جيل زد أمام اختبار الوظيفة الأولى

زمن القراءة: 6 دقائق

في وقتٍ تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية حول العالم، يواجه جيل الشباب تحدياً متزايداً في العثور على فرص عمل مستقرة.

فبينما يدخل أبناء جيل Z سوق العمل بطموحات كبيرة ورغبة في بناء مستقبل مهني واعد، يصطدم كثير منهم بواقع اقتصادي معقد يتسم ببطء التوظيف وارتفاع المنافسة وتغير طبيعة الوظائف.

ويبدو أن الطريق نحو الوظيفة الأولى لم يعد سهلاً كما كان في الماضي، بل أصبح اختباراً حقيقياً لقدرة الشباب على التكيف والابتكار.

تتضاعف التحديات أمام بعض الفئات من الشباب، مثل من لا يحملون مؤهلات تعليمية بعد المرحلة الثانوية، أو الأشخاص من ذوي الإعاقة، أو الوافدين الجدد إلى البلاد.

فهؤلاء يجدون أنفسهم في منافسة مع واحدة من أكثر الأجيال تعليماً في العالم، ما يجعل فرص الحصول على وظيفة أكثر صعوبة.

وتتداخل عدة عوامل اقتصادية في تعقيد المشهد أمام الشباب اليوم، أبرزها استمرار التضخم العالمي، وتصاعد التوترات التجارية الدولية، وتشبع بعض قطاعات سوق العمل، إضافة إلى التحولات الهيكلية التي تقودها الأتمتة والذكاء الاصطناعي.

كما أن كثيراً من الشباب لا يملكون الاستقرار المالي الكافي أو شبكات الدعم التي تمكنهم من الانتقال إلى مدن أو مناطق أخرى بحثاً عن فرص عمل أفضل.

أهمية الوظيفة الأولى

لطالما لعبت الوظائف الأولى دوراً أساسياً في مساعدة الشباب على دخول سوق العمل واكتساب الخبرة العملية.

فهي تمثل مرحلة انتقالية يتعرف خلالها الموظفون الجدد إلى قواعد العمل المهنية وأساليبه ومتطلباته اليومية.

وغالباً ما تشكل الوظائف في قطاعات مثل تجارة التجزئة والضيافة وخدمة العملاء نقطة البداية لكثير من الشباب.

فهذه الوظائف تساعدهم على بناء الثقة بالنفس، واكتساب مهارات قابلة للنقل بين القطاعات المختلفة، إضافة إلى توسيع شبكة علاقاتهم المهنية.

لكن في حال غياب هذه الفرص، قد يجد العديد من الشباب أنفسهم متأخرين في مسارهم المهني حتى قبل أن يبدأ فعلياً.

وتحذر تقارير اقتصادية من أن استمرار ارتفاع البطالة بين الشباب قد يترك آثاراً طويلة الأمد على الاقتصاد.

فقد أشار تقرير صادر عام 2024 عن شركة الاستشارات العالمية ” ديلويت” إلى أن كندا قد تخسر ما يصل إلى 18.5 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي خلال العقد المقبل إذا استمرت معدلات بطالة الشباب عند مستوياتها المرتفعة.

ولا تقتصر تداعيات بطالة الشباب على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية أوسع.

إذ يمكن أن تؤدي البطالة المرتفعة بين الشباب إلى تراجع الثقة الاجتماعية وإضعاف التماسك المجتمعي، فضلاً عن التأثير في الاستقرار الاقتصادي والسياسي على المدى الطويل.

وعلى المستوى الفردي، قد يؤدي نقص فرص العمل أو الاكتفاء بوظائف أقل من المؤهلات إلى آثار نفسية وصحية سلبية، كما يؤخر تحقيق العديد من المحطات الحياتية المهمة مثل الاستقلال المالي، وامتلاك منزل، وتأسيس أسرة.

ماذا يمكن أن يفعل جيل  “زد”؟

رغم هذه التحديات، يمتلك جيل “زد” عدداً من المزايا التي يمكن أن تساعده على التكيف مع سوق العمل الجديد.

فهؤلاء الشباب نشأوا في بيئة رقمية، ما يمنحهم مهارات تقنية متقدمة وقدرة أكبر على التعامل مع الأدوات الرقمية والمنصات الحديثة.

ويؤكد خبراء التوظيف أن مفتاح النجاح يكمن في التحلي بالمرونة والانفتاح على مسارات مهنية غير تقليدية، إلى جانب الاستفادة من الفرص الجديدة التي يوفرها الاقتصاد الرقمي.

وفي هذا السياق، يمكن للشباب اتباع أربع استراتيجيات عملية تساعدهم على تعزيز فرصهم المهنية:

أولاً: التفكير خارج المسارات التقليدية

لم تعد الوظيفة التقليدية الطريق الوحيد لدخول سوق العمل.

فالمشاركة في برامج التدريب العملي أو العمل المؤقت أو المشاريع الجانبية يمكن أن توفر خبرات قيّمة.

كما يمكن للمشاريع الشخصية مثل تصميم المواقع أو العمل الحر عبر الإنترنت أن تشكل نقطة انطلاق حقيقية لبناء المسار المهني.

ثانياً: تطوير المهارات الأساسية المطلوبة

يشير تقرير «مستقبل الوظائف» الصادر عن  “المنتدى الاقتصادي العالمي”  إلى أن مهارات مثل التفكير التحليلي والمرونة والإبداع والقيادة والوعي الذاتي ستكون من بين الأكثر طلباً في سوق العمل مستقبلاً.

ويمكن تنمية هذه المهارات من خلال العمل التطوعي أو المشاركة في الأنشطة المجتمعية أو المشاريع الفردية.

ثالثاً: الاستثمار في المهارات المستقبلية

مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي والأتمتة في مختلف القطاعات، تزداد أهمية المعرفة التقنية.

ويمكن للشهادات القصيرة المتخصصة أو برامج التدريب العملي أن تساعد الشباب على اكتساب مهارات جديدة تتماشى مع متطلبات الوظائف المستقبلية.

رابعاً: بناء شبكة علاقات مهنية قوية

تلعب العلاقات المهنية دوراً مهماً في الوصول إلى الفرص الوظيفية.

فالتواصل مع الزملاء والمرشدين المهنيين وأفراد المجتمع يمكن أن يفتح أبواباً غير متوقعة.

كما أن المشاركة في الأنشطة التطوعية أو مجموعات الاهتمام المشتركة تساعد الشباب على تطوير مهاراتهم وتعزيز ثقتهم بأنفسهم.

جيل جديد في سوق عمل متغير

ورغم أن هذه الخطوات لا تحل جميع التحديات الهيكلية التي يواجهها سوق العمل، فإنها قد تساعد الشباب على إيجاد موطئ قدم في اقتصاد سريع التغير.

كما أن مواجهة بطالة الشباب تتطلب تعاوناً بين الحكومات والشركات والمؤسسات التعليمية ومؤسسات المجتمع المدني لتطوير سياسات وبرامج مبتكرة تقلل من الحواجز التي تعيق دخول الشباب إلى سوق العمل.

وفي ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي يشهدها العالم اليوم، يدخل جيل “زد” سوق العمل في مرحلة مليئة بالتحديات، لكنها أيضاً مليئة بالفرص.

فبفضل الوصول غير المسبوق إلى المعرفة والمنصات الرقمية والمجتمعات الداعمة، يمتلك هؤلاء الشباب الأدوات التي تمكنهم من إعادة رسم مساراتهم المهنية.

ومع التخطيط الواعي والاستثمار في المهارات المناسبة، يمكن لجيل “زد” أن يحول هذه التحديات إلى فرص حقيقية لبناء مستقبل مهني يعكس طموحاته وقيمه.

المصدر: ذا كونفيرزيشن

آخر الأخبار