تأهيل الطرق الرئيسية في سوريا.. استراتيجية للربط بين الداخل والخارج

زمن القراءة: 11 دقائق

برز ملف الشبكة الطرقية في سوريا كواحد من أهم الملفات الاستراتيجية والحيوية بعد سقوط نظام الأسد، نظرا لما يمثله من شرط أساسي لإعادة ربط البلاد بدول الجوار من جهة، وربط المدن والمحافظات السورية ببعضها من جهة ثانية، بعد سنوات طويلة من تقطيع الأوصال والدمار وتعطل الحركة الاقتصادية، وما رافق ذلك من تراجع كبير في كفاءة الطرق والجسور والسكك الحديدية.
ولا يتعلق هذا الملف بإصلاح بنية خدمية، ولكن بمسار أوسع لإعادة بناء دور سوريا الجغرافي والاقتصادي كممر بري مهم بين الخليج وتركيا وأوروبا، وبين العراق والبحر المتوسط، في مرحلة باتت فيها الممرات الآمنة وسلاسل التوريد البديلة جزءا أساسيا من حسابات الاقتصاد والسياسة والطاقة في المنطقة والعالم.
وتعرضت الطرق السورية، ولا سيما الدولية منها، لأضرار واسعة خلال الحرب التي شنها نظام الأسد على السوريين، كما أن أجزاء كبيرة منها لم تكن، حتى قبل الحرب، مطابقة للمعايير الفنية الحديثة المعتمدة في دول أخرى، نتيجة ضعف التخطيط ومنظومات الفساد التي تحكمت على مدى عقود بعمليات البناء وشق الطرق وتنفيذ المشاريع العامة.
ومع تزايد حركة النقل داخليا ومع دول الجوار خلال الأشهر الأخيرة، ظهرت الحاجة الملحة إلى إعادة تأهيل الطرق الدولية، خصوصا الطريق الممتد من نصيب على الحدود مع الأردن إلى دمشق، والمعروف بأوتوستراد درعا-دمشق، والذي يشكل أحد أهم الشرايين البرية في سوريا، نظرا لدوره في ربط السعودية ودول الخليج العربي بتركيا وأوروبا عبر الأراضي السورية.
إطلاق سبعة إعلانات استدراج
وخلال المرحلة الماضية، زادت أهمية إعادة تأهيل الطرق الدولية الممتدة من تركيا إلى الأردن، والطرق التي تصل العراق بسوريا، بالتوازي مع طرح أفكار ومشاريع تتصل بالتجارة الخارجية ونقل النفط والطاقة، ولا سيما بعد التجربة السلبية التي شهدها العالم نتيجة إغلاق مضيق هرمز خلال الحرب الأخيرة، وما خلّفه ذلك من أثر واسع على أسعار النفط وسلاسل التوريد العالمية.
ودفعت تلك التطورات دول المنطقة والعالم إلى التفكير ببدائل برية أكثر سرعة وأمانا من الممرات البحرية التقليدية، ما أعاد طرح سوريا كأحد أهم الخيارات في النقل البري، سواء عبر الطرق أو السكك الحديدية، إلى جانب مد أنابيب نفط جديدة باتجاه الموانئ السورية على البحر المتوسط.
وفي هذا السياق، أعلن وزير النقل يعرب بدر، الثلاثاء الفائت، خلال مؤتمر صحفي في فندق “داماروز”، إجراءات وشروط المناقصات الخاصة بالمشاريع الطرقية في سوريا، مؤكدا إطلاق سبعة إعلانات استدراج عروض داخلية وخارجية لتنفيذ مشاريع استراتيجية لتأهيل شبكة الطرق الدولية في البلاد.
وأوضح بدر أن المشاريع تتضمن إعادة تأهيل طريق نصيب-دمشق “أوتوستراد درعا الدولي”، وطريق دمشق-حمص، وطريق حمص-حلب، مع وصلة سراقب-إدلب، بما يشكل محور “إم 5” الواصل بين الحدود التركية والأردنية، وهو المحور الذي يعد العمود الفقري للحركة البرية السورية، وأحد أهم خطوط التجارة والترانزيت في المشرق.
كما شملت الإعلانات مشروعين لإنشاء فرع ثان لطريق دمشق-تدمر، وطريق تدمر-دير الزور، بهدف تحويلهما إلى طريقين مزدوجين، إضافة إلى طرح إعلانين منفصلين لشركات استشارية دولية للإشراف على تنفيذ مشاريع إعادة التأهيل وإنشاء الفرع الثاني، بما يعكس توجها حكوميا نحو رفع جودة التنفيذ والرقابة الفنية، والاستفادة من الخبرات الخارجية في المشاريع الكبرى.
ولفت الوزير بدر إلى أن هذه المشاريع تهدف إلى الإسراع في تأهيل شبكة الطرق الدولية وربط مختلف المناطق السورية، كما تسعى إلى نقل الخبرات الهندسية إلى كوادر المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية والجهات السورية المعنية بتنفيذ الطرق. وأكد أن استدراج العروض الخارجية يهدف إلى ضمان أعلى المواصفات الفنية، والاستفادة من الخبرات العالمية في التنفيذ والإشراف.
وكانت وكالة الأنباء السورية “سانا” نقلت نهاية حزيران الماضي عن الوزير بدر أن وزارة النقل باشرت تنفيذ خطة شاملة لإعادة تأهيل الطرق المركزية في سوريا، بما يتوافق مع أحدث المعايير والتجهيزات المعتمدة عالميا، ضمن جهود تطوير البنية التحتية لقطاع النقل. كما أكد أن الوزارة تعمل على استقطاب عروض من شركات أجنبية للمشاركة في مشاريع إعادة التأهيل، بهدف تنفيذها وفق أعلى المواصفات الفنية.
وأشار الوزير حينها إلى أن الخطة تشمل إعادة تأهيل محور “إم 5″، إلى جانب إنشاء طريق عام جديد يربط دمشق بمحافظة دير الزور، بهدف تعزيز الربط بين المناطق الشمالية الشرقية والعاصمة، واستكمال شبكة الطرق في المنطقة الشرقية. كما تشمل المشاريع تأهيل أوتوستراد نصيب-دمشق، ودمشق-حمص، وحمص-حلب، ووصلة سراقب-إدلب، فضلا عن إنشاء فرع ثان لطريق دمشق-تدمر-دير الزور.
ممرات ترانزيت
وتحظى مناطق الشمال الشرقي بأولوية خاصة في هذه الخطة، نظرا لأهميتها الاقتصادية والجغرافية في المرحلة المقبلة، إذ تهدف المشاريع إلى رفع كفاءة شبكة الطرق، وتعزيز السلامة المرورية، ودعم النشاط الاقتصادي، ضمن خطة وطنية شاملة لتحديث قطاع النقل البري.
ولطالما شكلت سوريا، بحكم موقعها الجغرافي، ممرا بريا حيويا للنقل في المنطقة، ولا سيما في عبور البضائع من أوروبا إلى الخليج العربي وبالعكس. غير أن الحرب أدت إلى تراجع هذا الدور، وفرضت تحديات كبيرة، أبرزها الأضرار التي لحقت بالجسور والسكك الحديدية والطرق، إضافة إلى تعطل عدد من المعابر وانخفاض قدرة البنية التحتية على استيعاب حركة النقل المتزايدة.
وفي نهاية أيار الماضي، أكد وزير النقل يعرب بدر أن الحكومة تعمل بالتعاون مع البنك الدولي على توفير دعم فني وتمويلي لتأهيل خطوط السكك الحديدية في سوريا، بقيمة تقديرية تتراوح بين 65 و200 مليون دولار، على شكل منح لا قروض، مع تركيز الأولوية على إعادة تفعيل السكك الحديدية كممر ترانزيت يربط تركيا بسوريا والأردن والعراق.
وفي الثاني من حزيران الفائت، أعلنت وزارتا النقل والمالية إطلاق خطة عاجلة لإعادة تأهيل الجسور والطرق الحيوية في سوريا، بهدف تحسين شبكة النقل وتسريع حركة التنقل بين المحافظات، وذلك عقب اجتماع ضم وزير النقل يعرب بدر ووزير المالية محمد يسر برنية، بحضور مدير المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية معاذ نجار.
وحول السكك الحديدية، أشار بدر إلى أن المؤسسة العامة للسكك الحديدية تواجه تحديات كبيرة نتيجة خروج أكثر من نصف شبكة السكك عن الخدمة، داعيا القطاع الخاص إلى الإسهام في إعادة تأهيل وتشغيل خطوط الشبكة، بما يدعم حركة النقل والتنمية الاقتصادية، ويعيد لهذا القطاع دوره في تخفيف الضغط عن الطرق، وتوفير كلفة نقل أقل للبضائع والركاب.
منافذ حدودية جديدة
ويتكامل هذا المسار مع توجه الحكومة لتطوير المنافذ الحدودية، ولا سيما مع الأردن. ففي الثامن من تموز الجاري، بحث رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية قتيبة بدوي، مع وزير الداخلية الأردني مازن الفراية في دمشق، تطوير المنافذ الحدودية بين البلدين، وتعزيز التعاون المشترك في القضايا المرتبطة بهذه المنافذ، وزيادة وتيرة حركة النقل والتبادل التجاري.
وجرى خلال الاجتماع بحث ملفات عدة، بحسب الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، أبرزها إعادة تأهيل منفذ “درعا البلد-الرمثا”، حيث ناقش الجانبان الخطوات الفنية والإدارية اللازمة تمهيدا لإعادة افتتاحه أمام حركة المسافرين، لما يمثله من أهمية في تعزيز التواصل بين البلدين.
كما تناول الاجتماع مشروع التوسعة المرتقب لمنفذ نصيب الحدودي، واستعراض الأعمال التي ستبدأ خلال الفترة المقبلة، وتشمل توسعة الساحات التشغيلية، واستحداث مسارات جديدة باتجاه منفذ جابر الأردني، بما يساعد على تسهيل الحركة التجارية والسياحية والإنسانية، ويقلل الازدحام، ويرفع كفاءة العمل الحدودي.
وشملت النقاشات أيضا توسيع مجالات التعاون في تأهيل الكوادر العاملة في المنافذ الحدودية، عبر تنظيم برامج تدريبية متخصصة في كشف الوثائق المزورة، والإجراءات الجمركية الحديثة، وآليات التعامل مع المسافرين والأجانب، بما يواكب أفضل الممارسات الدولية في إدارة المنافذ.
وفي اليوم نفسه، أعلن مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك مازن علوش عن توجه رسمي لتأسيس منفذ حدودي جديد مع الأردن، ليكون بديلا عن مركز “جمرك درعا القديم”، الذي خرج من الخدمة منذ نحو 11 عاما نتيجة الدمار الذي لحق ببنيته التحتية.
وأكد علوش أن الجهات المختصة أنهت، بالتنسيق مع مجلس محافظة درعا، مرحلة حصر ملكية الأراضي الواقعة عند نقطة التماس الحدودية المباشرة مع الجانب الأردني، والمقرر أن تكون المنطقة التي سينشأ فيها المنفذ الجديد، حيث تبين أن هذه العقارات ملكيات خاصة.
وأشار إلى أنه لا يوجد جدول زمني محدد لتنفيذ وفتح المعبر الجديد حتى الآن، وأن الأولوية ستكون لاستملاك الأراضي على الحدود في درعا، ووضع الدراسات الهندسية التي سيتحدد بناء عليها الوقت الفعلي المطلوب لإنجاز المشروع.
وللبدء بالتنفيذ، أصدرت محافظة درعا، الثلاثاء الفائت، قرارا بتشكيل لجنة خاصة لتحديد قيمة الأراضي والأبنية والأشجار والآبار وكل ما يتعلق بالمزارع على بدل الاستملاك في المنطقة المحددة والمراد استملاكها لصالح الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، لإقامة معبر حدودي مع الأردن ضمن منطقة درعا البلد.
وتكتسب هذه الخطوات أهمية مضاعفة في ضوء الدور الذي تؤديه المعابر في تنشيط النقل والتجارة، لأن الطريق الدولي لا يكتمل أثره الاقتصادي من دون منفذ حدودي مجهز، وإجراءات جمركية مرنة، وبنية تشغيلية قادرة على استيعاب الشاحنات والمسافرين، وربط الحركة الحدودية بشبكة طرق داخلية مؤهلة وآمنة.
إعادة تأهيل الطرق والجسور والسكك الحديدية
وتبلغ أطوال الطرق التي تخضع لإشراف المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية نحو 9550 كيلومترا من الطرق المركزية التي تربط بين المحافظات السورية، ومن ضمنها نحو 1620 كيلومترا من الطرق الرئيسية “الأوتوسترادات”، وتحتاج معظم هذه الطرق إلى صيانة وإعادة تأهيل، بسبب الأضرار المتراكمة وغياب الصيانة الكافية خلال سنوات الحرب وما قبلها.
ولا تقتصر أهمية مشاريع الطرق على تحسين حركة النقل وتقليل الحوادث، رغم أهمية ذلك، بل تمتد إلى دعم الإنتاج الزراعي والصناعي، وخفض كلفة نقل البضائع، وتحسين وصول المواد الأولية والأسواق، وتسهيل حركة المسافرين، وربط المرافئ والمناطق الصناعية والمعابر الحدودية بشبكة حديثة ترفع قدرة الاقتصاد السوري على التعافي والنمو.
كما أن إعادة تأهيل الطرق والجسور والسكك الحديدية تمثل شرطا أساسيا لأي دور مستقبلي لسوريا في مشاريع الممرات الإقليمية، سواء في اتجاه الخليج والأردن والعراق وتركيا، أو باتجاه البحر المتوسط والموانئ السورية. فالدولة التي تسعى إلى استعادة موقعها كممر تجاري وطاقوي تحتاج إلى بنية نقل متماسكة، قادرة على تحمل أحجام كبيرة من الحركة، وتطبيق معايير سلامة وتشغيل حديثة.
إطلاق استدراج العروض الخاصة بتأهيل شبكة الطرق الدولية، والتوجه إلى تطوير السكك الحديدية والجسور والمنافذ الحدودية، يعكس انتقال ملف النقل في سوريا من مرحلة المعالجة الجزئية إلى مرحلة الرؤية الاستراتيجية. فالطرق جزء من بنية الدولة الاقتصادية، ومن موقع سوريا في خرائط التجارة والطاقة والممرات الآمنة. وكلما تقدمت عملية التأهيل وفق معايير حديثة، اقتربت البلاد من استعادة دورها الطبيعي كجسر بري بين الشرق والغرب، وبين الخليج والبحر المتوسط.
عاصم الزعبي
المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار