سوريا ولبنان.. مسارات اقتصادية لإعادة بناء الشراكة

زمن القراءة: 21 دقائق

تشكل زيارة الوفد الاقتصادي والتجاري اللبناني إلى سوريا محطة جديدة في مسار العلاقات بين البلدين، إذ تعكس توجهاً نحو إعادة تنظيم التعاون الثنائي ضمن أطر مؤسساتية أكثر فاعلية، بعد سنوات شهدت تحديات وتراجعاً في مختلف مجالات التنسيق خلال فترة النظام المخلوع.
وتأتي هذه الخطوة في إطار مساعٍ لتعزيز الشراكات القائمة على الاحترام المتبادل للسيادة، وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والتجاري، مستفيدة من الروابط الجغرافية والتاريخية بين البلدين، ومرتكزة على مبدأ المصالح المشتركة، بما يدعم دور القطاعين العام والخاص ويمهد لشراكات جديدة خلال مرحلة إعادة البناء والتنمية.
وأكد وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، خلال انطلاق أعمال الطاولة المستديرة السورية-اللبنانية المشتركة في دمشق، أمس الأربعاء، أن اللقاءات مع الجانب اللبناني أرست أسس تعاون عملي في قطاعات متعددة، بما يخدم مصالح الشعبين ويعزز العمل العربي المشترك.
وأوضح الشعار أن التعاون مع الجانب اللبناني يشمل تطوير آليات تبادل المعلومات، وإنشاء مراكز متخصصة لجمع البيانات وتحليلها وقياس المؤشرات، بما يدعم عملية اتخاذ القرار ويرفع كفاءة العمل، مشيراً إلى العمل على استكمال مذكرات التفاهم بين اتحادات غرف التجارة والصناعة في سوريا ولبنان، بما يفتح آفاقاً أوسع للتعاون الاقتصادي والاستثماري ويحقق نتائج ملموسة خلال المرحلة المقبلة.
من جانبه، أكد وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني عامر البساط، أن مجلس الأعمال اللبناني-السوري يمثل ركيزة أساسية لتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، ومنصة دائمة للحوار ومتابعة تنفيذ المبادرات المشتركة.

وشدد البساط على أهمية إزالة العوائق وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية بما يسهم في تعزيز انسياب السلع، معتبراً أن تبسيط إجراءات سفر رجال الأعمال وتسهيل حركة التنقل يشكلان خطوة أساسية لدعم الاستثمار وتعزيز الشراكة الاقتصادية بين سوريا ولبنان.
وكان السيد الرئيس أحمد الشرع، قد استقبل الوفد اللبناني برئاسة البساط، الثلاثاء، في قصر الشعب بدمشق، حيث بحث الجانبان سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين سوريا ولبنان.
مجلس الأعمال المشترك
شهدت أعمال الطاولة المستديرة توقيع اتفاقيتين للتعاون المشترك، بما يسهم في تعزيز العلاقات الاقتصادية وتطوير مجالات العمل والتنسيق الثنائي، إلى جانب التأكيد على أهمية توسيع دور القطاع الخاص في دعم التنمية وتفعيل قنوات التواصل والتنسيق بين المؤسسات الاقتصادية في البلدين.
ورأى الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم، أن الزيارة تمثل نقطة تحول في مسار العلاقات الاقتصادية بين سوريا ولبنان، متوقعاً أن تفضي إلى مسارات عمل ملموسة، وأن يكون الإعلان الرسمي عن مجلس الأعمال السوري-اللبناني أول خطوة في هذا الاتجاه.
وقال عبد الكريم لصحيفة “الثورة السورية”: إن المجلس المنتظر يمثل منصة دائمة للقطاع الخاص، مهمتها استقطاب الاستثمارات وإطلاق الشراكات، مشيراً إلى أن عمله سيرتبط بتنظيم مؤتمرين اقتصاديين سنويين، يعقد الأول في دمشق والثاني في بيروت، لمتابعة المشروعات المشتركة، إلى جانب تشكيل لجان متخصصة للتجارة والاستثمار والقطاع المصرفي، لدراسة احتياجات كل قطاع.
وأوضح أن أهمية هذا التوقيت ترتبط بدخول سوريا مرحلة إعادة الإعمار، التي قدر البنك الدولي تكلفتها بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار، أي ما يعادل نحو عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي السوري، وهو ما يعني حاجة سوريا إلى استيراد رأس المال والخبرات والخدمات من الخارج.
وأشار إلى أن لبنان يعد الأقرب جغرافياً والأكثر معرفة بالسوق السورية، لافتاً إلى أن الفرص المباشرة أمام الشركات اللبنانية تتركز في قطاعات الإنشاءات ومواد البناء، والصناعات الغذائية، وسلاسل توريد المطاعم، إضافة إلى الخدمات المالية والاستشارية.
مأسسة العلاقات السورية-اللبنانية
في خطوة نحو مأسسة العلاقات بين البلدين، وقّع وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، خلال زيارته إلى لبنان مؤخراً، مع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، اتفاقية إنشاء “اللجنة العليا اللبنانية-السورية المشتركة”، التي تُعد الإطار المؤسسي الأعلى للتشاور والتنسيق والتعاون بين البلدين.
وانبثقت الاتفاقية من العلاقات الأخوية والتاريخية التي تجمع سوريا ولبنان، وتجسيداً لرغبة البلدين في تعزيز العلاقات الثنائية وتطوير التعاون والتنسيق بما يخدم المصالح المشتركة، ويسهم في ترسيخ الاستقرار وتحقيق الازدهار للشعبين.
وتقوم الاتفاقية على مجموعة من المبادئ الأساسية، أبرزها احترام سيادة البلدين واستقلالهما، والمساواة الكاملة بين الدولتين، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحسن الجوار، واحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتعزيز المصالح المشتركة.
وتهدف اللجنة العليا السورية-اللبنانية إلى تعزيز العلاقات الثنائية وتطوير التعاون والتنسيق في مختلف المجالات، إضافة إلى تعزيز التواصل بين الجهات والمؤسسات المختصة في البلدين، ودعم تنفيذ الاتفاقيات والترتيبات الثنائية، ومعالجة الملفات ذات الاهتمام المشترك، وتطوير الأطر القانونية والمؤسساتية المنظمة للعلاقات بين الجانبين.
وتشمل مجالات عمل اللجنة الشؤون السياسية والدبلوماسية، والاقتصادية والمالية والتجارية، إلى جانب الشؤون القضائية والقانونية والأمنية، وقطاعات النقل والمياه والطاقة والبنية التحتية، والتعليم والصحة والتحول الرقمي، مع إمكانية إضافة مجالات تعاون أخرى يتفق عليها الطرفان مستقبلاً.
وبموجب الاتفاقية، تتولى اللجنة وضع التوجهات والسياسات العامة للتعاون الثنائي، وإنشاء اللجان القطاعية والفنية المشتركة، والإشراف على متابعة تنفيذ القرارات الصادرة عنها، إضافة إلى إعداد المقترحات الخاصة بتطوير التعاون بين البلدين، واقتراح تعديلات على الاتفاقيات والبروتوكولات الثنائية، أو إنشاء آليات وهيئات مشتركة دائمة أو مؤقتة وفق ما تقتضيه مصلحة التعاون.
كما تنص الاتفاقية على اتخاذ قرارات اللجنة بالتوافق بين الجانبين، وعقد اجتماع عادي مرة واحدة على الأقل سنوياً، مع إمكانية عقد اجتماعات استثنائية بناءً على طلب أحد الطرفين.
التجارة والنقل.. دور محوري
من أبرز مخرجات اجتماع الطاولة المستديرة السورية-اللبنانية في دمشق، توقيع مذكرة تعاون بين اتحاد غرف التجارة السورية وغرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان، بهدف تنمية وتشجيع التعاون في مجالات التجارة والأنشطة الاقتصادية والصناعية المختلفة، وتوثيق العلاقات وتعزيز التواصل بين أعضاء الغرف التجارية في البلدين.
وتتضمن المذكرة إعداد برامج وآليات مناسبة لتطوير شبكة التواصل بين أعضاء الجانبين، وتبادل المعلومات حول الفرص التجارية المتاحة في البلدين، وتقديم التسهيلات التجارية الممكنة لتيسير إبرام الصفقات، إضافة إلى تنشيط الفعاليات الاقتصادية المشتركة.
ويرى الخبير عبد الكريم أن مسارات التعاون بين سوريا ولبنان تشمل أيضاً التجارة ونقل البضائع، لافتاً إلى أن الأرقام تسبق السياسة، إذ ارتفعت الصادرات اللبنانية إلى سوريا بنسبة 79.5 بالمئة خلال النصف الأول من عام 2025، لتصل إلى 70 مليون دولار، كما نمت الصادرات البرية عبر المعابر السورية بنسبة 8.7 بالمئة، في وقت سجلت فيه الصادرات اللبنانية الإجمالية نمواً بنسبة 22.8 بالمئة، لتبلغ 1.7 مليار دولار.
وأضاف أن هذا النمو يدعم توقعات نمو الاقتصاد اللبناني بنسبة 5 بالمئة، مشيراً إلى أن ارتفاع الصادرات اللبنانية إلى سوريا بنحو 80 بالمئة خلال ستة أشهر، رغم استمرار بعض العوائق التقنية، يعكس حجم الإمكانيات المتاحة في حال إزالة هذه العوائق.
وأوضح أن سوريا شكلت تاريخياً نحو 10 بالمئة من الصادرات اللبنانية، كما تمثل ممراً لنحو 11 بالمئة من الصادرات البرية الرسمية، مؤكداً أن إزالة العقبات القائمة يمكن أن تحول المسار السوري إلى أحد أسرع خطوط التصدير اللبنانية نمواً.
وأكد عبد الكريم أن من أبرز العقبات التي تحتاج إلى معالجة نهائية نظام المناقلة، أي إلزام الشاحنات بتفريغ حمولتها عند الحدود وإعادة تحميلها على شاحنات البلد الآخر، مشيراً إلى أن هذا الإجراء يرفع التكلفة، ويطيل زمن العبور، ويتسبب بأضرار للبضائع القابلة للتلف.
وأوضح أن الآلية المؤقتة القائمة على المعاملة بالمثل، مع استثناء الصهاريج والمواد الخطرة والإسمنت والأدوية، أسهمت في تخفيف التداعيات، لكنها لا تشكل أساساً لبناء تجارة مستدامة، مشدداً على ضرورة العودة الكاملة إلى اتفاقية النقل البري لعام 1993 وتطويرها، وإنجاز اتفاق النقل الدولي بالعبور بما ينسجم مع الاتفاقية العربية للترانزيت لعام 1977.
ويُقصد بالترانزيت عبور البضائع أراضي دولة ما من دون أن تكون موجهة إلى سوقها المحلية، ويمثل هذا النظام مساراً أساسياً للصادرات البرية اللبنانية المتجهة إلى الأردن والعراق ودول الخليج.
وأشار عبد الكريم إلى أهمية العمل بالتوازي مع إعفاء الشاحنات ومركبات النقل العام من رسوم الدخول والمغادرة، وتفعيل البطاقة البرتقالية للتأمين الإلزامي عبر نظام موحد بين اتحادي شركات التأمين في البلدين، باعتبارها وثيقة تأمين واحدة تغطي المركبة في كلا البلدين وتخفض تكلفة الرحلة، وأضاف أن من بين الإجراءات المطلوبة اعتماد دفتر مرور موحد، وتوحيد الأوزان والحمولات المحورية، وإعادة افتتاح منفذ الدبوسية الحدودي، بما يسهم في توزيع الحركة التجارية وتخفيف الضغط عن المعابر الأخرى.
ويعد النقل البري أحد أبرز الملفات المشتركة بين سوريا ولبنان، نظراً لدوره المحوري في حركة التجارة والترانزيت بين البلدين، وفي هذا الإطار، كان وزير النقل يعرب بدر، قد عقد اجتماعاً مع نظيره اللبناني فايز رسامني، في أيار الماضي، واتفق الجانبان على تفعيل اتفاقية نقل الركاب والبضائع الموقعة عام 1993، وإعادة تنشيط اللجنة المشتركة المنصوص عليها في المادة التاسعة من الاتفاقية، مع توسيع عضويتها لتضم ممثلين عن الجمارك والأمن العام، إلى جانب بحث نظام “ون ستوب” لتسهيل الإجراءات أمام المسافرين والشاحنات.
كما تقرر تشكيل لجنة مشتركة تجتمع بصورة دورية لمتابعة القضايا المتعلقة بالمعابر ونقل البضائع، وبحث توحيد الإجراءات في المعابر البرية، ولا سيما معبري العبودية والمصنع، بما يسهم في تسريع حركة المسافرين والشاحنات وتخفيف الإجراءات الإدارية.
وفي خطوة لاحقة، أعلنت اللجنة، في بيان نشرته وزارة النقل السورية، أنها ناقشت خلال اجتماعاتها التي عقدت يومي 12 و13 آب الماضي في دمشق، إعفاء الشاحنات ومركبات النقل العام من رسوم الدخول والخروج، مع التأكيد على الالتزام بأحكام اتفاقية عام 1993 المنظمة لانتقال الأشخاص ونقل البضائع بين البلدين.
وأقرت اللجنة بحث تمكين الشاحنات اللبنانية من الوصول إلى أسواق لا تغطيها الشاحنات السورية، والسماح بدخول الحافلات السورية فارغة إلى الأراضي اللبنانية ضمن ضوابط محددة.
وشملت التفاهمات متابعة بحث توقيع اتفاق جديد ينسجم مع الاتفاقية العربية للنقل بالعبور “الترانزيت”، إلى جانب التنسيق بين إدارات الجمارك في البلدين لخفض أجور التخليص الجمركي، وتفعيل البطاقة البرتقالية الخاصة بالتأمين، والعمل على اعتماد نظام تأمين موحد، فضلاً عن فرض رسوم محددة على الحمولات الشاذة، مثل رولات الحديد، بحد أقصى ثلاثة أطنان.
اتفاقية عام 1993
تستند هذه التفاهمات إلى اتفاقية تنظيم انتقال الأشخاص ونقل البضائع الموقعة عام 1993، التي جاءت استكمالاً لمعاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق الموقعة بين سوريا ولبنان في 22 أيار 1991، بهدف تنظيم حركة الأشخاص والبضائع بين البلدين وعبر أراضيهما، بما ينسجم مع علاقات القربى والمصالح المشتركة بينهما.
ونصت المادة الأولى من الاتفاقية على التزام الطرفين بتسهيل انتقال الأشخاص ونقل البضائع من وإلى البلدين وعبر أراضيهما، وفق أحكام الاتفاق والتشريعات النافذة، كما كفلت المادة الثانية حرية الإقامة والتنقل لرعايا البلدين ضمن الأطر القانونية والأنظمة المعمول بها.
وفيما يتعلق بحركة المركبات، أتاحت الاتفاقية تنقل السيارات الرسمية بين البلدين دون الخضوع لإجراءات أو قيود، في حال كانت مزودة بأمر مهمة صادر عن الوزير المختص أو الجهة المخولة بذلك بالنسبة لأعضاء السلطة التشريعية في البلدين.
كما سمحت للسيارات السياحية الخاصة بالدخول والتنقل والمرور، وأجازت، ضمن شروط محددة، تفويض قيادة المركبة للزوج أو الزوجة أو الأصول أو الفروع أو الإخوة أو الأخوات أو السائق المأجور المسجل لدى الدوائر المختصة، على أن يكون أحد الأشخاص المخولين موجوداً في المركبة.
وأجازت الاتفاقية أيضاً للحافلات والميكروباصات التابعة للمؤسسات التعليمية والجهات الاعتبارية نقل الوفود والطلاب والسياح إلى البلد الآخر أو العبور إلى دولة ثالثة.
أما بالنسبة للنقل العام، فقد سمحت لسيارات نقل الركاب العمومية المسجلة في أحد البلدين بدخول أراضي البلد الآخر لنقل الركاب إلى مراكز الانطلاق والعودة بهم، كما أجازت لها العبور إلى دولة ثالثة وفق الشروط المحددة.
وفي مجال نقل البضائع، نصت المادة السادسة على السماح لشاحنات نقل البضائع العمومية بالدخول إلى أراضي البلد الآخر محملة أو فارغة، والوصول إلى أماكن التفريغ المحددة، ثم العودة أو متابعة طريقها إلى دولة ثالثة وفق الاتفاقيات النافذة.
وأكدت المادة السابعة اعتماد أحكام الاتفاقية العربية للنقل بالعبور (الترانزيت) الموقعة في القاهرة عام 1977 لتنظيم حركة الترانزيت، فيما شددت المادة الثامنة على استمرار تطبيق إجراءات التسجيل والتفتيش والأنظمة المرورية المعمول بها في البلدين، ولا سيما ما يتعلق بأوزان الشاحنات والحمولات.
وأقرت المادة التاسعة إنشاء لجنة مشتركة دائمة تتولى متابعة تنفيذ الاتفاقية، ومعالجة الصعوبات التي قد تنشأ أثناء التطبيق، والنظر في الاعتراضات والشكاوى، واقتراح الحلول المناسبة، على أن تجتمع بالتناوب بين البلدين مرة واحدة سنوياً على الأقل أو كلما دعت الحاجة.
المعابر.. شرايين تجارية
وفي سياق إعادة تأهيل البنية التحتية للمعابر، أعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية إعادة افتتاح منفذ الدبوسية الحدودي مع لبنان مطلع شهر أيلول المقبل، بعد استكمال أعمال إعادة التأهيل الجارية فيه، في خطوة تهدف إلى تنشيط حركة التبادل التجاري وتسهيل عبور المسافرين بين البلدين، إضافة إلى تخفيف الضغط عن منفذ جديدة يابوس، الذي يُعد حالياً المعبر التجاري الرئيسي بين سوريا ولبنان.
وقال رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك قتيبة بدوي: إن الهيئة تعمل على افتتاح المنفذ في مرحلته الأولى فور الانتهاء من أعمال التأهيل الحالية، على أن تتبعها مرحلة ثانية تشمل توسعة شاملة للموقع وفق المعايير الدولية، مشيراً إلى أن استكمال المشروع بالكامل يحتاج إلى نحو عام ونصف العام.
وأوضح أن المنفذ توقف عن العمل بعد تعرض الجسر المقام فوق نهر الكبير الجنوبي لأضرار جراء القصف الإسرائيلي، مؤكداً أن الهيئة أنجزت إعادة بناء الجسر وفق المواصفات والمعايير الهندسية المعتمدة، بما يتيح استئناف الحركة عبر المعبر.
ويكتسب منفذ الدبوسية أهمية استراتيجية باعتباره أحد أبرز المعابر البرية بين سوريا ولبنان، إذ يشكل شرياناً رئيسياً لحركة النقل بين مرفأ طرابلس والمحافظات السورية الوسطى والشمالية، كما يمثل ممراً أساسياً للبضائع اللبنانية المتجهة عبر الأراضي السورية إلى دول الخليج والأسواق العربية.
وكانت الهيئة قد افتتحت في الرابع من أيار الماضي منفذ جسر قمار الحدودي، بعد استكمال التجهيزات التشغيلية والتنظيمية، بهدف تعزيز جاهزية المعابر وتنشيط حركة التنقل بين البلدين.
ويربط معبر جسر قمار بين منطقة وادي خالد في محافظة عكار اللبنانية وقرية المشيرفة في ريف حمص الغربي، لينضم إلى شبكة المعابر الرسمية بين البلدين، التي تضم ستة معابر رسمية موزعة بين شمال لبنان وشرقه، إلى جانب عدد من المعابر غير الشرعية الممتدة على طول الحدود المشتركة البالغة نحو 375 كيلومتراً.
التعاملات المصرفية.. الاختبار الأصعب
تعد التعاملات المصرفية، التي وصفها عبد الكريم بأنها الاختبار الأصعب والأكثر أهمية، من بين مسارات التعاون المحتملة بين سوريا ولبنان، موضحاً أن الهدف يتمثل في إنشاء آلية تسهّل التعاملات المصرفية بين البلدين، إذ إن التجارة من دون قنوات مصرفية تبقى تجارة نقدية غير قابلة للتوسع أو التمويل أو التأمين.
وأشار إلى أن البيئة الدولية أصبحت أكثر ملاءمة بعد اتخاذ خطوات تسهم في إعادة سوريا تدريجياً إلى نظام المدفوعات العالمي، عقب سنوات من الانقطاع عن نظام “سويفت”، وهي الشبكة التي تتبادل عبرها المصارف أوامر التحويل المالي.
وأوضح أن العقبة الفعلية أمام المصارف اللبنانية تتمثل في متطلبات الامتثال، أي الالتزام بأنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والعقوبات الدولية، مرجحاً أن تبدأ الآلية بشكل محدود عبر قنوات خاضعة لرقابة مشددة تغطي الاعتمادات المستندية الخاصة بالتجارة.
والاعتماد المستندي هو تعهد مصرفي بالدفع للمُصدّر مقابل تقديم مستندات الشحن المطلوبة، قبل أن تتوسع هذه القنوات لاحقاً لتشمل التحويلات الاستثمارية.
ملف الودائع.. معالجة فنية
ضمن هذا المسار، تناول عبد الكريم ملف الودائع السورية المحتجزة في المصارف اللبنانية، داعياً إلى تحرير الملف من الأرقام غير الدقيقة التي رافقته خلال السنوات الماضية.
وأشار إلى أن التقديرات المتداولة تراوحت بين 20 و60 مليار دولار، دون سند مصرفي واضح، بينما تشير التقديرات المصرفية المتخصصة إلى أن ودائع السوريين في المصارف اللبنانية تتراوح بين ملياري دولار و7 مليارات دولار كحد أقصى، من أصل ودائع إجمالية في لبنان تبلغ نحو 88.5 مليار دولار، بينها نحو 20.5 مليار دولار لغير المقيمين، نصفهم تقريباً لبنانيون.
وأضاف أن الرقم الوحيد الموثق رسمياً هو انكشاف المصارف السورية على القطاع المصرفي اللبناني، والبالغ نحو 1.6 مليار دولار، أي ما يعادل ثلث إجمالي الودائع في القطاع المصرفي التجاري السوري، البالغة 4.9 مليارات دولار.
ولفت إلى أن مصرف سوريا المركزي ألزم المصارف السورية بتكوين مخصصات كاملة لهذا الانكشاف خلال ستة أشهر، موضحاً أن المخصصات هي مبالغ يقتطعها المصرف من أرباحه أو رأسماله لتغطية خسائر محتملة، ما يعني أن دمشق تعاملت محاسبياً مع أموالها في لبنان باعتبارها خسائر محققة، من دون أن يسقط ذلك حقها القانوني بالمطالبة بها.
وأكد أن معالجة هذا الملف لا تكون عبر مطالبة سوريا باسترداد ودائعها قبل غيرها، لأن ذلك غير ممكن قانونياً وعملياً، باعتبار أن المودع السوري يخضع للقيود نفسها المفروضة على المودعين اللبنانيين والخليجيين، مشيراً إلى أن أي معالجة ستكون جزءاً من قانون معالجة الفجوة المالية اللبنانية.
وأوضح أن الفجوة المالية هي الفرق بين التزامات المصارف ومصرف لبنان تجاه المودعين، وبين الأصول المتاحة فعلياً للسداد.
واقترح الخبير الاقتصادي تشكيل لجنة مصرفية فنية مشتركة تحت مظلة اللجنة العليا السورية-اللبنانية، تتولى توثيق الأرقام الحقيقية بعيداً عن التقديرات المتضاربة، ودراسة إمكانية تحويل جزء من هذه الحقوق إلى أدوات استثمارية طويلة الأجل في مشروعات مشتركة أو مساهمات في رؤوس أموال المصارف، بما يحول الملف من عبء نزاعي إلى فرصة لتعزيز الثقة وخدمة مصالح الطرفين.
الطاقة.. ربط إقليمي وتكامل
تشكل الطاقة والربط الإقليمي مساراً مهماً ضمن مجالات التعاون بين سوريا ولبنان، إذ يجري العمل على صيغة مبادلة كهربائية ثلاثية يستجر لبنان بموجبها نحو 15 ميغاواط من الأردن عبر الأراضي السورية، بتكلفة تبلغ 3.5 سنتات للكيلوواط/ساعة، مقابل تكلفة إنتاج محلية تصل إلى 4.5 سنتات، بما يحقق وفراً مباشراً يقارب 22 بالمئة.
وأضاف أن هذا المسار يشمل ملفاً استراتيجياً يتمثل بإعادة تفعيل خط النفط العراقي إلى مصفاة طرابلس، وهو مشروع يتطلب إعادة تأهيل شبكة الأنابيب والحصول على الموافقات السورية اللازمة، إلى جانب ترسيم الحدود البحرية الشمالية في ظل الحديث عن إمكانيات هيدروكربونية في البلوكين 1 و2، على مساحة تقارب 750 كيلومتراً مربعاً.
وأكد عبد الكريم أن نجاح هذه المسارات لا يرتبط بإعلان الاتفاقيات فقط، وإنما بقدرة الجانبين على تحويلها إلى مشروعات تنفيذية ذات أثر اقتصادي مباشر.
وشدد على أن قياس نجاح مسار التعاون السوري-اللبناني خلال الأشهر المقبلة سيكون عبر ثلاثة مؤشرات رئيسية، تتمثل بانتقال حجم التبادل التجاري الرسمي من عشرات الملايين إلى مئات الملايين من الدولارات، وانخفاض تكلفة وزمن عبور الشاحنات بين بيروت ودمشق إلى مستويات تنافسية من خلال معالجة مشكلة المناقلة، وفتح أول قناة مصرفية رسمية ومنظمة بين البلدين.
واعتبر أن تحقيق هذه المؤشرات الثلاثة يعني انتقال التكامل الاقتصادي بين سوريا ولبنان من مستوى الشعارات واللجان إلى مرحلة بناء مؤسسات وآليات عمل حقيقية، في حين أن تعثرها سيبقي المجالس والاتفاقيات مجرد أطر تنظيمية بلا مضمون اقتصادي فعلي.
نور جوخدار
المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار