النفط والغاز.. الإنتاج يتعافى تدريجياً وفجوة الاحتياجات مستمرة

زمن القراءة: 23 دقائق

يواصل إنتاج النفط والغاز في سوريا تقدمه تدريجياً، مع استعادة تشغيل عدد من الحقول والآبار، وتنشيط أعمال الحفر والتأهيل، ما أسهم في رفع كميات الإنتاج خلال الأشهر الماضية، بالتوازي مع جهود إعادة تأهيل البنية التحتية للقطاع وتقليص فجوة الاحتياجات المحلية.

وبحسب بيانات وزارة الطاقة، ارتفع إنتاج النفط الخام إلى نحو 112 ألف برميل يومياً، مقارنة بنحو 7 آلاف برميل عند بداية التحرير، فيما زاد إنتاج الغاز الطبيعي إلى نحو 8.1 ملايين متر مكعب يومياً، مقابل نحو 6 ملايين سابقاً. وجاء هذا التحسن بعد تسلم مجموعة من الحقول الرئيسة في الرقة ودير الزور خلال كانون الثاني 2026، وفي مقدمتها العمر والتنك والثورة والعزبة والجفرة، إلى جانب بدء استجرار النفط الخام من حقول الحسكة في آذار الماضي.

وتشير وزارة الطاقة إلى أن سوريا كانت تنتج في مرحلة سابقة نحو 140 ألف برميل نفط يومياً، مع تفاوت الإنتاج بحسب حالة الآبار، فيما يبلغ عدد الحقول النفطية 78 حقلاً. وأغلقت الوزارة عدداً من الآبار مؤقتاً بهدف إعادة تأهيلها وإعادة تشغيلها، مع مراعاة متطلبات السلامة.

وترافق ذلك مع إعادة تنشيط عمليات الحفر والإنتاج، من خلال تنفيذ 4,840 متراً طولياً من أعمال الحفر باستخدام ثلاث حفارات في ثلاثة مواقع، وإعادة تأهيل حفارتين، وإصلاح 21 بئراً، وتشغيل 152 بئراً، وإدخال 10 آبار جديدة إلى الإنتاج.

وتستهدف الخطط الحكومية مواصلة رفع الإنتاج وصولاً إلى الاكتفاء الذاتي من النفط بحلول عام 2028، وفق ما أعلنه وزير الطاقة محمد البشير خلال جلسة استماع في مجلس الشعب الأحد، فيما قد يحتاج قطاع الغاز إلى نحو 7 سنوات للوصول إلى مستويات إنتاج مرضية، بحسب الوزير.

وتضع هذه الزيادة قطاع الطاقة أمام اختبار اقتصادي يتجاوز ارتفاع الكميات المنتجة، يرتبط بقدرتها على خفض فاتورة الاستيراد، وتوفير احتياجات المصافي والكهرباء، ودعم النشاط الصناعي، وتعزيز إيرادات الدولة، بما يرفع مساهمة القطاع في مسار التعافي الاقتصادي.

وتقدر احتياجات سوريا النفطية بنحو 300 ألف برميل يومياً، منها نحو 150 ألف برميل لتأمين احتياجات المصافي من الخام، ونحو 150 ألف برميل لتغطية احتياجات السوق من المشتقات النفطية، مقابل إنتاج محلي يبلغ حالياً نحو 112 ألف برميل يومياً، ما يترك فجوة تقارب 200 ألف برميل يومياً يجري تأمينها من الخارج، بحسب وزير الطاقة.

ويبلغ عدد السيارات في سوريا حالياً نحو 3.6 ملايين سيارة، مقارنة بنحو 2.5 مليون سابقاً، ما يعكس زيادة كبيرة في الطلب على الوقود. وتبلغ قدرة التكرير المحلية نحو 150 ألف برميل يومياً، فيما تستورد سوريا مشتقات نفطية بمعدل يقارب 150 ألف برميل يومياً.

أما في قطاع الغاز، فيقدر الاحتياج اليومي لتوليد الكهرباء في كامل سوريا بنحو 24 مليون متر مكعب، مقابل إنتاج محلي يبلغ نحو 8.1 ملايين متر مكعب، إلى جانب واردات تبلغ حالياً نحو 6.3 ملايين متر مكعب يومياً.

من زيادة الإنتاج إلى خفض الاستيراد

ويرى خبير النفط والطاقة أحمد عبد الرزاق الضحيك، أن ارتفاع الإنتاج يمثل تحولاً مهماً في معادلة الطاقة السورية، فيما تقاس القيمة الاقتصادية لهذه الزيادة بقدرتها على خفض الاستيراد، وتشغيل المصافي، وتحسين إمدادات الكهرباء والإنتاج، وتعزيز الإيرادات المستدامة للدولة.

ويقول الضحيك لصحيفة «الثورة السورية» إن الأثر الأول والمباشر لارتفاع إنتاج النفط يتمثل في إحلال الإنتاج المحلي محل جزء من الكميات المستوردة، موضحاً أن زيادة الإنتاج من 7 آلاف إلى 112 ألف برميل يومياً تعني إضافة نحو 105 آلاف برميل يومياً، أي ما يزيد على 38 مليون برميل سنوياً.

ويوضح أن تقدير القيمة الاقتصادية لهذه الزيادة، وليس الإيرادات الحكومية المتحققة منها، يضع قيمتها الإجمالية النظرية عند نحو 3.1 إلى 3.8 مليارات دولار سنوياً، بافتراض متوسط سعر يتراوح بين 80 و100 دولار للبرميل، مشدداً على أن هذه القيمة لا تمثل ربحاً صافياً للدولة، إذ تُقتطع منها تكاليف الإنتاج والنقل والصيانة والاستثمار والتكرير.

كما يشير إلى أن إنتاج 112 ألف برميل يومياً، مقارنة باحتياجات تقدر بنحو 300 ألف برميل يومياً من الخام والمشتقات، يغطي نظرياً نحو 37 بالمئة من إجمالي الاحتياجات، فيما تبلغ الفجوة نحو 188 ألف برميل يومياً، وتتطلب مزيجاً من زيادة الإنتاج المحلي، والاستيراد، ورفع كفاءة التكرير.

وبحسب الضحيك، فإن جزءاً من الخام السوري يتسم بثقل نسبته ولا يتوافق بالكامل مع قدرات المصافي الحالية، ما يعني أن زيادة إنتاج الخام لا تتحول بصورة مباشرة إلى كميات مماثلة من البنزين أو المازوت، ويجعل تطوير المصافي بالتوازي مع زيادة الإنتاج في الحقول عاملاً أساسياً لتعظيم القيمة الاقتصادية للخام المحلي.

من جهته، يلفت الخبير الدولي في قطاع النفط والغاز المهندس موفق فتال، إلى أن قراءة المرحلة الحالية تتطلب التمييز بين استعادة إنتاج كان متوقفاً، وزيادة الطاقة الإنتاجية للحقول القائمة، وإضافة إنتاج جديد من خلال عمليات التطوير والاستكشاف.

ويضيف فتال لصحيفة «الثورة السورية» أن الانتقال من 7 آلاف إلى 112 ألف برميل يومياً لا يمثل، بالمفهوم النفطي التقليدي، زيادة جديدة بالكامل في الطاقة الإنتاجية، إذ يرتبط الجزء الأكبر منه بعودة حقول وآبار كانت منتجة سابقاً إلى الإدارة والتشغيل، وإعادة تشغيل آبار متوقفة، وتنفيذ أعمال الإصلاح والتأهيل.

ويؤكد أن استعادة الإنتاج تمثل خطوة مهمة، لكنها تختلف فنياً عن اكتشاف احتياطيات جديدة أو تطوير حقول جديدة وإضافة طاقة إنتاجية مستحدثة، مشيراً إلى أن التحدي التالي يتمثل في الحفاظ على مستوى 112 ألف برميل يومياً ثم زيادته بصورة مستدامة.

كما يرى فتال أن الإنتاج اليومي يمثل مؤشراً متغيراً ولا يعكس بالضرورة الطاقة الإنتاجية المستدامة، موضحاً أن بيانات الوزارة أظهرت وصول الإنتاج إلى مستويات أعلى بعد استلام الحقول، قبل أن يتراجع مع إخراج عدد من الآبار من الخدمة لإعادة تأهيلها. ويفصل ذلك بين الإنتاج الفعلي في لحظة معينة، والطاقة الإنتاجية المتاحة، والطاقة التي يمكن الحفاظ عليها بصورة مستدامة.

الأثر الاقتصادي

ويلفت الضحيك إلى ضرورة التمييز بين ثلاثة مؤشرات عند تقييم الأثر الاقتصادي للإنتاج النفطي: القيمة الإجمالية للإنتاج، والوفر المتحقق من خفض الاستيراد، والعائد الصافي للدولة.

ويوضح أن إنتاج برميل محلي بقيمة سوقية تبلغ 100 دولار لا يعني تحقيق الخزينة عائداً بالقيمة نفسها، إذ تدخل في احتساب العائد تكاليف الاستخراج والطاقة المستخدمة في الإنتاج والصيانة والمعالجة والنقل والتخزين والاستثمارات الرأسمالية، إضافة إلى حصة المستثمر في حال تطوير الحقل بموجب عقد استثماري.

في المقابل، يحقق البرميل المحلي الذي يحل محل المستورد وفراً إضافياً، من خلال خفض تكاليف النقل البحري والتأمين والتمويل، وتقليص مخاطر سلاسل الإمداد والحاجة إلى النقد الأجنبي.

ويرى الضحيك أن تقييم الجدوى الاقتصادية للإنتاج يتطلب نشر مؤشرات تتجاوز حجم الإنتاج، وفي مقدمتها تكلفة إنتاج البرميل محلياً، ونسبة الاسترداد في كل حقل، والتكلفة الرأسمالية اللازمة لزيادة الإنتاج بمقدار ألف برميل يومياً، بما يتيح قياس العائد الاقتصادي للقطاع بصورة أكثر دقة.

تكلفة إعادة التأهيل

وحول تكلفة إعادة تأهيل القطاع، يقول الضحيك إن هذه النفقات ستستهلك جزءاً من العوائد خلال المرحلة الأولى، وهو أمر يرتبط بطبيعة قطاع تعرض لأكثر من عقد من الحرب وتراجع الصيانة والاستثمار.

ويوضح أن احتياجات التأهيل تشمل آباراً متوقفة، وخطوط نقل، ومحطات تجميع ومعالجة، وخزانات ومضخات، إلى جانب أنظمة حقن المياه والكهرباء والتحكم والاتصالات، ما يجعل عملية إعادة التأهيل أوسع من أعمال الصيانة المحدودة.

ويشير إلى أن تقديرات مستقلة تقدر احتياجات إعادة تأهيل القطاع على نطاق واسع بمليارات الدولارات وعلى مدى عدة سنوات، ما يتطلب توجيه الاستثمارات وفق أولويات واضحة، مع التركيز على المشروعات ذات العائد الأسرع.

ويضرب مثالاً على ذلك بإصلاح بئر قائم يمكن أن يعيد مئات أو آلاف البراميل يومياً إلى الإنتاج، بما قد يتيح زيادة الكميات خلال فترة أقصر وبتكلفة أقل مقارنةً بحفر بئر استكشافية جديدة.

ويقترح لذلك برنامجاً استثمارياً على مرحلتين، تبدأ الأولى بإعادة تأهيل الحقول والآبار والبنية التحتية القائمة ورفع معامل الاسترداد، بالتوازي مع الانتقال إلى الاستكشاف وتطوير مكامن جديدة.

ولا يرى الضحيك دقة في تحديد رقم إجمالي للاستثمارات المطلوبة للقطاع السوري قبل إجراء تدقيق فني شامل للاحتياطيات والآبار والمنشآت، موضحاً أن الاحتياجات قد تصل إلى مليارات الدولارات، لكن تقديرها ينبغي أن يبنى على مستوى كل مشروع، استناداً إلى احتياجاته الفنية وجدواه الاقتصادية، وليس على رقم إجمالي غير موثق.

وتتصل أولوية إعادة تأهيل الآبار، بحسب الخبير فتال، بضرورة تقييم إنتاجية كل بئر بصورة مستقلة، إذ إن عدد الآبار العاملة لا يكفي وحده لتحديد الطاقة الإنتاجية الفعلية للحقول.

وفي ضوء إصلاح 21 بئراً وتشغيل 152 بئراً وإدخال 10 آبار جديدة إلى الإنتاج، يوضح فتال أن تقييم أداء الآبار يتطلب دراسة بيانات الإنتاج والضغط ونسب المياه والغاز، وحالة المكمن وسلامة البئر والمعدات، ومعدلات انخفاض الإنتاج، إلى جانب سجل الصيانة والتدخلات السابقة.

ويرى أن بعض الآبار القائمة قد توفر فرصاً لزيادة الإنتاج من خلال إعادة الدخول إليها أو تنفيذ عمليات الحفر الجانبي والمائل والاتجاهي والأفقي للوصول إلى أجزاء من المكمن لم تستغل بالشكل الأمثل، بدلاً من البدء في حفر آبار جديدة في جميع الحالات. ويشدد على أن اختيار التقنية المناسبة يجب أن يستند إلى بيانات المكمن وسلامة البئر والجدوى الاقتصادية لكل حالة.

وتتطلب زيادة الإنتاج، وفق فتال، منظومة سطحية قادرة على استقبال الكميات الإضافية ومعالجتها ونقلها وتخزينها بأمان، بدءاً من رأس البئر وصولاً إلى مرافق المعالجة والنقل. وتفرض الخطوط القديمة مخاطر تتعلق بالتآكل والتسرب، فيما تتطلب الخزانات والمنشآت فحوصاً دورية للسلامة، كما تحتاج محطات التجميع والفصل والضخ والضغط ومعالجة النفط والغاز إلى قدرة استيعابية تتناسب مع الزيادة في الإنتاج، إلى جانب كفاءة أنظمة القياس والتحكم والاتصالات والمراقبة والحماية.

ويشير فتال إلى أن قطاع النفط والغاز يعمل كسلسلة متكاملة تبدأ من المكمن والبئر، مروراً بالمعالجة والنقل والتخزين، وصولاً إلى المصافي ومحطات الغاز، ما يجعل أي اختناق في إحدى حلقاتها مؤثراً في قدرة المنظومة على استيعاب الإنتاج. وتشمل هذه المعادلة أيضاً نوعية الخام وقدرات المصافي، خصوصاً أن جزءاً من الخام المحلي ثقيل ولا يتوافق بالكامل مع مواصفات وقدرات التكرير المتاحة، ما يستدعي تطوير التكرير والنقل والتخزين والمعالجة بالتوازي مع زيادة الإنتاج، لتجنب انتقال الاختناق من الحقول إلى المصافي.

الغاز.. أولوية اقتصادية

وفي ملف الغاز، يرى الضحيك أن زيادة الإنتاج قد تكون أسرع أثراً في الاقتصاد من زيادة إنتاج النفط، نظراً لارتباط الغاز مباشرة بتوليد الكهرباء والنشاط الصناعي.

فإنتاج 8.1 ملايين متر مكعب يومياً يمثل نحو 34 بالمئة من احتياجات توليد الكهرباء المقدرة بـ 24 مليون متر مكعب يومياً.

ويلفت الضحيك إلى أن إضافة مليون متر مكعب من الغاز المحلي يومياً تعني توفير نحو 365 مليون متر مكعب سنوياً، وهي كميات يمكن أن تخفّض الحاجة إلى تأمين الغاز من الخارج. وللتوضيح فقط، وليس كتقدير لسعر العقد السوري، يقدّر أنه في حال تراوحت القيمة الاقتصادية للغاز المستورد بين 8 و12 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، فإن إنتاج هذه الكمية محلياً قد يوفر ما يقارب 100-155 مليون دولار سنوياً من تكلفة الاستيراد، قبل احتساب تكلفة الإنتاج.

وتبلغ قيمة مشتريات الغاز المستورد حالياً نحو 140 مليون دولار شهرياً، بحسب وزير الطاقة، فيما تأتي الكميات المستوردة من أذربيجان ومن سفينة موجودة في ميناء العقبة الأردني.

وتكتسب هذه المعادلة أهمية مع الاتفاق الذي وقعته الشركة السورية للبترول مع «كونوكو فيليبس» و«نوفاتيرا» في حزيران لتطوير حقول الغاز وزيادة إنتاجها، إذ تشير التقديرات المعلنة للمشروع إلى إمكانية إضافة نحو 4-5 ملايين متر مكعب يومياً خلال نحو عام من بدء العمل، بما يمكن أن يسهم في تقليص فجوة الإمدادات المحلية.

ويشير الضحيك إلى أن أثر زيادة إنتاج الغاز يمتد إلى قطاعات أخرى، إذ تتيح الكميات الإضافية زيادة توليد الكهرباء، وتشغيل المصانع لساعات أطول، وتقليل الاعتماد على المولدات والمازوت، وخفض تكاليف الإنتاج والنقل والتبريد والخدمات. ويرى أن المتر المكعب من الغاز قد يخلق قيمة اقتصادية غير مباشرة تتجاوز بكثير قيمة بيعه كوقود.

ومن زاوية فنية، يرى الخبير فتال أن رفع إنتاج الغاز يتطلب تقييم إمكانات الحقول الحالية بصورة دقيقة، بالتوازي مع تطوير البنية التحتية اللازمة لاستيعاب الزيادة. ويشير إلى أن تحديد الكميات القابلة للإضافة يحتاج إلى دراسة الآبار والحقول، والضغوط ومعدلات الانخفاض وحالة الآبار وإمكانات إعادة الإكمال والتحفيز، إلى جانب كفاءة محطات المعالجة والضغط وشبكة النقل.

ويرى فتال أن زيادة الإنتاج يمكن أن تأتي، في بعض الحالات، من إعادة تأهيل الآبار المتوقفة وتحسين الآبار ضعيفة الإنتاج وإعادة الإكمال، إضافة إلى الحفر المائل أو الأفقي حيث تسمح خصائص المكمن، مع أهمية منشآت الضغط في الحقول الغازية القديمة.

وحول الأولويات المقبلة، يؤكد فتال أن القطاع يحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع إعادة تأهيل الآبار والحفر وتحديث البنية التحتية وتوظيف التقنيات الحديثة. وعلى المدى القصير، يضع أولوية للمحافظة على الإنتاج القائم، وإصلاح الآبار القابلة للإصلاح، وتنفيذ أعمال الصيانة والتدخل، وتأمين سلامة الخطوط والمنشآت وإزالة الاختناقات التشغيلية، بالتوازي مع جمع البيانات الفنية وتنقيحها ورقمنتها وإعادة تقييم الحقول والمكامن.

وعلى المدى المتوسط والطويل، يرى ضرورة استئناف أعمال الاستكشاف وتحديث المسوحات الجيوفيزيائية والنماذج المكمنية، واستخدام التقنيات الحديثة لرفع معامل الاستخلاص عندما تكون مناسبة فنياً واقتصادياً.

ويشدد فتال كذلك على أن الكوادر البشرية تمثل عنصراً أساسياً في إعادة بناء القطاع، إذ تحتاج المعدات إلى مهندسين وفنيين ومشغلين قادرين على تشغيلها وصيانتها واتخاذ القرارات المناسبة في الحقل.

ويرى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من سؤال «كم ننتج اليوم؟» إلى ثلاثة أسئلة مترابطة: كم نستطيع أن ننتج بصورة آمنة ومستدامة؟ وكم نستطيع أن نسترد من المكامن الموجودة؟ وما حجم الاستثمار المطلوب للحفاظ على هذا الإنتاج وزيادته خلال خمس أو عشر سنوات؟

وبحسب فتال، فإن زيادة الإنتاج الحالية مؤشر مهم، فيما يرتبط نجاح القطاع بتحويل هذه الزيادة إلى طاقة إنتاجية مستدامة تقوم على بيانات دقيقة، وسلامة المنشآت، وإدارة المكامن بصورة علمية، وتوظيف التكنولوجيا المناسبة، وتأهيل الكوادر الوطنية.

الاحتياطيات النفطية والغازية

وفيما يتعلق بالاحتياطيات النفطية والغازية، يدعو الضحيك إلى التعامل بحذر مع الأرقام المتداولة، موضحاً أن رقم 2.5 مليار برميل كاحتياطي نفطي مؤكد، ورقم الغاز الذي يعادل نحو 8.5 تريليونات قدم مكعبة، يعودان إلى تقديرات وبيانات متداولة منذ سنوات، وتظهر هذه الأرقام أيضاً في بيانات قديمة لإدارة معلومات الطاقة الأميركية.

وفي هذا السياق، أعلن وزير الطاقة إحداث لجنة لدراسة واقع المخزون والاحتياطات وإعداد خريطة جديدة للنفط والغاز، في خطوة تستهدف تحديث قاعدة البيانات المتعلقة بالموارد والإنتاج.

ويرى الضحيك أن هذه التقديرات تحتاج إلى إعادة تقييم جيولوجي ومكمني حديث، بعد سنوات من الإنتاج غير المنتظم وتضرر المنشآت، مؤكداً أن وجود الموارد في باطن الأرض لا يعني تحولها مباشرة إلى قيمة اقتصادية. ويتطلب ذلك مسوحات زلزالية حديثة، ونمذجة للمكامن، وتقنيات متقدمة للحفر والإنتاج والرفع الاصطناعي وحقن المياه والغاز، إلى جانب تمويل كبير وشركات تمتلك التكنولوجيا والخبرة اللازمة.

ويشير الضحيك إلى أن الاستثمار والتكنولوجيا يرتبطان كذلك ببيئة تعاقدية وقانونية مستقرة، وشفافية في الإجراءات، وسرعة في اتخاذ القرار، وآليات واضحة لاسترداد التكاليف وتقاسم العوائد، وضمانات لحماية الاستثمار وتحويل الأموال، فضلاً عن بنية تحتية موثوقة.

وفي هذا السياق، يلفت إلى التحركات الأخيرة لاستقطاب شركات دولية، ومنها الاتفاق الذي وقعته سوريا مع «كونوكو فيليبس» و«نوفاتيرا» لتطوير حقول الغاز، إلى جانب التحركات المرتبطة بالاستكشاف البحري مع شركات دولية، بينها «توتال إنرجيز» الفرنسية و«قطر للطاقة». ويشدد على أن نتائج هذه التحركات تحتاج إلى وقت، خصوصاً في الاستكشاف البحري الذي قد يستغرق سنوات قبل تحديد وجود اكتشاف قابل للتطوير التجاري.

وفي السياق ذاته، يبدي فتال حذراً في تقييم الاحتياطيات المعلنة بنحو 2.5 مليار برميل من النفط و241 مليار متر مكعب من الغاز، موضحاً أن تحديد حجمها القابل للاستخراج يتطلب دراسات جيولوجية وجيوفيزيائية وبيانات دقيقة عن المكامن والآبار والضغوط والإنتاج التاريخي ونتائج الاختبارات والنماذج المكمنية.

ويوضح أن تقييم الاحتياطيات يختلف عن تقدير الكميات الموجودة في المكامن، إذ تتحدد الكميات القابلة للإنتاج فنياً واقتصادياً وفق خصائص الصخور والمسامية والنفاذية والضغط ونوع الموائع وآلية دفع المكمن وحالة الآبار والتقنيات المتاحة وتكاليف الإنتاج والجدوى الاقتصادية.

ويرى فتال أن سنوات الاضطراب والتشغيل غير المنتظم تزيد الحاجة إلى تحديث البيانات، داعياً إلى برنامج وطني لإعادة تقييم الاحتياطيات يستند إلى البيانات القديمة والحديثة، وتحديث النماذج الجيولوجية والمكمنية، للوصول إلى إجابات دقيقة عن ثلاثة أسئلة أساسية: ماذا نملك؟ وكم يمكن إنتاجه؟ وما تكلفة إنتاجه ومدة استدامته؟

من الإنتاج إلى القيمة المضافة

ويرى الضحيك أن تحويل قطاع النفط والغاز إلى رافعة مستدامة للتعافي الاقتصادي يتطلب ستة شروط مترابطة، يبدأ أولها بزيادة الإنتاج بأقل تكلفة ممكنة، من خلال إعطاء الأولوية للحقول والآبار التي يمكن استعادة إنتاجها خلال فترة قصيرة.

ويتمثل الشرط الثاني في تطوير قدرات التكرير بالتوازي مع زيادة الاستخراج، بما يتيح تحويل الخام المحلي إلى مشتقات ذات قيمة اقتصادية أعلى. وفي هذا السياق، يشير إلى أن مصفاة بانياس خضعت لعمرة واسعة بسبب حاجتها الماسة إلى الصيانة والحفاظ على سلامة العاملين، مع استهداف زيادة طاقتها بنحو 50 ألف برميل يومياً، لتصل إلى نحو 130 ألف برميل يومياً بعد اكتمال الأعمال.

وتبلغ قدرة التكرير المحلية حالياً نحو 150 ألف برميل يومياً، فيما تحافظ الوزارة على تشغيل مصفاة حمص رغم حالتها الفنية المتدهورة، إلى حين إحداث مصافٍ جديدة، وفق وزير الطاقة.

أما الشرط الثالث، فيتمثل في منح الغاز أولوية استثمارية، نظراً لارتباط زيادة إنتاجه مباشرة بإمدادات الكهرباء والنشاط الصناعي. ويستهلك القطاع الصناعي نحو 40 بالمئة من إجمالي استهلاك الكهرباء في سوريا، ما يجعل استمرارية التغذية الكهربائية للمنشآت عاملاً مؤثراً في الاستثمار والإنتاج.

ويأتي جذب رأس المال الخارجي رابعاً، مع اعتماد عقود متوازنة تحفظ ملكية الموارد وتحقق عائداً مناسباً لسوريا، وتوفر في الوقت نفسه حوافز اقتصادية للشركات المستثمرة للمشاركة في تطوير القطاع وتحمل جزء من تكاليف إعادة البناء.

ويتمثل الشرط الخامس في إدارة القطاع وفق أسس تجارية ومؤسسية، عبر تعزيز استقلال القرار الفني والاستثماري عن الإجراءات البيروقراطية، ونشر بيانات دورية وشفافة حول الإنتاج والتكاليف والاستثمارات والاحتياطيات. وتواجه الوزارة في هذا الجانب تحديات تشمل غياب قواعد البيانات وتأمين النفط الخام وقطع التبديل، وما يرتبط بذلك من حاجة إلى القطع الأجنبي.

أما الشرط السادس، فيتعلق بتوسيع دور سوريا في منظومة الطاقة الإقليمية، من خلال تطوير بنيتها التحتية لتكون ممراً لنقل النفط والغاز، إلى جانب تلبية احتياجات السوق المحلية. ويشير الضحيك إلى أن إعادة إحياء الربط النفطي مع العراق والوصول إلى بانياس يمكن أن يوفر إيرادات إضافية من رسوم النقل والتخزين والخدمات، ويدعم أمن الإمدادات المحلية في الوقت نفسه.

وفي هذا الإطار، أعلنت وزارة الطاقة طلب عروض أسعار لاستكمال الخط العربي القادم من الأردن، بتكلفة تقارب ربع مليار دولار، على حساب الشركة السورية للبترول، فيما تتجه الوزارة إلى التعاقد مع دول صديقة منتجة للنفط خلال المرحلة الانتقالية إلى حين تحقيق الاكتفاء الذاتي.

وفي خلاصة قراءته، يرى الضحيك أن تقييم نجاح قطاع الطاقة يحتاج إلى النظر في القيمة الاقتصادية التي يضيفها الإنتاج إلى الاقتصاد السوري، إلى جانب حجم الإنتاج نفسه. ويشير إلى أن سوريا تمتلك قاعدة إنتاجية يمكن البناء عليها، إذ كانت تنتج قبل عام 2011 نحو 380 ألف برميل من النفط يومياً ونحو 25 مليون متر مكعب من الغاز، وكان قطاع النفط يوفر ما يقدر بنحو 20-25 بالمئة من إيرادات الدولة آنذاك.

وتبلغ فاتورة شراء النفط الخام والمشتقات النفطية حالياً نحو 831 مليون دولار شهرياً، وفق وزير الطاقة، ما يوضح حجم الوفر المحتمل من زيادة الإنتاج المحلي وتقليص الاعتماد على الاستيراد.

ويبلغ استهلاك السوق نحو 12 مليون ليتر من المازوت و8 ملايين ليتر من البنزين يومياً، فيما يصل متوسط استهلاك الفيول إلى نحو 8500 طن يومياً لمحطات التوليد والصناعة، ويبلغ استهلاك الغاز المنزلي نحو 1300 طن يومياً، وهو منفصل عن الغاز المستخدم في توليد الكهرباء.

ويخلص الضحيك إلى أن تجاوز الإنتاج الحالي مستوى 100 ألف برميل يومياً يمثل مرحلة مهمة في مسار استعادة قطاع فقد جزءاً كبيراً من قدرته خلال خمسة عشر عاماً، فيما يتطلب الهدف الاستراتيجي بناء قطاع أكثر كفاءة وشفافية وتكاملاً مع الكهرباء والصناعة والتكرير والنقل.

ويشدد الضحيك على أن أعلى قيمة اقتصادية للبرميل تتحقق عندما يسهم في توفير النقد الأجنبي، وتشغيل المصافي، وتوليد الكهرباء، وتحريك المصانع والمزارع، وتعزيز القيمة المضافة داخل الاقتصاد السوري قبل تصدير أي فائض.

وعد ديب

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار