في معرض شيكاغو العالمي عام 1893، لم تكن المصابيح هي الحكاية الرئيسية بقدر ما كانت الشبكة خلفها، فنظام التيار المتردد متعدد الأطوار المرتبط ببراءات “نيكولا تسلا” منح الكهرباء قدرة عملية على الانتقال لمسافات بعيدة.

وبعد سبع سنوات، نشر “تسلا” في مجلة “ذا سنشري” مقالًا بعنوان “مشكلة زيادة الطاقة البشرية”، وتعامل فيه مع التقدم كمسألة مرتبطة بتحويل الطاقة إلى عمل مفيد، متخيلًا استغلال الشمس والنقل اللاسلكي للطاقة والآلات ذاتية التحكم.
كان “تسلا” سابقًا لعصره في التفاصيل، لكن فكرته الأساسية أبسط: الطاقة لا تصنع الثروة بذاتها؛ قيمتها تظهر عندما تتحول إلى عمل.
والآن في عام 2026، أضيفت كلمة جديدة إلى هذه الجملة، هي “الذكاء”، فإلى أين يمكن أن تمضي بواحدة من أهم الابتكارات الثورية بالفعل.
جسر بين الطاقة والثروة
– في الشهر الماضي، خلال فعالية في واشنطن، قال “إيلون ماسك” إن متوسط القدرة المستخدمة في الولايات المتحدة يقارب 500 جيجاواط، وإن إضافة 5 جيجاواط بصورة مستمرة (تستخدم بلا انقطاع طوال الوقت) تعني زيادة تقارب 1% في الكهرباء.
– “ماسك” راهن على أن ذلك قد يتحول إلى زيادة مماثلة في الناتج المحلي، و”جينسن هوانج” بدوره اختصر الحساب قائلًا إن كل جيجاواط إضافية للشبكة يمكن أن تولّد ما بين 40 إلى 50 مليار دولار من الناتج الاقتصادي سنويًا.
– الجملة مغرية لأنها تجعل الكهرباء تبدو ماكينة رفع تدفع الناتج إلى الأعلى دون عناء، لكنها تصبح أهم حين نفككها.
ماذا يعني رقم 50 مليار دولار فعلاً؟
– الرقم ليس نموذجًا اقتصاديًا مستقلًا، وهو قريب من قسمة حجم الاقتصاد الأمريكي على متوسط قدرته الكهربائية، حيث بلغ صافي توليد الكهرباء الأمريكي نحو 4.43 تريليون كيلوواط/ساعة في 2025.
– يعني ذلك متوسطًا يقارب 506 جيجاواط، ما يجعل تقدير “ماسك” البالغ 500 جيجاواط صحيحًا من حيث الحجم.

– جيجاواط من الكهرباء طوال العام يساوي 8.76 تيراواط مستمرة (1×24×365)، وعند قيمة تتراوح بين 40 إلى 50 مليار دولار، يصبح كل كيلوواط مرتبطًا بنحو 4.6 و5.7 دولار من الناتج.
– هذا ليس دليلًا على أن إضافة محطة كهرباء بهذه القدرة وحدها تخلق هذا الناتج، وإنما إضافة مستمرة إلى الطلب.
– الـ 50 مليار دولار ليست نتيجة نموذج اقتصادي مستقل، بل ناتج حساب مباشر لفرضية “ماسك-هوانج”، لكن يظل السؤال “هل تصح هذه العلاقة عند التطبيق العملي؟”.
من أين يمكن أن يأتي الناتج الإضافي؟
– أولًا من الاستثمار في التوليد والشبكات والمحولات والتوربينات ومراكز البيانات والرقائق، ثم من خدمات الذكاء الاصطناعي القابلة للبيع، من إحلال الكهرباء محل عمليات أقل كفاءة، من المركبات الكهربائية إلى التدفئة وبعض الاستخدامات الصناعية.
– لكن العنصر الأكثر أهمية هو “الإنتاجية”، حيث ينتج العامل أو المهندس أو الباحث أكثر في ساعة العمل نفسها.
– تشير فلسفة “تسلا” إلى أن الازدهار ليس قضية متعلقة بكمية الكهرباء وحدها، بل بمقدار “العمل المفيد” المستخرج منها، والذي يمكن أن نترجمه هنا إلى “نمو الإنتاجية”، وهذا مهم في معادلة “ماسك-هوانج”.
– تشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف ما بين نصف نقطة ونقطة مئوية سنويًا إلى نمو إنتاجية العمل في اقتصادات مجموعة السبع خلال عشر سنوات.
– الإنتاجية هي الجسر الحقيقي الذي يمكن أن يربط الطاقة بزيادة الثروة، وليس شبكة الكهرباء نفسها، كما أشار “تسلا”.
ماذا لو طبقنا المعادلة؟
– تتوقع وكالة الطاقة الدولية ارتفاع استهلاك الكهرباء العالمي إلى 33.6 ألف تيراواط في 2030 من 28.2 ألف تيراواط في 2025، بزيادة 5.4 ألف تيراواط، أو ما يعادل نحو 616 جيجاواط من القدرة المستمرة.
– بالضرب في نطاق 40 إلى 50 مليار دولار يشير ذلك إلى إضافة سنوية تتراوح بين 24.7 و30.8 تريليون دولار.

– بالنظر إلى عام 2035 حيث تتوقع الوكالة نمو الطلب بنحو 40% عن المستويات الحالية (زيادة 11.28 ألف تيراواط، أو 1288 جيجاواط مستمرة)، فإن المعادلة نفسها تعطي ناتجًا إضافيًا يتراوح بين 51.5 و64.4 تريليون دولار.
– هذه ليست توقعات رسمية للناتج، بل نتيجة تطبيق مباشر لفرضية “ماسك-هوانج” على نمو الطلب العالمي على الكهرباء، والنتيجة ضخمة بما يكفي للتساؤل عما إذا كان من الممكن فعلًا تحويل مئات الجيجاواط الإضافية من الطلب إلى عشرات تريليونات الدولارات من الناتج السنوي؟
– ربما الاختبار الأقرب لروح الفرضية هو مراكز البيانات، فاستهلاكها متوقع أن يرتفع إلى نحو 950 تيراواط في 2030 من 485 تيراواط في 2025، بزيادة تعادل 53 جيجاواط مستمرة، أو ما بين 2.1 و2.7 تريليون دولار من الناتج الإضافي، وفقًا لحساباتهما.
– لكن حتى هنا يبقى الناتج الفعلي مرهونًا بسرعة التبني والأسعار والإنتاجية، وتظل التساؤلات قائمة حول ما إذا كانت الفرضية قابلة للتطبيق على الاقتصاد العالمي وليس الأمريكي فقط.
ثورة الكهرباء التي لم تبدأ بعد
– وكالة الطاقة الدولية تقول إن “عصر الكهرباء” بدأ بالفعل، لكن الأرقام تسمح بصياغة أكثر إثارة، إذ ربما نكون “في مقدمته فقط”.
– الكهرباء تمثل نحو 21% من الاستهلاك النهائي للطاقة عالميًا، لكنها المصدر الرئيسي للطاقة في قطاعات تمثل أكثر من 40% من الاقتصاد العالمي.
– حتى عام 2030، يتوقع نمو الطلب عليها 3.6% سنويًا، مدفوعًا بالصناعة والمركبات والتبريد ومراكز البيانات، لكن مع الذكاء الاصطناعي ربما يكون النمو أسرع بكثير.
– حين تصبح الكهرباء عنق زجاجة للحوسبة والتصنيع والنقل، يصبح الجيجاواط الإضافي من الطلب أشبه بأرض صناعية، ليس منتجًا نهائيًا، لكنه شرط ضروري يسمح بتطوير منتجات أخرى فوقه.
– كان “تسلا” يرى مشكلة الحضارة باعتبارها مشكلة زيادة الطاقة البشرية، وبعد أكثر من قرن، يظل السؤال قائمًا: ما حجم الذكاء والعمل والقيمة المضافة التي نستخرجها من كل واط إضافي؟
– إذا كان “هوانج” و”ماسك” محقَّيْن حتى جزئياً، فلن تكون الكهرباء مجرد فاتورة تشغيل، بل ستصبح من مدخلات النمو الأكثر ندرة، وهنا يفترق الواقع عن حلم “تسلا”.
– إن اقتصاد الذكاء الاصطناعي قد يكشف عن أن الاعتماد الهائل على الخوارزميات يجعل المحولات وخطوط النقل ومواعيد الربط بالشبكة هي الشيء النادر وربما الأكثر ضرورة، وعندها تكون “ثورة الكهرباء التي لم تبدأ بعد” معركة طويلة لإضافة المزيد من الجيجاواط إلى الاستهلاك والتريليونات إلى الاقتصاد.
المصادر: أرقام- موقع تسلا كولكشن- إدارة معلومات الطاقة- مكتب إحصاءات العمل- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية- وكالة الطاقة الدولية- بي بي إس- سي إن بي سي- مجلة سميثسونيان
