رغم انتقال مليارات الجنيهات من الاستثمارات الحكومية إلى المدن الجديدة خلال العقود الماضية، لا يزال معظم المصريين يفضلون البقاء بالقرب من مراكز العمل التقليدية في القاهرة والدلتا، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة التوسع العمراني وحده على إعادة رسم الخريطة السكانية للبلاد.
الصورة التي رسمتها الحكومة عبر استراتيجية “الجمهورية الجديدة” لا تزال تواجه تحدي في التنفيذ البشري للبرنامج، فعلى الرغم من مضاعفة مساحة المعمور من مصر، إلا أن انتقال المشترين وأصحاب الوحدات إلى سكنهم الجديد كان أبطأ بكثير من خطط الحكومة.
فبحسب دراسة للمركز المصري للدراسات الاقتصادية فإن مصر واحدة من أكثر دول العالم التي تعاني من التركز السكاني جغرافيا؛ إذ يتركز 95% من السكان في منطقة وادي النيل والدلتا والتي تشكل أقل من 4% من إجمالي مساحتها البالغة مليون كيلومتر مربع، مما أدى إلى زيادة الضغوط على المراكز الحضرية، وأسهم في زيادة الازدحام، وارتفاع الطلب على الإسكان، والضغط على البنية التحتية والخدمات العامة، فضلاً عن محدودية فرص التوسع العمراني في المستقبل.
خطة الحكومات المصرية المتعاقبة منذ 5 عقود في حل المشكلة الديموغرافية في مضاعفة المساحة المأهولة من “أرض المحروسة” عبر إنشاء مجتمعات عمرانية جديدة في المناطق الصحراوية، والتي أسفرت بالفعل عن نمو ملحوظ إلا أنه لم يكافئ الزيادة المضطردة في التعداد السكاني بحسب الدراسة.
إنشاء 49 مدينة جديدة
وأسفرت خطة الدولة المصرية عن إنشاء 49 مدينة جديدة على مساحة تزيد عن 2.2 مليون فدان، بطاقة استيعابية تتجاوز 27 مليون نسمة.
رغم الجهود والاستثمارات التريليونية للدولة على مدى عقود، لا تزال العديد من المدن الجديدة، وفقا للبيانات المتاحة، تستوعب نسبة محدودة من عدد السكان المستهدف وفقاً للطاقة الاستيعابية المخططة.
قسمت الدراسة التوسعات العمرانية إلى قسمين رئيسيين؛ الأول مدن الجيل الرابع الحديثة التي لم يتح لها الوقت الكافي لجذب السكان، والثاني للمدن الأقدم مثل أكتوبر والعبور ومايو والعاشر.
مدن الجيل الرابع، من بينها العاصمة الإدارية الجديدة، وأكتوبر الجديدة، والعبور الجديدة، والعلمين الجديدة، وسوهاج الجديدة، وأسوان الجديدة حقق أقل من 1% فقط من المستهدفات السكانية المخططة لها.
ولكن الأغرب أن مدن قديمة بينها مدينة السادات، والقاهرة الجديدة، والعبور، والشروق، و15 أيار– بعيدة هي الأخرى عن تحقيق طاقتها الاستيعابية السكانية المستهدفة، فرغم أن هذه المدن سجلت معدلات إشغال أعلى من المدن الأحدث، إلا أن معظمها لم يحقق سوى معدلات إشغال تتراوح بين 5-20% من عدد السكان المستهدف، وذلك رغم مرور عدة عقود على إنشائها وإتاحة الوقت الكافي لنموها واستقرارها.
لماذا فشلت المدن الجديدة في جذب السكان
تثير الدراسة سؤالاً أكبر: لماذا فشلت عشرات المدن الجديدة في جذب السكان رغم استثمارات هائلة؟ وهل تكمن المشكلة في الوظائف، أم في أسعار السكن، أم في طبيعة الاقتصاد المصري ذاته الذي لا يزال يتمحور حول القاهرة؟
المفارقة أن بعض مدن الجيل الوسط، مثل دمياط الجديدة وبني سويف الجديدة، حقق أداء أفضل من العديد من المدن حديثة الإنشاء، إلا أنها لا تزال بعيدة بشكل ملحوظ عن تحقيق مستهدفاتها السكانية.
الدراسة كشفت عن تأثير محدود للزمن كمتغير في معادلة زيادة الكثافة السكانية في المدن الجديدة، ما يشير إلى أن الفجوة بين عدد السكان المستهدف والفعلي تخضع لمتغيرات أخرى أغلبها هيكلية بحسب الدراسة.
التحليل الأولي للبيانات قدم تفسيرات تبدو منطقية للفجوة بين عدد السكان المستهدف والفعلي عبر الربط بين التوزيع الجغرافي لفرص العمل؛ فطبقا للتحليل ربع السنوي الذي يجريه المركز المصري للدراسات الاقتصادية لسوق العمل ويرصد الوظائف المعلنة عبر الإنترنت في المحافظات، فإن فرص العمل لا تزال تتركز بدرجة كبيرة في القاهرة الكبرى وعدد محدود من المراكز الحضرية الكبرى، فيما تشير معظم الدراسات الدولية حول السكن إلى معادلة تجمع بين الوظائف والسكن الميسور والمواصلات، وليست الوظائف فقط.
وأشارت الدراسة إلى تسجيل محافظة القاهرة أكبر عدد من الوظائف الشاغرة المُعلن عنها خلال فترة الدراسة، في حين ظل الطلب على العمالة محدوداً نسبياً في المحافظات التي تضم عدداً من المدن الجديدة – ومنها المنيا، وأسيوط، وسوهاج، وقنا، وأسوان، وبني سويف، سجلت محافظة القاهرة وحدها في الربع الأول من 2026 نحو 15 ألف وظيفة شاغرة معلن عنها، مقارنة بإجمالي لا يتجاوز نحو 240 وظيفة في المحافظات الست مجتمعة، أي أن عدد فرص العمل المعلنة في القاهرة وحدها يزيد عنه في تلك المحافظات بأكثر من ستين ضعفا.
لكن لم يشر المركز المصري للدراسات الاقتصادية إلى حجم العينة ونصيب “الإعلانات الداخلية” في أماكن العمل من هذه الفرصة. كما اعتمدت الدراسة على آخر بيانات رسمية متاحة، لكنها أهملت التغيرات اللاحقة لتشغيل مشروعات النقل الجديدة.
فيما أغفلت الدراسة الأثر الاقتصادي لموجة البناء الضخمة على العمالة والدخول المحلية، وإن كان من غير الواضح إلى أي مدى يمكن لهذا الأثر أن يتحول إلى محرك دائم للاستيطان السكاني.
ولم توضح الدراسة ما المقصود بالقاهرة، إذ يختلف تعريفها في إعلانات الوظائف بين القاهرة العاصمة، أو القاهرة الكبرى والتي تضم محافظتي الجيزة والقليوبية، فضلاً عن أن القاهرة الكبرى بضواحيها تمددت بالفعل بنحو الضعف خلال العقدين الماضيين، ليمثل عدد قاطنيها نحو خُمس المصريين.
التحدي الأبرز كان في تجربة العاصمة الإدارية الجديدة؛ فعلى الرغم من أن نقل المؤسسات الحكومية وعدد من الشركات الخاصة إلى المدينة أسهم في زيادة حركة التنقل اليومية إليها، إلا أنه لم يصاحبه ارتفاع مماثل في أعداد المقيمين إقامة دائمة، إذ لا يزال العديد من العاملين يتنقلون يومياً من القاهرة والمحافظات المجاورة بدلاً من نقل محل إقامتهم مع أسرهم، وهو ما يشير إلى أن نقل أماكن العمل وحده لا يكفي لتحقيق انتقال السكان إلى المدن الجديدة.
ماذا تكشف هذه النتائج؟
يتضح مما سبق أن مصر حققت تقدماً ملحوظاً في توسيع الرقعة العمرانية من خلال إنشاء المدن الجديدة، إلا أن التوسع العمراني وحده لم يكن كافيا لتحقيق الهدف الرئيسي والمتمثل في إعادة توزيع السكان.
كما قدمت الدراسة دليلاً عملياً على أن التنمية العمرانية والتنمية الاقتصادية لا يتقدمان بنفس الوتيرة، ففي حين وُجهت استثمارات كبيرة إلى الإسكان والبنية التحتية، ظل نمو فرص العمل محدوداً بدرجة ملحوظة، ونتيجة لذلك، واجهت العديد من المدن الجديدة صعوبة في جذب سكان للإقامة الدائمة، رغم حجم الاستثمارات العامة التي ضُخت فيها، بحسب الدراسة.
ورجحت الدراسة أن يكون لعوامل أخرى يد في قرار الانتقال والإقامة الدائمة مثل، توافر مدارس جيدة، وخدمات الرعاية الصحية، والمرافق التجارية، ووسائل النقل العام الكفؤة، والإسكان الميسر.
وأوصت الدراسة بتوجيه سياسات التنمية العمرانية مستقبلاً اعتماداً على البيانات التاريخية للمدن الجديدة، فبدلاً من التركيز فقط على زيادة عدد المدن الجديدة، ينبغي أن يولي التخطيط المستقبلي اهتماما أكبر لفهم العوامل التي قوضت قدرة المدن القائمة على جذب السكان، ومن شأن الاستفادة من هذه الخبرات أن تسهم في تعزيز كفاءة واستدامة مشروعات التنمية العمرانية المستقبلية.
