كيف تتعامل مع الموظف العدائي؟

زمن القراءة: 6 دقائق

قد يكون أصعب اختبار للاحترافية ليس حجم المعرفة أو عدد الشهادات التي يحملها الشخص، بل الطريقة التي يتعامل بها مع الآخرين عندما يشتد الضغط وتتصاعد الخلافات.

في بيئات العمل التي تقوم على المنافسة واتخاذ القرارات الصعبة، تكشف ردود الأفعال أكثر مما تكشفه المؤهلات، ويصبح ضبط النفس واحترام الآخرين معياراً حقيقياً للنضج المهني.

ومع تزايد الضغوط اليومية وتراجع آداب التواصل في كثير من البيئات المهنية، يبرز سؤال مهم: لماذا يتحول بعض المهنيين إلى مصدر دائم للتوتر والصراع، رغم أنهم يشغلون مواقع تتطلب أعلى درجات الانضباط والاتزان؟

السلوك العدائي

يرى مختصون في علم النفس أن السلوك العدائي في بيئة العمل لا يرتبط دائماً بطبيعة الوظيفة أو حدة المنافسة، بل يعكس في كثير من الأحيان خللاً في القدرة على تنظيم المشاعر والفصل بين الخلاف المهني والعلاقة الإنسانية.

المحامي الذي يتعامل مع خصمه بعدائية، أو المدير الذي يهاجم موظفيه، أو الطبيب الذي يفتقر إلى الاحترام في تعامله مع المرضى، لا يمارس بالضرورة استراتيجية مهنية، بل يكشف عن نمط سلوكي متكرر يتجاوز حدود الموقف نفسه.

يستشهد المقال بتجربة عملية عاشها أحد المحامين مع زميل له اتسم أسلوبه بالعدائية منذ اللحظة الأولى، من دون مقدمات أو تحية أو حتى محاولة لتوضيح موقفه القانوني.

وبرغم أن التقاضي بطبيعته يقوم على الدفاع عن مصالح كل طرف، فإن هذا النوع من المواجهات لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة شخصية.

غير أن مراجعة تقييمات العملاء لذلك المحامي كشفت شكاوى متكررة تتعلق بسوء التواصل وعدم الاستجابة، ما عزز الانطباع بأن المشكلة ليست مرتبطة بقضية بعينها، وإنما تعكس سلوكاً دائماً في التعامل مع الآخرين.

التنظيم الانفعالي

من منظور علم النفس، يفسر هذا النمط بأنه ضعف في مهارات التنظيم الانفعالي، إذ يعجز بعض الأشخاص عن الفصل بين أدوارهم المهنية وبين ذواتهم الشخصية، فيتعاملون مع الطرف الآخر باعتباره تهديداً مباشراً لذواتهم أو لمكانتهم، وليس مجرد شخص يؤدي عمله.

وعندما يصبح الخلاف المهني مسألة شخصية، تتراجع لغة الحوار لتحل محلها العدائية والانفعال، ولا يقتصر هذا السلوك على أماكن العمل، بل أصبح أكثر حضوراً في تفاصيل الحياة اليومية.

فالكثيرون يلاحظون ازدياد مظاهر التوتر في الشوارع، حيث يزداد السائقون اندفاعاً، وفي المتاجر حيث يتراجع الصبر في طوابير الانتظار، وفي المطارات ووسائل النقل، حيث تتحول أبسط المواقف إلى مصدر للاستياء والانفعال.

هذه التصرفات، التي قد تبدو فردية، تعكس اتجاهاً مجتمعياً أوسع يتمثل في تراجع مهارات التفاعل الإنساني.

“تأثير إزالة الكوابح”

يربط علماء النفس هذه الظاهرة بما يسمى “تأثير إزالة الكوابح”، وهو مفهوم يفسر كيف شجعت سنوات الاعتماد المكثف على التواصل الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي بعض الأفراد على التعبير عن غضبهم وعدائيتهم بسهولة أكبر، بسبب غياب المواجهة المباشرة.

ومع مرور الوقت، انتقلت هذه السلوكيات إلى الواقع، فأصبح بعض الأشخاص يتعاملون مع الآخرين بالطريقة نفسها التي يتعاملون بها خلف الشاشات، حيث تقل الرقابة الاجتماعية وتضعف الاعتبارات الأخلاقية.

السلوك المهني

وفي تقييم السلوك المهني، يميز علم النفس بين نوعين من التصرفات؛ الأول هو السلوك المؤقت الذي ينتج عن ضغوط عابرة أو يوم سيئ، وهو أمر قد يحدث لأي شخص.

أما الثاني فهو السلوك المتكرر الذي يتحول إلى سمة شخصية ثابتة، بحيث تصبح العدائية وسوء التواصل وقلة الاحترام جزءاً من أسلوب الفرد الدائم في التعامل.

وهنا تكمن الخطورة، لأن هذا النوع من السلوك لا يرتبط بظرف معين، بل يعكس مشكلة أعمق في الشخصية.

ويرى الخبراء أن اللطف والاحترام داخل بيئة العمل ليسا مجرد قواعد للسلوك الراقي، بل يمثلان مؤشراً أساسياً على النزاهة والاتزان النفسي.

فالمهني الذي يحافظ على احترام الآخرين حتى في أكثر المواقف تعقيداً يمنح الثقة لعملائه وزملائه، بينما يؤدي السلوك العدائي إلى تآكل هذه الثقة تدريجياً، مهما بلغت كفاءة الشخص أو خبرته.

تقليل الاحتكاك

وعند التعامل مع الشخصيات عالية الصراع، ينصح المتخصصون بتبني استراتيجية تقوم على تقليل الاحتكاك إلى الحد الأدنى، والاقتصار على التواصل الضروري، مع تجنب الانجرار إلى الاستفزاز أو الرد بالمثل.

الرد على العدوانية بعدوانية غالباً ما يؤدي إلى تصعيد الأزمة، بينما يساعد الحفاظ على الهدوء والالتزام بالاحترافية في حماية التوازن النفسي للطرف الآخر، ويمنع الشخص العدائي من تحقيق هدفه باستدراج الآخرين إلى دائرة الصراع.

كما يؤكد الخبراء أهمية وضع حدود واضحة في العلاقات المهنية، وعدم السماح للسلوكيات السلبية بالتأثير في الأداء أو الصحة النفسية.

فالابتعاد عن الشخصيات التي تكرر إثارة النزاعات، متى كان ذلك ممكناً، يعد خياراً صحياً يحافظ على بيئة عمل أكثر استقراراً وإنتاجية.

ومن ثم، فإن الاحترافية الحقيقية لا تقاس بعدد الشهادات أو سنوات الخبرة، بل بقدرة الإنسان على ضبط انفعالاته واحترام الآخرين، حتى في أصعب المواقف وأكثرها حساسية.

المعرفة يمكن اكتسابها، والمهارات يمكن تطويرها، لكن النضج الانفعالي والقدرة على إدارة الخلافات يظلان من أهم الصفات التي تميز المهني الحقيقي.

وربما آن الأوان لإعادة تعريف مفهوم الاحترافية، بحيث لا تقتصر شروطها على الكفاءة والخبرة، وإنما تشمل أيضاً السلوك الراقي، والاحترام المتبادل، والقدرة على التعامل مع الخلافات بعقلانية، باعتبارها ركائز أساسية لا تقل أهمية عن أي مؤهل أكاديمي أو خبرة عملية.

المصدر: سايكولوجي توداي

آخر الأخبار