في حوار بين فاي تشاوجون المبرمج الصيني ورئيسه في العمل سأله الرئيس عما إذا كان من الممكن أن يحل الذكاء الاصطناعي محل البشر قريباً في وظائف البرمجة، وبعد أسبوعين من هذا الحوار تم تسريح تشاوجون ورئيسه وحوالي 160 زميلاً يعملون في مجال البرمجة.
هذا السيناريو يتكرر بشكل متزايد، حيث يعيد الذكاء الاصطناعي، المدعوم بسياسات حكومية، تشكيل سوق العمل الضخمة في الصين، وهو ما يرى بعض خبراء الاقتصاد أنه قد يضعف في نهاية المطاف القوة الإجمالية لثاني أكبر اقتصاد في العالم.
يؤدي تبني الذكاء الاصطناعي في العديد من المجالات بصورة متسارعة، من برمجة الكمبيوتر إلى كتابة النصوص والقيام بالأعمال البدنية، إلى فقدان الناس لوظائفهم أو يثير مخاوفهم من احتمال حدوث ذلك، وفقاً لوكالة “أسوشيتد برس”.
وتتصدر الصين دول العالم من حيث وتيرة تبني الذكاء الاصطناعي، حيث تشجع السياسات الحكومية الأفراد والشركات على استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي والروبوتات في جميع جوانب الحياة، لذا فإن أشخاصاً مثل فاي يحاولون إيجاد طرق للتكيف مع هذا الواقع الجديد.
في الوقت نفسه يبدو أن المشاعر المعادية للذكاء الاصطناعي في الصين أقل بكثير منها في دول أخرى، ويبدو أن معظم الناس إما إيجابيون أو محايدون أو مهتمون بشكل طفيف بالذكاء الاصطناعي، كما قالت شوجينج هي، كبيرة المحللين في شركة بلينوم للاستشارات والأبحاث الموجود مقرها في بكين.
أماكن العمل التقليدية
وتقول شوجينج: “غالباً ما يكون الأفراد الذين يخشون استبدال الذكاء الاصطناعي بهم، وكذلك أولئك الذين تركوا بالفعل أماكن العمل التقليدية، حريصين على تجربة العمل في الشركات والمشاريع المستقلة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي. إن مستوى الاهتمام بالذكاء الاصطناعي لافت للنظر”.
وحتى وقت قريب كان فاي يشك في قدرة الذكاء الاصطناعي على أداء وظيفة البرمجة بصورة مثالية، في حين كان رئيسه يرى أنه يقترب من تحقيق هذه القدرة.
يقول فاي “40 عاماً”: “يمكن استبدال المبرمجين متوسطي المستوى في أغلب الحالات.. لكن حتى لو كان تبني الذكاء الاصطناعي كارثة ستؤدي إلى استبداله بكل البشر، في هذه المرحلة، عليك استخدامه كما يفعل الجميع”.
ويقضي فاي وقته الآن في إنتاج فيديوهات قصيرة على غرار المدونات المصورة، بينما يفكر في خطوته التالية، ولا يعتمد فاي على فيديوهاته كمصدر رزق، فهي تتناول حياة الناس العاديين، لكنه يأمل أن تفيد الآخرين.
ويعمل المترجم دو تشين تشون، بدوام جزئي، في تدريب نموذج ذكاء اصطناعي على الترجمة، وهذه الوظيفة ضمنت له المزيد من العمل، ولو مؤقتاً.
انخفاض الأجور
ويقول دو، المقيم في مدينة تشنجدو جنوب غرب الصين: “لكن الأجور في قطاع الترجمة انخفضت بأكثر من النصف مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات”، وانعكس هذا الاتجاه الجديد بالفعل على فقدان برامج دراسة اللغات الأجنبية الجامعية الشهيرة شعبيتها تدريجياً مع انتشار أدوات الترجمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
ووفقاً لشركة أبحاث السوق “آي دي سي”، ارتفعت نسبة الشركات الصناعية الصينية التي تستخدم نماذج ووكلاء الذكاء الاصطناعي إلى 47.5% في العام الماضي، مقابل 9.6% في العام السابق.
ويقول يانزي دو، مدير أبحاث أول في “آي دي سي” ببكين: “النظام البيئي الصيني النابض بالحياة لنماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر يعزز ابتكار تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاعات الصناعية، مما يقلص الفجوة تدريجياً بين قدرات النماذج الأساسية والقيمة المضافة الفعلية للشركات”.
وتستطيع الروبوتات الشبيهة بالبشر الآن، على سبيل المثال، فرز الطرود في مراكز البريد، وإن كان على نطاق محدود، كما أنها تتوسع في أداء مهام بشرية أكثر تعقيداً، مثل تنظيم حركة المرور وإعداد القهوة، كما ينتشر استخدام روبوتات توصيل الطعام بصورة متزايدة في الصين، مما قد يُهدد سبل عيش ملايين العاملين في هذا القطاع في الصين.
صناعة الدراما الصينية
كما يتم استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي بشكل متزايد في تأليف وإنتاج وتوزيع المسلسلات القصيرة في صناعة الدراما الصينية، ووفقاً لتقارير إعلامية صينية، انخفض عدد المسلسلات القصيرة العمودية المصممة للهواتف المحمولة المعتمدة على العنصر البشري في إعدادها وإنتاجها بنحو 75% في الربع الأول من العام الحالي، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وفي إطار مبادرة “الذكاء الاصطناعي بلس” وخطتها الخمسية المستمرة حتى عام 2030، تسعى الحكومة الصينية لدمج الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، بهدف تعزيز مكانة في المنافسة التكنولوجية مع الولايات المتحدة.
وتقول زيلان تشيان، الباحثة في مختبر سياسات الصين بجامعة أكسفورد: “ما يميز الصين هو حرص الحكومة على نشر الذكاء الاصطناعي في جميع قطاعات الاقتصاد، ما قد يتيح له دخول مجالات مختلفة بوتيرة أسرع مقارنة بالدول الأخرى”.
النمو الاقتصادي في الصين
لكن وتيرة النمو الاقتصادي في الصين بدأت تتباطأ بالفعل، وتراجع الإنفاق الاستهلاكي جزئياً بسبب عزوف الناس عن الإنفاق خشية فقدان وظائفهم، وقد فاقم هذا الوضع من المشاكل الناجمة عن الركود الطويل في سوق الإسكان، والذي أدى إلى تراجع ثروات الأسر.
ويقول إسوار براساد، أستاذ الاقتصاد وسياسات التجارة في جامعة كورنيل، إن قطاعات التكنولوجيا الصينية قد تكون مبتكرة وذات إنتاجية عالية، لكنها قد لا توفر فرص عمل جديدة كثيرة.
وأضاف: “من المرجح أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى رفع الإنتاجية في جميع المجالات، ولكنه قد يكون له تأثير مدمر على التوظيف، مما يؤدي إلى تفاقم مشكلة ضعف نمو التوظيف وما ينتج عنه من آثار ضارة على الاستقرار الاجتماعي”.
وكان وانج تشيتشنج، “32 عاماً”، يستخدم الذكاء الاصطناعي بكثرة في جلسات العصف الذهني وتدقيق الحقائق في وظيفته السابقة ككاتب سيناريو في شركة إنتاج فيديوهات تعليمية ثلاثية الأبعاد ورسوماً متحركة تفاعلية للأطفال.
تسريح العمالة
وبعد أن سرحت الشركة الأم ما يقارب نصف كتاب السيناريو لديها البالغ عددهم 13 كاتباً، قرر الاستقالة والعمل بشكل مستقل، لإنتاج كتب مصورة للأطفال.
يقول وانج إنه على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي كان يوفر الوقت أحياناً إلا أن السيناريوهات التي ينتجها، كانت تبدو غريبة في كثير من الأحيان، مشيراً إلى أن الحلقات كانت تميل إلى التكرار والنمطية، مع تفاوت كبير في مستوى التفاصيل المعلوماتية بين الحلقات.
ويضيف وانج، الذي أسس استوديو خاصاً به لإنتاج كتب مصورة وأعمال إبداعية أخرى: “يمكنك التعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة مثل برنامج مايكروسوفت وورد، لكن يبقى الإنسان هو صاحب القرار في اختيار ما يناسبه من بين كل ما ينتجه الذكاء الاصطناعي”.
أما يانج تشنج، مدرس الكيمياء في المرحلة الثانوية، فلا يعتبر الذكاء الاصطناعي تهديداً لوظيفته، على الرغم من أن الطلاب يستخدمونه للمساعدة في واجباتهم المدرسية.
ويقول يانج “29 عاماً”: “لا يستطيع المعلمون التواجد طوال الوقت مع الطلاب.. إن نماذج الذكاء الاصطناعي شيء جيد للطلاب لأنها تنتج المعلومات بصورة آنية حتى يتمكن الطلاب من طرح الأسئلة بصورة متتابعة.. غالباً ما تخطئ النماذج لكنها تتحسن بمرور الوقت”.
المصدر: العربية نت
