نماذج جديدة لتسويق العقارات في السعودية .. فرص بأسعار تتناقص كل ثانية

زمن القراءة: 7 دقائق

لم تعد لوحة للبيع القماشية المعلقة على سور الأرض كافية لجذب مشتر يدير محفظته الاستثمارية من هاتفه، ولا حتى مجرد عرض العقار على موقع إلكتروني أو نشر إعلان في منصة عقارية، في سوق تتجاوز قيمة صفقاتها السنوية مئات المليارات، ويشهد دخول مطورين عالميين وإطلاق مشاريع ضخمة على الخارطة.

مع تسارع التحول الرقمي، بدأت المكاتب العقارية والمطورون والشركات التسويقية في السعودية تبني نماذج جديدة تتجاوز الإعلان التقليدي إلى بيع التجربة والبيانات والثقة الرقمية، مستفيدة من التطبيقات والمنصات الذكية والذكاء الاصطناعي لتقصير رحلة العميل وتحويل البحث عن العقار إلى تجربة شراء أكثر تفاعلا.

من بين النماذج اللافتة، برزت آليات تسويقية تقوم على طرح العقار بسعر أولي يجري تقييمه وفق مستوى الطلب، ثم يبدأ السعر في التناقص كل ثانية لفترة زمنية محددة تصل في بعض النماذج إلى 8 ساعات، في محاولة لخلق حالة من الترقب والمنافسة ودفع المشترين إلى اقتناص الفرصة قبل أن يصل السعر إلى مشتر آخر، بحسب مختصين تحدثوا لـ”الاقتصادية”.

من الإعلان إلى تجربة الشراء

هذا التحول يعكس تغيرا أوسع في سلوك المشتري العقاري، الذي لم يعد يريد الانتظار حتى يتواصل معه موظف المبيعات للحصول على معلومات أساسية عن الوحدة أو المشروع. فالمشتري الرقمي يريد أن يرى العقار، ويقارن الأسعار والمساحات والمواقع، ويعرف خيارات التمويل، ويحجز الوحدة، وربما يبدأ إجراءات الشراء، من المكان نفسه وعبر شاشة هاتفه.

بحسب تقديرات متداولة في السوق، تصل نسبة بدء رحلة شراء العقار في السعودية عبر الجوال إلى قرابة 70%، ما يعكس أهمية التحول من مجرد التسويق الرقمي للعقار إلى بناء رحلة شراء رقمية متكاملة.

السعر المتناقص .. تسويق أم اكتشاف للقيمة ؟

يقول الرئيس التنفيذي لمنصة “ذكي العقارية” رضا المطرفي، إن فكرة البيع بطريقة العد التنازلي، بحيث تتناقص قيمة العقار كل ثانية، تعد جذابة، لكن السؤال الأهم يتعلق بالسعر الذي تبدأ منه العملية.

يضيف “إذا كان السعر الابتدائي مبالغا فيه، ثم بدأ ينخفض تدريجيا حتى يصل إلى السعر الطبيعي للعقار، فهل يكون ما حدث اكتشافا حقيقيا لسعر السوق، أم مجرد رحلة هبوط من سعر غير واقعي إلى سعر واقعي؟”.

يرى أن قوة هذا النموذج لا تكمن بالضرورة في العد التنازلي نفسه، بقدر ما تكمن في كيفية تحديد سعر البداية، ومن يثبت أن هذا السعر عادل ومنطقي قبل أن تبدأ الثواني بالانقضاء.

يطرح تساؤلا أوسع حول مستقبل هذا النموذج: «هل سيغيّر هذا النموذج طريقة بيع العقار فعلاً، أم أنه سيغيّر فقط طريقة وصول العقار إلى سعره الحقيقي؟».

وهنا تبرز قضية جوهرية في أي نموذج تسعير ديناميكي، وهي قدرة السوق على التمييز بين الخصم الحقيقي وبين سعر ابتدائي جرى تضخيمه لإضفاء جاذبية أكبر على الانخفاض المتتابع.

المنصات الذكية تعيد رسم رحلة المشتري

من جهته يؤكد الرئيس التنفيذي لشركة “منصات العقارية” خالد المبيض، أن من أبرز التحولات التي يشهدها تسويق المشاريع العقارية في السعودية اليوم الانتقال من الإعلان التقليدي إلى التسويق والبيع عبر التطبيقات والمنصات الذكية، بحيث أصبحت التقنية جزءاً من رحلة شراء العقار، وليست مجرد وسيلة للإعلان عنه.

يقول إن هناك عدة أفكار بدأت تأخذ مساحة أكبر في السوق، من أبرزها المنصات العقارية التفاعلية التي تتيح للعميل مشاهدة المشروع والوحدات المتاحة والأسعار والمساحات ومقارنتها مباشرة، بدلاً من انتظار التواصل مع موظف المبيعات.

كما تتوسع الجولات الافتراضية ثلاثية الأبعاد التي تمكن العميل من دخول الوحدة والتجول فيها افتراضياً، خصوصاً في مشاريع البيع على الخارطة، وهو ما يمنح المشتري تصوراً أكثر وضوحاً عن الوحدة قبل اتخاذ قرار الشراء.

الذكاء الاصطناعي .. من عرض الخيارات إلى اختيار الأنسب

لا يتوقف التحول عند عرض العقار رقمياً، إذ بدأ الذكاء الاصطناعي يدخل في تحليل احتياجات العميل واقتراح الوحدات المناسبة له وفق ميزانيته وموقعه والمساحة التي يبحث عنها، بدلاً من إغراقه بعشرات الخيارات غير الملائمة.

يشير المبيض إلى أن المساعد العقاري الذكي يمثل أحد النماذج الجديدة، إذ يستطيع التواصل مع العميل على مدار الساعة، والإجابة عن استفساراته، وترشيح الوحدة المناسبة، وترتيب موعد مع فريق المبيعات.

هذا التحول ينقل دور التقنية من كونها قناة لجذب العميل إلى أداة لاتخاذ القرار، بحيث تصبح البيانات المتوافرة عن العميل مدخلاً لتصفية الخيارات وتقديم توصيات أكثر دقة.

خريطة ذكية بدلاً من عنوان المشروع

من الابتكارات التسويقية الجديدة أيضاً الخرائط الذكية، التي لا تكتفي بعرض موقع المشروع على الخريطة، وإنما تقدم صورة أوسع عن البيئة المحيطة به، بما في ذلك المدارس والخدمات والطرق ومدة الوصول إلى مواقع العمل والمرافق القريبة.

بذلك يتحول موقع العقار من مجرد نقطة جغرافية إلى حزمة من المعلومات المرتبطة بنمط حياة المشتري، وهو ما قد يساعده على اتخاذ قرار أكثر وعياً، خصوصاً في المشاريع السكنية التي يرتبط قرار شرائها بمكان العمل والمدارس والخدمات اليومية.

من البحث إلى الحجز والدفع

يبرز كذلك التوسع في منصات الحجز والشراء الإلكتروني، التي تختصر رحلة العميل من البحث عن الوحدة إلى اختيارها وحجزها ودفع العربون واستكمال جزء من الإجراءات إلكترونياً.

وكلما اتسعت هذه الخدمات، تراجعت الحاجة إلى الانتقال بين أكثر من قناة خلال رحلة الشراء، لتتحول المنصة العقارية تدريجياً إلى نقطة تجمع البحث والمقارنة والتقييم والحجز والتواصل وإتمام الإجراءات.

المنافسة المقبلة على «التجربة الرقمية»

يرى المبيض أن المرحلة المقبلة ستشهد تطوراً أكبر، بحيث يستطيع العميل الدخول إلى منصة واحدة، وتحديد ميزانيته واحتياجاته، ثم يتولى الذكاء الاصطناعي مقارنة المشاريع والوحدات وخيارات التمويل واقتراح الأنسب له.

قد تمتد هذه الرحلة إلى حجز العقار وإتمام جزء كبير من الصفقة دون الحاجة إلى زيارة مكتب المبيعات، ويختتم المبيض بالقول إن المنافسة المستقبلية بين المطورين لن تكون فقط في جودة العقار وموقعه وسعره، بل أيضا في من يقدم للعميل التجربة الرقمية الأسرع والأسهل والأكثر ذكاء.

سوق عقارية تتغير قواعدها

تشير هذه النماذج إلى أن المنافسة في السوق العقارية السعودية تتجه تدريجياً من المنافسة على العقار وحده إلى المنافسة على طريقة تقديمه وبيعه. فالعقار الذي كان يحتاج في السابق إلى إعلان، واتصال، وزيارة، ومفاوضات طويلة، أصبح قابلاً لأن يتحول إلى تجربة رقمية تبدأ من الهاتف وقد تنتهي بالحجز إلكترونياً.

لكن نجاح هذه النماذج سيظل مرتبطاً بعنصر أساسي: الثقة. فكلما زادت سرعة البيع والتسعير الآلي واستخدام الذكاء الاصطناعي، ازدادت الحاجة إلى شفافية البيانات، ووضوح آلية التسعير، ومصداقية المعلومات، وحماية حقوق المشتري.

بين سعر يتناقص كل ثانية، وخريطة تحدد زمن الوصول، وخوارزمية تقترح الوحدة المناسبة، يبدو أن سوق العقار السعودية يتجه إلى مرحلة جديدة يصبح فيها الزمن والبيانات والتقنية جزءاً من عملية البيع نفسها، لا مجرد أدوات مساندة لها.

صالح آل طلحاب

المصدر: الاقتصادية

آخر الأخبار