقنية أو صناعية أو بحثية، وربط البرامج بحاضنات الأعمال ومراكز الابتكار ومخابر البحث المتخصصة. ويعتبر أن هذه المتطلبات تمثل حلقة الوصل الأساسية بين التعليم والاقتصاد، ما يجعل مدى تطبيقها معياراً محورياً في تقييم المسار.

قاعدة اقتصادية

ويطرح عبد الكريم سؤالاً محورياً حول الشروط التي تتيح للمسار التعليمي تجاوز إعداد الكفاءات إلى الإسهام في بناء قاعدة اقتصادية تستقطب الاستثمارات وتؤسس للشركات وتخلق فرص العمل وتزيد الصادرات. ويرى أن الإجابة تبدأ من الإجراءات التي ستُتخذ خلال السنوات الفاصلة عن تخرج أول دفعة، إذ يتوقف نجاح المسار اقتصادياً على تهيئة بيئة قادرة على استيعاب مخرجاته وتحويل المهارات والابتكارات إلى أنشطة منتجة.

وتتمثل الخطوة الأولى، وفق الخبير، في حسم مجموعة من المسائل خلال المدى القريب، وتحديداً في الأشهر الثلاثة التي حددها المرسوم لإصدار التعليمات التنفيذية. ويشمل ذلك إقرار نسبة مرتفعة وملزمة للتعليم العملي، ووضع نظام للملكية الفكرية يضمن حقوق الطلاب المؤسسين ويحدد حصصهم في المشروعات، بما يشجعهم على تحويل ابتكاراتهم إلى مشاريع قابلة للاستثمار، إلى جانب إقرار حوافز واضحة للشركات التي تستقبل المتدربين، وتوسيع تمثيل القطاع الخاص، والإعلان عن جدول زمني لإنشاء المدارس يحدد أعداد المقاعد والكلفة المتوقعة.

أما على المدى المتوسط، خلال سنتين إلى ثلاث سنوات، فرأى عبد الكريم أن تهيئة البيئة الاقتصادية تتطلب استكمال البنية التحتية للألياف الضوئية، وتأمين إمدادات كهرباء موثوقة في مناطق تقنية محددة، وتسهيل قنوات الدفع الدولي للأفراد والشركات الصغيرة، وإصدار قانون لحماية البيانات، وتوضيح مدى شمول الخدمات الرقمية بحوافز الاستثمار. ويضاف إلى ذلك إنشاء آلية تمويل مشتركة لسد الفجوة التمويلية التي تواجه المشروعات بعد مراحلها التمهيدية، وفتح المجال أمام الشركات التقنية للمشاركة في المشتريات الحكومية الرقمية.

وبالتوازي مع هذه الإجراءات، شدد عبد الكريم على أهمية الاستفادة من الكفاءات المتاحة حالياً، بدلاً من ربط انطلاق النشاط الاقتصادي بوصول أولى دفعات خريجي المسار الجديد. فالجامعات السورية تخرّج مهندسين يمكن الاستفادة منهم في تطوير قطاعات تقنية منخفضة رأس المال، إلى جانب استقطاب الكفاءات السورية في الخارج. ومن شأن البدء في بناء هذه القطاعات مبكراً أن يتيح تأسيس شركات وتوسيع أعمالها خلال السنوات المقبلة، بحيث يجد خريجو المسار بيئة إنتاجية قائمة يمكنهم الاندماج فيها وتطويرها.

وفي هذا السياق، أوضح عبد الكريم أن المرسوم رقم 183 يركز على إعداد المهارات التقنية، فيما يعتمد الأثر الاقتصادي لهذا التوجه على قدرة السوق على استيعاب الكفاءات وتحويل معارفها إلى منتجات وخدمات ومشروعات قابلة للنمو. ويحذر من أن غياب هذه البيئة قد يدفع المهندسين المؤهلين إلى العمل في اقتصادات أخرى، في حين يمكن لتكامل التعليم مع التمويل والبنية التحتية وفرص الاستثمار أن يجعل المسار رافداً لاقتصاد منتج.

ولاختبار مدى تحقق هذه الأهداف، اقترح عبد الكريم متابعة مؤشرات سنوية تقيس عدد الخريجين العاملين داخل سوريا في اختصاصاتهم، وعدد الشركات الناشئة التي تجاوزت مرحلة التمويل التمهيدي، وحجم الإيرادات المتحققة من تصدير الخدمات الرقمية عبر القنوات المصرفية. وهي مؤشرات تسمح بتقييم النتائج الاقتصادية للمسار، بعيداً عن الاكتفاء بقياس أعداد الملتحقين به أو الخريجين منه.

ميساء العلي

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار