تخيل أن تتخرج بشهادة جامعية، وتتقن الإنجليزية، وتملك المهارات التي تحتاجها شركات العالم، ثم تكتشف أن أفضل فرصة لك ليست في بلدك، بل على بعد آلاف الكيلومترات منه.
هذه ليست قصة فردية، بل حكاية اقتصاد بأكمله، فالهند، التي تمتلك واحدة من أكبر القوى العاملة الشابة في العالم، تواجه مفارقة صعبة، بلد يملك العمالة، لكنه لا يملك ما يكفي من الوظائف المناسبة لها، وهكذا بدأت نيودلهي في تحويل المشكلة إلى استراتيجية، وأصبحت العمالة الهندية ورقة حاضرة في اتفاقياتها التجارية حول العالم.
قوة تصديرية
لعقود طويلة، تكبلت المصانع الهندية بقوانين عمل تعود إلى عام 1947، حظرت على المنشآت التي تضم أكثر من 100 موظف تسريح العمال، وهو ما دفع الشركات إلى التوجه نحو قطاعات كثيفة رأس المال وتجنب التوسع، ليتشكل اقتصاد يضم عمالقة وصغاراً بينما تغيب عنه الطبقة المتوسطة من الشركات.
لكن بدأت الحكومة في نوفمبر 2025، إصلاح هذه المنظومة، في محاولة لزيادة مرونة سوق العمل وتبسيط إجراءات التوظيف.
وكل عام، تخرج الهند نحو 5 ملايين شخص، بينما تضم البلاد نحو 400 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً.
لكن الاقتصاد، رغم نموه بنحو 7%، لا يولد وظائف بالسرعة الكافية، وتظهر الفجوة بوضوح بين الشباب المتعلمين؛ إذ يصل معدل البطالة بين الخريجين إلى 29.1%، في وقت يعاني فيه كثيرون من العمل في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم، لذا وجدت نيودلهي مخرجًا رئيسيًا في تصدير هذه الطاقة البشرية إلى الخارج.
وفي ظل قيادة رئيس الوزراء “ناريندرا مودي”، عملت الهند على تقديم قوتها العاملة الضخمة كحل لمشكلات نقص المهارات والشيخوخة السكانية في الخارج.
فمن أوروبا إلى نيوزيلندا، ومن أستراليا إلى الشرق الأوسط، تسعى نيودلهي إلى فتح مسارات جديدة أمام عمالتها، مستفيدة من مهاراتها في التكنولوجيا وإتقانها الإنجليزية، والنتيجة أن الهند أصبحت أكبر مصدر للمهاجرين الدوليين في العالم.
|
من أين يأتي المهاجرون الدوليون حول العالم؟ |
|
|
الدولة |
عدد المهاجرين |
|
الهند |
18.53 |
|
الصين |
11.7 |
|
المكسيك |
11.6 |
|
أوكرانيا |
9.77 |
|
روسيا |
9.13 |
|
سوريا |
8.93 |
|
بنغلاديش |
8.71 |
|
فنزويلا |
8.33 |
|
أفغانستان |
7.53 |
|
الفلبين |
6.99 |
بيانات عام 2024
مصدر للدخل
بالنسبة لنيودلهي، لا تنتهي قيمة العامل الهندي عند لحظة مغادرته البلاد، فكل راتب يُرسل إلى الأسرة في الداخل يتحول إلى تدفق من العملة الأجنبية.
وتُعد الهند أكبر متلقٍ للتحويلات المالية في العالم، بنحو 137.7 مليار دولار في 2024، أي ما يقارب 3% من ناتجها المحلي الإجمالي.
كما يمثل العائدون من الخارج والجاليات الهندية مصادر للعملة الصعبة والاستثمارات والخبرات الفنية للبلاد، وفي صيف هذا العام، جمعت البنوك المحلية أكثر من 50 مليار دولار من خلال تشجيع المغتربين الهنود على تحويل مدخراتهم إلى الهند، وذلك ضمن تدابير تهدف إلى دعم قيمة الروبية.
|
أكثر الدول استقبالاً لتحويلات العاملين بالخارج |
|
|
الدولة |
قيمة التحويلات |
|
الهند |
137.67 |
|
المكسيك |
67.64 |
|
الفلبين |
40.28 |
|
فرنسا |
38.78 |
|
باكستان |
34.91 |
|
الصين |
31.41 |
|
مصر |
29.56 |
|
بنجلاديش |
27.60 |
العالم يعيد حساباته
غير أن القصة بدأت تأخذ منحى أكثر تعقيداً، فمع تشديد سياسات الهجرة في دول عدة، لم يعد الباب مفتوحاً بالقدر نفسه، وفي الوقت الذي تحتاج فيه الهند إلى العالم لاستيعاب عمالتها، يبدأ العالم نفسه في إعادة حساب احتياجاته من العمالة الأجنبية.
بالفعل، واجه الهنود موجة مناهضة للهجرة؛ فمن تصريحات ساسة نيوزيلندا بشأن التحذير من تزايد تدفق العمالة الهندية، إلى هتافات الاحتجاج في ملبورن “لا مزيد من الهنود“.
وفي الولايات المتحدة، كان الهنود يمثلون 71% من طلبات تأشيرة “إتش -1بي ” الموافق عليها في السنة المالية 2024، لكن تشديد قواعد التأشيرات والرسوم الجديدة زاد حالة عدم اليقين أمام العمالة الهندية، وانخفضت نسبة المغادرين مقابل العائدين من (3 إلى 1) في عام 2023 لتصل إلى (2 إلى 1) هذا العام.

تصدير العمالة ليس الحل
غير أن نموذج تصدير العمالة ينطوي على سلبيات، فعلى سبيل المثال، تشير إحدى التقديرات إلى أن ظاهرة “هجرة العقول” تكبد الهند خسائر تتراوح بين 35 و50 مليار دولار سنويًا، ويعزى ذلك جزئيًا إلى ضياع فرص نمو الإنتاجية، إذ ينتهي المطاف بالعديد من الهنود بالاستقرار في الخارج.
الأخطر أن الهند لا تواجه أزمة في عدد العمال، بل في قدرتها على خلق وظائف منتجة لهم، كما يضيف الذكاء الاصطناعي طبقة جديدة إلى المشكلة، بعدما بدأ قطاع خدمات تكنولوجيا المعلومات، الذي يضم نحو 8 ملايين عامل، يشهد عمليات تقليص واسعة.
وبينما ينضم ملايين الخريجين الجدد كل عام، تتجه بعض الوظائف الروتينية نحو الأتمتة، فيما يتزايد الاعتماد على العقود المؤقتة والعمل غير الرسمي.

لا تبدو قصة الهند قصة بلد يصدّر عمالته بقدر ما هي قصة بلد يبحث عن منفذ لفائض هائل من الطاقات البشرية، لقد وجدت نيودلهي في الخارج مصدرًا للتحويلات، والأسواق الجديدة، والخبرات، وفرص العمل.
لكن دول العالم ليست سوقًا مفتوحة بلا حدود؛ فقواعد الهجرة يمكن أن تتغير، والسياسات قد تنقلب، والذكاء الاصطناعي قد يعيد تعريف سوق العمل.
ولهذا ستبقى المعركة الحقيقية داخل الهند نفسها: هل تستطيع تحويل مئات الملايين من الشباب من “قوة قابلة للتصدير” إلى قوة إنتاجية قادرة على تغيير الاقتصاد من الداخل؟
المصادر: بيانات الأمم المتحدة- تقرير الهجرة العالمي- صحيفة “فاينانشال تايمز”- سي إن بي سي- رويترز– صحيفة “الإيكونومست”
