«المناخ» يتغير على شركات التكنولوجيا الأمريكية

زمن القراءة: 5 دقائق
طوال معظم هذا القرن، مُنحت شركات التكنولوجيا في الولايات المتحدة، في الغالب، حريةً واسعة لفعل ما تشاء. وقد استفادت هذه الشركات إلى أقصى حد من هذه الحرية، فبنت بعضاً من أكبر الشركات وأكثرها ربحية في التاريخ، وأحدثت تحولاً في عالمنا، إلى الأفضل وإلى الأسوأ.

وإدارة ترامب، على وجه الخصوص، تخلت إلى حد كبير عن التنظيم الفيدرالي، وتركت السوق يعمل بلا قيود تذكر. لكن من الواضح بصورة متزايدة الآن أن الرأي العام والمحاكم الأمريكية والكونجرس ينقلبون على شركات التكنولوجيا الكبرى. فموجة الغضب ضد قطاع التكنولوجيا حقيقية بالفعل.

ولعل التغيير الأكثر وضوحاً هو أن الرأي العام أصبح يشعر بالخوف من التكنولوجيا التي تقف وراء الصعود الاستثنائي لسوق الأسهم الأمريكية.

ووفقاً لأحدث استطلاع أجراه مركز «بيو» للأبحاث، يقول 40% من البالغين الأمريكيين إن الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير سلبي في المجتمع خلال السنوات العشرين المقبلة، في حين لا يتوقع سوى 16% منهم أن يكون تأثيره إيجابياً.

وكما كتب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، في مقال حديث عن الذكاء الاصطناعي، فإنه إذا ظل قادة القطاع يحذرون من أن التكنولوجيا ستؤدي إلى أتمتة الوظائف والقضاء عليها، بل وقد تهدد البشرية، فليس من المستغرب أن يشعر الناس بالقلق.

وقد أدى هذا القلق إلى مقاومة شعبية لبناء مراكز البيانات العملاقة اللازمة لتشغيل الذكاء الاصطناعي. وحتى تكساس، التي كانت تغازل شركات التكنولوجيا الكبرى، جمدت الموافقات على مشاريع مراكز البيانات إلى حين إجراء مراجعة هذه المشاريع.

كما شجع الضغط الشعبي السياسيين على الدفع باتجاه سن قوانين مرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الولايات الأمريكية الخمسين، إذ تم تمرير 146 قانوناً في هذا المجال خلال عام 2025. وتتراوح هذه التشريعات على نطاق واسع بين سلامة الأطفال والخصوصية والتزييف العميق، وصولاً إلى تحيز الخوارزميات.
وبدفع من شركات التكنولوجيا الكبرى، حاولت إدارة ترامب فرض وقف لمدة 10 سنوات على التشريعات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي على مستوى الولايات، لمنع ظهور خليط غير متناسق من القواعد التنظيمية.

لكن الكونجرس رفض هذه الخطوة في توافق نادر للحزبين على موقف واحد. بل إن الكونجرس يمضي الآن في سن تشريعات فيدرالية خاصة به تتعلق بالذكاء الاصطناعي، كان أحدثها بشأن التسعير القائم على مراقبة سلوك المستهلكين، رغم أن البيت الأبيض قد يعرقل مثل هذه المبادرات.

كما تتخذ المحاكم الأمريكية نهجاً أكثر تشدداً. وكانت الجهات التنظيمية الأمريكية قد حاولت في السابق رفع دعاوى تتعلق بمكافحة الاحتكار ضد شركات التكنولوجيا الكبرى، وإن لم تحقق نجاحاً يذكر.

وحتى عندما توصلت إحدى المحاكم في عام 2024 إلى أن «جوجل» تدير «احتكاراً غير قانوني»، امتنعت المحكمة عن فرض أي إجراءات عقابية حقيقية بحقها.

لكن خلال الأسبوع الجاري، بدأت مرافعات محاكمة تاريخية، أمام محكمة فيدرالية في أوكلاند بولاية كاليفورنيا، تقاضي فيها نحو 29 ولاية أمريكية شركة «ميتا»، متهمة إياها بتصميم خصائص في منصتي «فيسبوك» و«إنستغرام» تجعل استخدامهما إدماناً، ما أضر بالصحة النفسية للأطفال وانتهك خصوصيتهم. وتنفي «ميتا» جميع الاتهامات.
وقد أشار حُكمان صدرا أخيراً بالفعل إلى تغير في المناخ القانوني. ففي وقت سابق من الشهر، فرضت محكمة في نيو مكسيكو غرامة إجمالية قدرها 942 مليون دولار على «ميتا»، وأمرتها بتحسين ممارسات السلامة لديها لحماية الأطفال. ويتوقع محامون موجة من الدعاوى القضائية المماثلة في ولايات أخرى، حتى مع استئناف «ميتا» الحكم.
وفي كاليفورنيا، قضى قاضٍ أيضاً بأن الخوارزميات القائمة على زيادة تفاعل المستخدمين لا تحظى بالحماية بموجب حقوق حرية التعبير المنصوص عليها في التعديل الأول للدستور الأمريكي، وهو عكس ما تدعيه شركات التكنولوجيا.

وإذا تم تأييد هذا الحكم، فإنه سيتيح إنفاذ تشريعات الولايات التي تهدف إلى حماية الأطفال من إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، ما سيكون له تداعيات كبيرة على طريقة تشغيل جميع شبكات التواصل الاجتماعي.

وبدلاً من خوض معارك قضائية دفاعية للحفاظ على الوضع القائم، سيكون من الأفضل لشركات التكنولوجيا أن تستجيب للمناخ السياسي والقانوني الذي يتغير.

وعليها أن تضاعف جهودها لتقديم خدمات أكثر أماناً وتحافظ على الخصوصية، وأن تثبت أنها تخدم المصلحة العامة إلى جانب تلبية احتياجات المستهلكين. ولمصلحتهم هم أيضاً، ينبغي للمساهمين في شركات التكنولوجيا، الذين ظلوا لفترة طويلة يقللون من شأن المخاوف التنظيمية، أن يحثوا هذه الشركات على القيام بذلك.

المصدر: فايننشال تايمز

آخر الأخبار