القانون لا يحميك من المشورة الاستثمارية للذكاء الاصطناعي

زمن القراءة: 5 دقائق

يشهد عالم الاستثمار الشخصي تحولات متسارعة بفعل تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث أصبح صغار المستثمرين والمدخرين حول العالم يتوجهون إلى روبوتات الدردشة الذكية لطلب استراتيجيات استثمارية، وخطط لإدارة الديون، وتوصيات بشأن الأسهم.
ويشهد هذا الاعتماد وتيرة نمو سريعة، إذ أظهرت الأبحاث أن 20 % من البالغين في المملكة المتحدة يبدون انفتاحاً على استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات مالية نيابة عنهم.
وقد استرعى هذا التوجه انتباه الجهات التنظيمية البريطانية، ونشرت هيئة السلوك المالي البريطانية مؤخراً «تقرير ميلز»، الذي سلط الضوء على المخاطر الناشئة عن استخدام الذكاء الاصطناعي في الخدمات المالية الموجهة للأفراد، وفي حين يبدو أنه من الحكمة أن تهتم الجهات الرقابية بالتكنولوجيات الناشئة، إلا أنه يجب عليها أن تتجنب تكبيلها بلوائح تنظيمية مفرطة، ومع قيام الحكومات حول العالم بصياغة استجاباتها بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في هذا القطاع فإنه يمكنها الحد من المخاطر، مع ضمان استفادة المواطنين من مزايا نماذج لغات الذكاء الاصطناعي الكبيرة.
ويمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تمكن جيلاً جديداً من المدخرين من التحكم في مستقبلهم المالي، واستثمار أموالهم بحكمة، وتلعب نماذج اللغات الكبيرة بشكل متزايد الدور الذي كانت تلعبه كتب ومدونات التمويل الشخصي سابقاً، والمتمثل في تثقيف عامة الناس حول سبل استثمار أموالهم.
وفيما وراء قدرتها على تلخيص النقاط، يستطيع النموذج تخصيص استجاباته بناء على مجموعة من المعايير، والإجابة عن أسئلة محددة، وتوجيه المستخدمين إلى مصادر معلومات إضافية، ما يمنح هذه التكنولوجيا القدرة على إتاحة الوصول إلى الموارد المفيدة للجميع دون تمييز، إلا أن هذه التقنيات تثير أيضاً تساؤلات جديدة، ففي المملكة المتحدة تخضع الشركات التي تقدم استشارات استثمارية لمتطلبات التسجيل والمسؤوليات الائتمانية وواجبات إفصاح صارمة، ويميز القانون بوضوح بين المشورة الرسمية، التي يقدمها مستشار خاضع للرقابة، وتكون مصممة وفقاً لظروف الفرد، وبين التوجيه العام مثل الصفحات الإلكترونية الثابتة، التي تناقش استراتيجيات الاستثمار، غير أن هذا الخط الفاصل قد يتلاشى مع ظهور أدوات مالية، تعتمد على الذكاء الاصطناعي التوليدي ووكلاؤه.
وتبرز هنا أيضاً معضلة المسؤولية القانونية، حيث يحق للعملاء الرجوع قانوناً على المستشارين الماليين الخاضعين للرقابة في حال تقديم مشورة سيئة، بينما لا تتوفر الحماية القانونية نفسها لمشورة وكلاء الذكاء الاصطناعي.
ويوضح «تقرير ميلز» مدى عدم إدراك العديد من عملاء الخدمات المالية لهذا الفرق، إذ اتضح أن 40 % فقط من المشاركين في الاستطلاع يفهمون أنه ليس لديهم أي ملاذ قانوني رسمي في حال تلقي مشورة مالية سيئة من ذكاء اصطناعي.
ويمكن لبعض التدخلات البسيطة أن تلعب دوراً في مساعدة المستهلكين على تجنب العثرات المالية، حيث ينبغي لنماذج الذكاء الاصطناعي تقديم إخلاء مسؤولية وإعلانات تحذيرية عندما تشارك أي معلومات يمكن تفسيرها بشكل خطأ على أنها مشورة استثمارية، ومع بدء خدمات مثل «تشات جي بي تي» التابع لشركة «أوبن إيه آي» في إدراج إعلانات فإنها ستكون ملزمة في المملكة المتحدة بالامتثال لمتطلبات الإفصاح الخاصة بالمحتوى المالي المدعوم برعاية، لذا يجب على هيئة السلوك المالي البريطانية تجنب الحماس المفرط في نهجها التنظيمي، لأن تحميل الشركات أعباء زائدة بهدف حماية المستهلكين قد يؤدي في الواقع إلى الإضرار بهم.
وبالنظر إلى التجارب السابقة حاولت الهيئة عبر مبادرة «مراجعة سوق توزيع الاستثمارات الفردية» تحسين جودة المشورة الاستثمارية، بمنع المستشارين من تقاضي عمولات خفية من شركات الاستثمار، إلا أن ذلك أدى إلى زيادة تكلفة المشورة على المستهلك العادي، ما خلق «فجوة في المشورة».
وتسببت التنظيمات المفرطة للمشورة المالية في دفع العديد من الأشخاص نحو «المؤثرين الماليين» عبر الإنترنت، الذين يقدمون معلومات أقل جودة، وقد تتعلم الجهات التنظيمية من أخطاء الماضي عند النظر في تنظيم الذكاء الاصطناعي.
وتؤكد التقنيات المالية الجديدة على الحاجة الملحة لنشر الثقافة المالية الشخصية على نطاق واسع، بما في ذلك إدراجها ضمن المناهج المدرسية، كما يجب تعليم الشباب مهارات الثقافة المالية التقليدية وتثقيفهم بشأن استخدامات وحدود أدوات الذكاء الاصطناعي في إدارة شؤونهم المالية.
اللوائح التنظيمية ستظل دائماً متأخرة خطوة عن أحدث التقنيات، ويبقى المجتمع المتعلم والمثقف هو خط الحماية الأفضل ضد أي ضرر قد ينجم عن مشورة الذكاء الاصطناعي.
المصدر: فايننشال تايمز- ترجمة: البيان

آخر الأخبار