بين أجنحة الشركات وقاعات اللقاءات الاقتصادية في مدينة المعارض، تعكس المشاركة العربية في الدورة الثالثة والستين من معرض دمشق الدولي تنامي الاهتمام بالسوق السورية، وسط توجه نحو استكشاف فرص التعاون والشراكة والدخول في قطاعات تحتاج إلى استثمارات وخبرات وتقنيات جديدة.
وتبرز أهمية هذا الحضور فيما يتيحه من انتقال تدريجي من التعارف واستكشاف السوق إلى بناء علاقات اقتصادية أكثر استدامة، لا سيما مع اتساع الاحتياجات في مجالات الطاقة والبنية التحتية والصناعة والزراعة والنقل والخدمات. ويرتبط تحويل هذا الاهتمام إلى استثمارات ومشروعات بوضوح الفرص الاستثمارية وجاهزية المشروعات، إلى جانب توافر البيئة التشريعية والضمانات اللازمة للمستثمرين.
وتتواصل فعاليات الدورة 63 من معرض دمشق الدولي، التي انطلقت الأربعاء الماضي تحت شعار «سوريا تشرق من جديد»، حتى الرابع من أيلول المقبل، بمشاركة نحو 1000 جهة من 60 دولة، في حضور يعكس اتساع مساحة التواصل الاقتصادي والتجاري، ويفتح المجال أمام الشركات السورية للتعريف بمنتجاتها وبحث فرص النفاذ إلى أسواق جديدة.
ووفق بيانات المؤسسة السورية للمعارض والأسواق الدولية، تضم قائمة الدول المشاركة أو الممثلة الصين وتركيا والسعودية والإمارات وليبيا والأردن ومصر والعراق والجزائر وإيطاليا ولبنان وفلسطين وجنوب أفريقيا والهند وإندونيسيا وباكستان وسريلانكا وتايلاند وفيتنام وكمبوديا والسودان، إضافة إلى تمثيل جماعي لنحو 25 دولة عبر غرفة وسط أوروبا.
مؤشرات ثقة
في أجنحة الشركات العربية المشاركة، تظهر نماذج بدأت خطوات عملية في السوق السورية، وأخرى تبحث عن شراكات وفرص جديدة، فيما تتجه شركات إلى دراسة احتياجات قطاعات محددة يمكن أن تشكل قاعدة لمشروعات واستثمارات خلال المرحلة المقبلة.
وترى المتخصصة في النقد والمال الدكتورة مادلين حاج خليل، في حديثها لصحيفة «الثورة السورية» أن المشاركة العربية في الدورة الحالية تمثل تحولاً نوعياً نحو مشاركة اقتصادية أكثر تنظيماً وفاعلية، وتعكس إدراكاً متزايداً لمكانة سوريا كسوق استهلاكية وإنتاجية، وموقعها المحتمل بوصفها حلقة مهمة في الربط الاقتصادي وسلاسل الإمداد الإقليمية.
وفي السياق ذاته، يؤكد الخبير الاقتصادي رضوان الدبس أن التفريق بين حجم المشاركة وقيمة نتائجها الاستثمارية أمر ضروري، معتبراً أن الحضور الواسع يمثل مؤشراً أولياً على الثقة.
ويقول الدبس لصحيفة «الثورة السورية»: إن أهمية المشاركة الحالية ترتبط أيضاً بطبيعة الجهات الحاضرة، لا سيما مؤسسات التمويل والتصدير ومجالس الأعمال إلى جانب الشركات، بما يعكس اهتماماً ببحث فرص التعاون والدخول إلى السوق السورية.
وتقدم تجربة بعض الشركات المشاركة نموذجاً عملياً لهذا التوجه، إذ يوضح الرئيس التنفيذي لشركة «أبسل» السعودية لحلول الطاقة أحمد أوطه باشي أن مشاركة الشركة جاءت بدعم وتشجيع من هيئة تنمية الصادرات السعودية، بهدف نقل الخبرات والتجارب والتقنيات الحديثة إلى السوق السورية، ولا سيما في مجالات المعدات والحلول الكهربائية والطاقة.
وبحسب أوطه باشي، بدأت الشركة حضورها في السوق السورية عقب المنتدى الاستثماري السعودي السوري، وباشرت أعمالها وافتتحت فرعاً لها في سوريا لتقديم خدمات وحلول في قطاع الطاقة وفق معايير جودة ومواصفات عالمية، بالتوازي مع مشاركتها في معرض دمشق الدولي.
مسار الاستثمار
بين الاهتمام بالسوق واتخاذ قرار الاستثمار، تتدرج خطوات الشركات من التعرف على الفرص إلى اختبار السوق وبناء العلاقات التجارية، وصولاً إلى إقامة الشراكات وتنفيذ المشروعات. ويحدد الدبس هذا المسار بدءاً من عرض المنتج والبحث عن وكيل، مروراً بعقود التوريد، وصولاً إلى الاستثمار والإنتاج داخل سوريا.
وبحسب الدبس، تكمن أهمية المرحلة المقبلة في توسيع نطاق العلاقة الاقتصادية، بحيث تتجه الشركات العربية من تصدير المنتجات إلى السوق السورية نحو إقامة استثمارات وشراكات إنتاجية داخلها، بما يعزز القيمة المضافة المحلية ويدعم النشاط الاقتصادي.
وتقدم تجربة «أبسل» السعودية مثالاً على هذا المسار، إذ يشير أوطه باشي إلى أن السوق السورية تشهد مرحلة جديدة من الانفتاح على الاستثمارات العربية والدولية، مع فرص واسعة في التجارة والصناعة والاستثمار، ولا سيما في ظل الحاجة إلى تطوير البنية التحتية وتأهيل المنشآت وتحديث التجهيزات والمعدات.
ويؤكد أن السوق السورية توفر فرصاً للشركات السعودية الراغبة في إقامة استثمارات وشراكات جديدة، مع أهمية الاستفادة من الكفاءات والخبرات والقوى العاملة المحلية بما يدعم مسار التنمية وإعادة الإعمار.
ومن زاوية أخرى، ترى حاج خليل أن المعرض يوفر مساحة للتعارف المباشر وفتح قنوات التعاون، فيما يرتبط الانتقال من اللقاءات الأولية إلى الشركات والمشروعات المشتركة بوجود بيئة أعمال واضحة تمنح المستثمر الثقة اللازمة لاتخاذ قرارات طويلة الأمد.
وتضع في مقدمة متطلبات هذه البيئة تبسيط الإجراءات الإدارية، وتوفير تشريعات مستقرة وشفافة، وضمان حماية رأس المال، ووضوح آليات حركة الأموال وتحويل الأرباح، إلى جانب تقديم حوافز استثمارية عملية.
فرص الطاقة
تبرز الطاقة والكهرباء بين القطاعات التي تحظى باهتمام الشركات العربية، في ظل احتياجات متزايدة إلى تطوير البنية التحتية وتحديث التجهيزات ورفع كفاءة منظومة الطاقة.
وفي هذا الإطار، يوضح المدير المالي في شركة «هندسة الاختبارات المحدودة» السعودية سعد إبراهيم اليابس، أن العلاقات الاقتصادية بين سوريا والسعودية تشهد آفاقاً جديدة للتعاون، معتبراً أن الروابط الاجتماعية والثقافية بين الشعبين تشكل أرضية داعمة لبناء شراكات اقتصادية واستثمارية مستدامة.
ويشير اليابس إلى أن الشركة تعمل في مجال هندسة واختبارات وحلول الطاقة، وتقدم تقنيات تسهم في تعزيز استمرارية التغذية الكهربائية والحد من حالات الانقطاع ودعم استقرار الشبكات، مبيناً تطلعها إلى التعاون مع الجهات والمؤسسات والشركات السورية المتخصصة في قطاع الطاقة، وبحث إمكانية الاستفادة من خبراتها وتقنياتها في دعم وتطوير منظومة الكهرباء في سوريا.
وتعكس هذه المشاركة جانباً من توجه الشركات العربية نحو قطاعات ترتبط باحتياجات السوق السورية، لا سيما المجالات التي تتطلب حلولاً تقنية وخبرات متخصصة واستثمارات طويلة الأجل، بما يوسع نطاق فرص التعاون التي يتيحها المعرض.
قطاعات واعدة
تتفق رؤية الخبيرين على تنوع القطاعات التي يمكن أن تستقطب الاستثمارات العربية في السوق السورية، وفي مقدمتها الطاقة والكهرباء والطاقة المتجددة، والبنية التحتية وإعادة الإعمار، والصناعة ومواد البناء.
كما تبرز الزراعة والصناعات الغذائية، إلى جانب النقل واللوجستيات، مستفيدة من الموقع الجغرافي لسوريا وإمكانات استعادة دورها في الربط بين الأسواق الإقليمية.
وتضيف حاج خليل إلى هذه القطاعات الصناعات الدوائية والنسيجية، باعتبارها مجالات تستند إلى الكفاءات الوطنية والموارد المحلية، ويمكن أن تسهم في بناء سلاسل إمداد عربية أكثر تكاملاً.
وفي مقابل اتساع قائمة القطاعات، يرى الدبس أن استقطاب الاستثمار يتطلب الانتقال من عرض الاحتياجات العامة إلى تقديم مشروعات استثمارية جاهزة ومحددة، إذ يبحث المستثمر عن معلومات دقيقة حول حجم المشروع ورأس المال المطلوب والعائد المتوقع ومدة الاستثمار والضمانات والحوافز والإطار القانوني، إلى جانب تحديد احتياجات السوق وفرص التوسع والتصدير.
وتقدم المشاركة الأردنية نموذجاً على هذا التوجه القائم على دراسة الفرص قبل الدخول إلى السوق، إذ يوضح ممثل «الشركة الإقليمية» الأردنية محمد عويدات، أن مشاركته الأولى في المعرض جاءت بعد دراسات ميدانية أظهرت جدوى الوجود في السوق السورية، داعياً الشركات الصناعية الأردنية إلى الاستفادة من الفرص المتاحة، لا سيما في قطاعات التعبئة والتغليف والصناعات التنافسية.
ومن الجانب الليبي، يبرز توجه آخر يقوم على بناء شراكات طويلة الأمد، إذ يقول مدير إدارة الشؤون الإدارية والمالية في «الشركة الرقمية للتسويق والوسائط المتعددة» الليبية رضوان محمد الغالي، إن الشركة تتطلع إلى بناء شراكات استراتيجية مع نظيراتها السورية وتبادل الخبرات في مجالات الإعلام والدعاية، معتبراً أن السوق السورية توفر فرصاً للاستثمارات الليبية، وفق «سانا».
استثمار عربي وإنتاج محلي
مع اتساع قائمة القطاعات والفرص المطروحة، يتجه النقاش إلى طبيعة الاستثمار المطلوب وأثره في الاقتصاد السوري، بحيث يتجاوز دخول المنتجات العربية إلى السوق نحو إقامة أنشطة إنتاجية وشراكات تضيف قيمة محلية.
ويطرح الخبيران في هذا السياق رؤية تقوم على معادلة: استثمار عربي + إنتاج سوري + قيمة مضافة محلية + تصدير إلى الأسواق العربية.
ويرى الدبس أن هذا النموذج يمكن أن يحقق أثراً اقتصادياً أوسع من النشاط التجاري التقليدي، من خلال توطين الإنتاج والاستفادة من الموارد والكفاءات المحلية، وربط الاستثمارات الجديدة بفرص التصدير إلى الأسواق العربية.
وتنسجم هذه الرؤية مع طرح حاج خليل، التي ترى أن سوريا تمتلك مقومات التحول من سوق استهلاكية إلى بيئة إنتاجية شريكة، يمكن من خلالها تطوير منتجات ومشروعات مشتركة تستهدف الأسواق الإقليمية.
وتكتسب هذه المعادلة أهمية من قدرتها على ربط الاستثمار بنقل التكنولوجيا والخبرات، وتشغيل اليد العاملة، والاستفادة من الموارد المحلية، وتعزيز القدرة التصديرية، بما يدعم بناء سلاسل إنتاج وتوريد أكثر تكاملاً.
وتقدم تصريحات الشركات المشاركة نماذج على أشكال التعاون التي يمكن أن تتطور في هذا الاتجاه؛ إذ يتحدث أوطه باشي عن نقل الخبرات والمعايير الفنية المعتمدة في المملكة إلى السوق السورية، بما يمكن أن يسهم في تطوير المنتجات والخدمات ودعم القطاعين الصناعي والتجاري، فيما يتطلع اليابس إلى شراكات مع المؤسسات والشركات السورية المتخصصة في الطاقة، ويبحث الغالي عن شراكات استراتيجية في الإعلام والدعاية، بينما يستند عويدات إلى دراسة ميدانية لجدوى دخول السوق السورية.
بوابة التصدير
يمتد أثر المشاركة العربية، وفق رؤية الخبيرين، إلى الجانب التجاري، عبر تعزيز فرص التبادل التجاري وفتح قنوات جديدة أمام المنتجات السورية للوصول إلى الأسواق العربية والإقليمية.
فحضور الشركات العربية يتيح للمنتجين السوريين الاطلاع على متطلبات الأسواق ومعايير الجودة وشبكات التوزيع، وبناء علاقات مباشرة مع شركاء محتملين، بما يساعد على تطوير المنتجات وتهيئتها للتوسع خارج السوق المحلية.
وتشير حاج خليل إلى أهمية تطوير أدوات التغليف والتسويق والاندماج في شبكات التوزيع الكبرى، بالتوازي مع توحيد المعايير القياسية وتسهيل إجراءات النقل والشحن، بما يعزز قدرة المنتجات السورية على المنافسة والوصول إلى الأسواق الخارجية.
أما الدبس، فيرى أن العلاقة التجارية يمكن أن تسير في اتجاهين متكاملين، من خلال تأمين التكنولوجيا والآلات والمواد الأولية التي تحتاجها مرحلة التعافي من جهة، وفتح الأسواق العربية أمام المنتجات السورية الزراعية والغذائية والنسيجية والدوائية والصناعية من جهة أخرى.
ما بعد المعرض
رغم أهمية حجم المشاركة، يرى الخبيران أن المرحلة التالية لانتهاء فعاليات المعرض ستكون حاسمة في تحديد مدى تطور الاهتمام الحالي إلى علاقات اقتصادية واستثمارية أكثر استدامة.
ويعتبر الدبس أن أحد أهم أدوار المعرض في هذه المرحلة يتمثل في إعادة بناء الثقة الاقتصادية، عبر اللقاء المباشر بين المستثمرين والحكومة والقطاع الخاص والمصارف والجهات التنظيمية، مؤكداً أن ترسيخ الثقة يحتاج إلى إجراءات وآليات عملية إلى جانب التصريحات.
وتؤكد حاج خليل أن الحفاظ على زخم التعاون يتطلب آليات مؤسسية لمتابعة الاتفاقات ومذكرات التفاهم، وتذليل العقبات التي قد تواجه المستثمرين، بما يساعد على انتقال نتائج اللقاءات من مرحلة التفاهم الأولي إلى خطوات قابلة للتنفيذ.
وبينما تعكس المشاركة الواسعة اهتماماً متزايداً بالسوق السورية، تقدم تصريحات المشاركين نماذج متعددة لهذا الاهتمام؛ فشركات بدأت حضورها في السوق، وأخرى تبحث عن شراكات جديدة، فيما تستكشف شركات فرصاً مرتبطة بالتقنيات والأسواق والإنتاج.
وعليه، يرتبط الأثر الاقتصادي للدورة الثالثة والستين من معرض دمشق الدولي بما ستنتجه اللقاءات والشراكات بعد انتهاء فعالياتها، ومدى تحولها إلى عقود قابلة للتنفيذ واستثمارات ومشروعات إنتاجية جديدة.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تقديم فرص استثمارية واضحة ومشروعات محددة، إلى جانب ضمانات وتشريعات وحوافز تساعد المستثمر على تقييم الفرصة واتخاذ قرار الاستثمار، بما يجعل المعرض نقطة انطلاق لعلاقات اقتصادية قابلة للاستمرار.
إخلاص علي
المصدر: الثورة السورية
