في الوقت الذي تنشغل فيه واشنطن برفع الرسوم الجمركية وإغلاق الأبواب أمام السيارات الكهربائية الصينية، تفرض الأسواق العالمية سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل أصبحت المنافسة مع الصين تتطلب تقليدها بدلاً من محاربتها؟
بينما تتسارع صادرات السيارات الصينية إلى مختلف أنحاء العالم، وتواصل الشركات الصينية طرح سيارات أكثر تطوراً وبأسعار أقل، يبدو أن استراتيجية الحماية التجارية وحدها قد لا تكون كافية لإنقاذ الصناعة الأمريكية أو استعادة قدرتها التنافسية.
نهج أكثر ذكاء
هذا ما يدعو إليه خبير الأعمال الأمريكي المخضرم كير جيبس، الرئيس السابق لغرفة التجارة الأمريكية في شنغهاي، والذي يرى أن الولايات المتحدة بحاجة إلى تبنِّي نهج أكثر ذكاءً يقوم على استقطاب الشركات الصينية للاستثمار داخل الأراضي الأمريكية، بدلاً من الاكتفاء بإقامة حواجز جمركية قد تؤخر المنافسة لكنها لن تمنعها.
ويؤكد جيبس، وهو مؤلف كتاب «التنين الهش: التجارة وترامب ونقاط ضعف الصين»، أن السيارات الصينية، ولا سيما الكهربائية، أصبحت حقيقة لا يمكن تجاهلها.
ويقول إن هذه السيارات تقدم تقنيات أفضل وتجهيزات أكثر تطوراً وأسعاراً أقل، مضيفاً أن السؤال الحقيقي لم يعد كيف يمكن إبعادها عن السوق الأمريكية، بل كيف يمكن للولايات المتحدة الاستفادة من هذا الواقع لتعزيز صناعتها المحلية.
ويرى أن الصين نفسها قدمت النموذج الذي يمكن لواشنطن الاستفادة منه. فمنذ انطلاق الإصلاحات الاقتصادية في ثمانينيات القرن الماضي، اشترطت بكين على شركات السيارات الأجنبية الراغبة في دخول سوقها إقامة مشاريع مشتركة مع شركات صينية، بما يضمن نقل التكنولوجيا والخبرات وتدريب العمالة المحلية.
وقد تعاونت شركات عالمية مثل «جنرال موتورز» و«فولكس فاغن» مع شركات صينية مملوكة للدولة مثل «سايك» و«فاو»، وهو ما ساهم في بناء قاعدة صناعية قوية مهدت لظهور شركات محلية أصبحت اليوم تنافس عالمياً.
السياسات الحكومية
إلى جانب ذلك، لعبت السياسات الحكومية دوراً محورياً في دعم شركات خاصة مثل «بي واي دي» و«نيو» و«إكس بينغ»، التي نجحت في تطوير سيارات كهربائية تحظى بإقبال واسع في الأسواق العالمية.
ويشير جيبس إلى أن هذه الشركات تنتج سيارات تتمتع بمستوى عالٍ من الجودة والتكنولوجيا، وتحظى بطلب متزايد في معظم الأسواق الدولية، باستثناء الولايات المتحدة التي لا تزال تفرض قيوداً صارمة على دخولها.
ومع ذلك، يعترف بأن الدعم الحكومي المفرط داخل الصين أدى أيضاً إلى مشكلات مثل فائض الإنتاج والمنافسة الشرسة بين الشركات المحلية، فيما يعرف في الصين بمصطلح “الانطواء التنافسي”، حيث يؤدي الإفراط في الاستثمار إلى تراجع الربحية رغم زيادة الإنتاج.
الرسوم الجمركية
ويعتقد جيبس أن اعتماد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الرسوم الجمركية لإبعاد السيارات الصينية لن يحقق هدفه على المدى الطويل. فحتى لو نجحت الرسوم في الحد من الواردات المباشرة، فإن الحدود البرية مع كندا والمكسيك تجعل من الصعب عزل السوق الأمريكية بالكامل.
ويشير إلى أن كندا تستورد عشرات الآلاف من السيارات الكهربائية الصينية، معتبراً أن جزءاً منها سيجد طريقه في النهاية إلى الولايات المتحدة، سواء عبر إعادة البيع أو بوسائل أخرى، ما يجعل سياسة “بناء الجدار” مجرد حل مؤقت لا يعالج جوهر المشكلة.
الحماية التجارية
ومن وجهة نظره، فإن الحماية التجارية قد تمنح شركات السيارات الأمريكية فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنها لن تساعدها على اللحاق بالتطور السريع الذي تشهده الصناعة الصينية.
ومن ثم، يدعو إلى استراتيجية أكثر شمولاً تقوم على السماح للشركات الصينية ببناء مصانع داخل الولايات المتحدة، ونقل جزء من تقنياتها إليها، مع إلزامها بالامتثال الكامل للقوانين الأمريكية المتعلقة بحماية البيانات والأمن السيبراني والبرمجيات.
ويستشهد جيبس بتجربة شركة «تسلا» في الصين، موضحاً أنه عندما أثارت كمية البيانات التي تجمعها سيارات الشركة مخاوف السلطات الصينية، توجه إيلون ماسك إلى بكين وتم التوصل إلى حلول تقنية وتنظيمية عالجت تلك المخاوف.
ويقول إن نجاح الصين في إيجاد توازن بين حماية الأمن القومي وتشجيع الاستثمار يثبت إمكانية تطبيق نموذج مشابه في الولايات المتحدة.
شروط واضحة
ويضيف أن بكين لم تسمح للشركات الأجنبية بالدخول إلى سوقها مجاناً، بل فرضت عليها شروطاً واضحة تتعلق بنقل التكنولوجيا، وتوظيف العمالة المحلية، والالتزام بمعايير محددة للإنتاج والاستثمار.
وقد ساعدت هذه السياسة في بناء صناعة سيارات أصبحت اليوم تسيطر على نحو 70% من السوق الصينية، بعد أن كانت تعتمد بشكل كبير على العلامات التجارية الأجنبية.
ويعتبر جيبس أن نجاح الشركات الصينية في المنافسة العالمية يؤكد فاعلية هذه الاستراتيجية، مشيراً إلى أن «بي واي دي» أصبحت تبيع سيارات على مستوى العالم بأعداد تفوق مبيعات «تسلا»، وهو ما يعكس التحول الكبير الذي شهدته صناعة السيارات الصينية خلال العقد الأخير.
الاستفادة من الصين
في هذا السياق، يقول إن الولايات المتحدة بدلاً من الاكتفاء بانتقاد السياسات الصينية، يمكنها الاستفادة من عناصر نجاحها بما يخدم الاقتصاد الأمريكي، مع تطبيق قواعد أكثر شفافية وعدالة.
ومن أبرز الأمثلة التي يسوقها جيبس الفارق الكبير في الأسعار بين السوقين الصيني والأمريكي. فشركة «بي واي دي» تطرح سيارة رياضية متعددة الاستخدامات كهربائية بالكامل في السوق الصينية بسعر يقارب 12 ألف دولار، بينما تباع سيارة أمريكية مماثلة بنحو 33 ألف دولار.
ويرى أن استمرار الاعتماد على الرسوم الجمركية لحماية السوق المحلية يعني ببساطة حرمان المستهلك الأمريكي من منتجات أكثر تطوراً وأقل سعراً، وإجباره على دفع مبالغ أعلى مقابل سيارات قد لا تقدم المستوى نفسه من التكنولوجيا أو الكفاءة.
ويطرح تساؤلاً محورياً: هل الهدف من السياسة الصناعية هو حماية الشركات من المنافسة، أم دفعها إلى الابتكار وتحقيق أفضل قيمة للمستهلك؟ ويؤكد أن المنافسة المنظمة، وليس العزلة، هي الطريق الأكثر فاعلية لبناء صناعة سيارات قوية قادرة على المنافسة عالمياً.
سوق جاذبة
ولا يستبعد جيبس أن تبدي الشركات الصينية استعداداً للاستثمار في الولايات المتحدة إذا توافرت بيئة تنظيمية واضحة وعادلة، موضحاً أن السوق الأمريكية تظل من أكثر أسواق السيارات جاذبية في العالم، لما تتمتع به من حجم مبيعات كبير وهوامش ربح مرتفعة.
كما يرى أن تشجيع الشركات الصينية على التصنيع داخل الولايات المتحدة قد يحقق مكاسب للطرفين، إذ يوفر وظائف واستثمارات جديدة للاقتصاد الأمريكي، وفي الوقت نفسه يساعد الصين على تخفيف الضغوط التجارية الناتجة عن اعتمادها الكبير على التصدير.
ويشير إلى أن الفائض التجاري الصيني لا يمثل مصدر توتر مع الولايات المتحدة فقط، بل مع العديد من الاقتصادات الكبرى، بما فيها أوروبا، وهو ما يجعل توسيع الاستثمارات الخارجية في التصنيع خياراً قد يسهم في إعادة التوازن للعلاقات التجارية الدولية.
استعادة الريادة
ويختتم جيبس رؤيته بالتأكيد على ثقته في قدرة الصناعة الأمريكية على استعادة ريادتها إذا توافرت لها بيئة تنافسية حقيقية. ويقول إن الابتكار الأمريكي لا يزال يمتلك مقومات التفوق، لكن تحقيق ذلك يتطلب الانفتاح على المنافسة والاستفادة من الخبرات العالمية بدلاً من الاكتفاء بإقامة الحواجز.
وبحسب رؤيته، فإن التعاون المنظم مع الشركات الصينية، ضمن قواعد واضحة تحمي المصالح الأمريكية، قد يكون الطريق الأسرع لتطوير صناعة السيارات الأمريكية، وتحقيق مصلحة المستهلك، وتعزيز القدرة التنافسية للولايات المتحدة في سوق عالمي يشهد تحولاً متسارعاً نحو السيارات الكهربائية.
المصدر: أرقام – فوربس
