يترقب الاقتصاد السوري انعكاسات بدء الإجراءات الرسمية الأميركية لرفع اسم سوريا من قائمة “الدول الراعية للإرهاب”، في ظل ما قد تحمله الخطوة من آثار على بيئة الاستثمار والتجارة والقطاع المصرفي.
ومن شأن القرار أن يشكل مدخلاً لتخفيف قيود التعاملات المالية، وجذب رؤوس الأموال، ودعم مسار إعادة الإعمار، إلا أن تحويل هذه الفرصة إلى نتائج ملموسة يبقى مرتبطاً بقدرة الاقتصاد السوري على استكمال الإصلاحات وتحسين بيئة الأعمال.
وكان السيد الرئيس أحمد الشرع، قد تلقى رسالة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أكد فيها إبلاغ الكونغرس ببدء إجراءات إلغاء تصنيف سوريا “دولة راعية للإرهاب”، على أن يخضع القرار لمراجعة تستمر 45 يوماً وفق الإجراءات القانونية، قبل اعتماده بشكل نهائي.
وجاء ذلك عقب اللقاء الذي جمع الجانبين، الأربعاء الماضي، على هامش قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” في العاصمة التركية أنقرة.
نقطة تحول
قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في بيان، إن رفع العقوبات عن سوريا سيفتح الباب أمام التجارة والاستثمار الدوليين، ويمنح البلاد فرصة لإعادة البناء، ويفتح فصلاً جديداً للشعب السوري، مؤكداً أن سوريا المستقرة والموحدة التي تعيش بسلام مع نفسها وجيرانها تمثل فائدة للمنطقة والعالم.
رحب وزير المالية محمد يسر برنية، وحاكم مصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان، بإعلان الإدارة الأميركية بدء إجراءات إلغاء تصنيف سوريا من “قائمة الدول الراعية للإرهاب”، باعتباره خطوة تمهّد لمرحلة جديدة من التعافي الاقتصادي وتعزيز الاستثمار.
ويرى المحلل الاقتصادي شادي سليمان أن الخطوة الأميركية تمثل نقطة تحول اقتصادية مهمة، لما تحمله من آثار مباشرة وغير مباشرة على بيئة الاستثمار والتجارة والعلاقات المالية الدولية، موضحاً أنها تتيح فرصة لإعادة دمج الاقتصاد السوري تدريجياً في المنظومة الاقتصادية العالمية.
وأوضح سليمان لصحيفة “الثورة السورية” أن رفع التصنيف من شأنه أن يسهم في تعزيز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، باعتباره مؤشراً على انخفاض المخاطر السياسية والاقتصادية، ما قد يفتح المجال أمام زيادة فرص إطلاق مشاريع جديدة في قطاعات حيوية مثل الصناعة والزراعة والطاقة والبنية التحتية، بما ينعكس إيجاباً على النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.
وأضاف أن القرار يفتح الباب أمام تسهيل التعاملات المصرفية والمالية مع المؤسسات الدولية، ويخفف القيود التي واجهتها الشركات السورية في التحويلات المالية والتجارة الخارجية، بما يسهم في خفض تكاليف الاستيراد والتصدير، وتعزيز قدرة الشركات على الوصول إلى الأسواق العالمية.
وأشار المحلل الاقتصادي إلى أن تحسن العلاقات الاقتصادية الخارجية قد يشجع على تدفق رؤوس الأموال وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، بما يتطلب بيئة مالية أكثر استقراراً وانفتاحاً، كما قد ينعكس على تحسين الخدمات العامة، وتنشيط الأسواق، وزيادة الطلب على العمالة، بما يدعم مستويات الدخل ويحسن الظروف المعيشية للمواطنين.
أهمية اقتصادية
وصف وزير المالية، بدء إجراءات إلغاء تصنيف سوريا “دولة راعية للإرهاب” بأنه “لحظة تاريخية”، مشيراً إلى أنه يفتح صفحة جديدة أمام الاقتصاد السوري، ويهيئ الطريق لتعزيز الاستثمار وتسريع التعافي الاقتصادي.
وأعرب برنية عن تقديره للجهود الدبلوماسية السورية التي أسهمت في الوصول إلى هذه الخطوة، كما وجه الشكر للولايات المتحدة وقيادتها على اتخاذ القرار.
من جانبه، لفت الخبير المصرفي والمالي الدكتور علي محمد، إلى أن القرار الأميركي يحمل أهمية اقتصادية إلى جانب أبعاده السياسية، مشيراً إلى أن هذا التصنيف شكّل أساساً بُنيت عليه العديد من العقوبات الأوروبية والأميركية.
وأضاف محمد لصحيفة “الثورة السورية” أن الشركات والمستثمرين بمختلف قطاعاتهم كانوا ينظرون إلى استمرار هذا التصنيف، رغم رفع معظم العقوبات، باعتباره مؤشراً على ارتفاع مستوى المخاطر، أو “راية حمراء”، ما شكّل عائقاً أمام التعامل مع سوريا والاستثمار فيها وتمويل المشاريع.
وأوضح أن إزالة التصنيف تمثل إشارة لهذه الشركات بإمكانية التعامل مع سوريا كدولة طبيعية، لافتاً إلى أن توقيع بعض الشركات خلال العام والنصف الماضي مذكرات تفاهم واتفاقيات رغم استمرار التصنيف كان مرتبطاً بما يُعرف بعلاوة المخاطر عند التعامل مع السوق السورية.
وأكد محمد أن إزالة هذا العائق تقلل من مبررات إحجام المستثمرين عن دخول السوق السورية بسبب التصنيف، مع بقاء العوامل الداخلية المرتبطة بقرارات الشركات، وفي مقدمتها دراسات الجدوى الاقتصادية.
وكان حاكم المصرف المركزي، قد اعتبر أن هذه الخطوة تمثل “رسالة إيجابية للشعب السوري وللمجتمع الاقتصادي الدولي”، مشيراً إلى أنها تفتح آفاقاً أوسع للاستثمار والتعافي الاقتصادي وإعادة اندماج سوريا في الاقتصاد العالمي.
وأكد حاكم المصرف المركزي استمرار العمل على “ترسيخ الاستقرار، وتعزيز الثقة، وبناء قطاع مالي حديث يخدم مستقبل سوريا”.
ويتيح القرار للمصارف المراسلة التعامل مع سوريا وإزالة بعض التحفظات التي كانت قائمة بسبب هذا التصنيف، مع استمرار الالتزام بالمعايير الأخرى المتعلقة بالامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وفق محمد.
وأشار الخبير إلى أن المصارف السورية ستكون قادرة خلال الفترة المقبلة على تلبية هذه المتطلبات، بما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد السوري، لافتاً إلى أن قطاع الطاقة قد يكون من أبرز المستفيدين، مع إمكانية تسهيل تصدير المعدات والمنتجات والخدمات المرتبطة بالقطاع، ولا سيما ما يتعلق بتأهيل حقول النفط.
واعتبر الخبير المصرفي والمالي أن القرار سينعكس كذلك على القطاع المصرفي، إذ ستتمكن البنوك السورية من إقامة علاقات مع المصارف المراسلة، بما يسهل التحويلات البنكية بتكلفة أقل وموثوقية أعلى، ويعزز حركة الحوالات الشخصية والتجارية الواردة والصادرة، إضافة إلى تسهيل تحويلات المستثمرين.
ولفت إلى أن بعض المواد التي كانت تخضع لقيود بسبب إمكانية استخدامها المزدوج “مدني وعسكري” قد تصبح متاحة بصورة أكبر، ما ينعكس على التجارة الخارجية من خلال تسهيل استيراد المواد اللازمة للاقتصاد السوري، ورفع الإنتاج المحلي، ودعم التصدير، وفتح أسواق جديدة.
تدفق الاستثمارات
وحول تأثير القرار على الاستثمار، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور إيهاب اسمندر أن رفع اسم سوريا من قائمة “الدول الراعية للإرهاب” يزيل المانع القانوني أمام تدفق الاستثمار الأجنبي إلى البلاد، لكنه لا يعني تدفق استثمارات فورية، إذ تحتاج السوق السورية إلى استكمال عوامل الثقة وتحسين بيئة الأعمال.
وأوضح اسمندر لصحيفة “الثورة السورية” أن أي استثمار أجنبي مباشر كان قبل القرار يواجه مخاطر التعرض للعقوبات الأميركية، ما شكل عائقاً أمام دخول المستثمرين إلى السوق السورية.
وأضاف أن التمويل الذي كان يصل إلى سوريا، بغض النظر عن هدفه، كان يتطلب علاوة مخاطر قد تصل إلى 20 بالمئة، ما قلّل من الجدوى الاقتصادية للاستثمار، لافتاً إلى أن إلغاء التصنيف يفترض أن يسهم في إزالة هذا العائق.
وأشار إلى أنه بعد دخول القرار حيز التنفيذ النهائي، عقب انتهاء فترة الـ 45 يوماً المخصصة لاطلاع الكونغرس عليه، قد تبدأ سوريا بجذب تدفقات رأسمالية أولية تتركز في قطاعات محددة، أبرزها قطاع الطاقة الذي يحتاج إلى نحو 7 مليارات دولار وفق تقديرات البنك الدولي، وقطاع الاتصالات الذي يحتاج إلى نحو مليار دولار، متوقعاً أن يصل حجم الاستثمار الأجنبي المباشر إلى نحو 3 مليارات دولار خلال السنوات الخمس الأولى.
دخول الشركات الأميركية
فيما يتعلق بإمكانية دخول الشركات الأميركية إلى السوق السورية بعد إلغاء التصنيف، يرى اسمندر أن سوريا تحتاج إلى استكمال رفع العقوبات وتوفير الثقة الكافية بأنها أصبحت بشكل نهائي خارج منظومة العقوبات.
وأشار إلى أن استكمال هذا المسار يتطلب صدور تقرير عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، لتأكيد انتهاء الإجراءات المرتبطة بهذا الملف.
وأوضح أن استقطاب شركات أميركية، ولو بعدد محدود خلال السنوات الخمس المقبلة، سيكون خطوة مهمة لإثبات خروج سوريا فعلياً من منظومة العقوبات الأميركية، وتشجيع مزيد من الشركات والدول على الاستثمار في السوق السورية.
وأضاف أن دخول الشركات الأميركية يحمل أهمية مرتبطة بالخبرة والتكنولوجيا، مشيراً إلى أن شركات النفط الأميركية يمكن أن تسهم في رفع إنتاج الحقول السورية، فيما قد يساعد دخول شركات الكهرباء الأميركية في إعادة تأهيل القطاع، الذي تقدر كلفة إعادة إعمار بنيته التحتية بنحو 50 مليار دولار، إضافة إلى الاستفادة من خدمات ضمان الاستثمار التي تسهم في خفض كلفة تأمين المشاريع.
كما أن دخول بنوك أميركية مراسلة قد يخفض كلفة التحويلات من مستويات تتراوح بين 7 و10 بالمئة في السوق الموازية حالياً إلى أقل من 1 بالمئة، ما يشكل عاملاً أساسياً في تسهيل حركة الأموال وجذب الاستثمارات الكبيرة، وفق اسمندر.
حركة الأموال
حول تأثير رفع اسم سوريا من قائمة “الدول الراعية للإرهاب” على حركة الأموال، قال اسمندر إن هذا الجانب سيكون الأسرع انعكاساً، لكنه سيقتصر في المرحلة الأولى على الحوالات الشخصية والإنسانية.
وأوضح أن تكلفة التحويل إلى سوريا قد تصل حالياً إلى نحو 10 بالمئة من قيمة الحوالة، نتيجة الاعتماد على قنوات غير رسمية بسبب مخاوف البنوك الدولية من العقوبات الأميركية، مشيراً إلى أن إلغاء القرار سيسمح للبنوك الدولية بالتعامل الرسمي مع الجهات والبنوك السورية، ما قد يخفض تكلفة التحويلات إلى نحو 3 بالمئة.
ورأى أن هذا الانخفاض سينعكس مباشرة على دخول السوريين، بما يعادل نحو 200 مليون دولار سنوياً من أصل حوالات تقدر بنحو ملياري دولار.
وأشار اسمندر إلى أن فتح الاعتمادات المستندية لاستيراد السلع كان شبه مستحيل سابقاً، ما أجبر التجار على الدفع نقداً مقدماً وتحمل علاوة مخاطر رفعت أسعار السلع للمستهلك السوري بنسبة تراوحت بين 25 و40 بالمئة.
وأضاف أن عودة البنوك الإقليمية إلى فتح الاعتمادات المستندية يمكن أن تسهم في خفض كلفة استيراد المواد الأساسية، بما يخفف الضغوط التضخمية، لا سيما أن سوريا تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، وتشكل السلع المستوردة نسبة كبيرة من المنتجات المتداولة في الأسواق.
إصلاحات اقتصادية
رغم الأهمية السياسية والاقتصادية لإعلان رفع اسم سوريا من قائمة “الدول الراعية للإرهاب”، فإن انعكاساته الكاملة على الاقتصاد لن تظهر بصورة فورية، إذ إن انتقال سوريا من مرحلة العزلة المالية إلى الاندماج الطبيعي في الاقتصاد العالمي سيواجه عدداً من التحديات المرتبطة بالبيئة القانونية والمصرفية القائمة.
ويأتي في مقدمة هذه التحديات استمرار بعض منظومات العقوبات الأخرى التي لم يشملها قرار رفع التصنيف، إذ لا يعني هذا الإجراء إنهاء جميع القيود الاقتصادية، في ظل بقاء حزم عقابية تستند إلى قوانين وأوامر تنفيذية منفصلة وتطول قطاعات وكيانات وأفراداً محددين.
كما تواجه الأسواق التي تخرج من دائرة العقوبات تحدياً آخر يتمثل في الحذر الذي تبديه المؤسسات المالية الدولية، إذ تميل المصارف العالمية إلى اتباع نهج شديد التحفظ قبل استئناف التعامل مع الأسواق التي كانت خاضعة للقيود، عبر إجراء مراجعات قانونية وإجراءات امتثال مطولة للتأكد من عدم مخالفة أي عقوبات قائمة، وهو ما قد يجعل عودة العلاقات المصرفية مساراً تدريجياً يحتاج إلى وقت لبناء الثقة.
وفي هذا الإطار، يرى سليمان أن الاستفادة الكاملة من هذه الفرصة تتطلب تنفيذ إصلاحات اقتصادية وإدارية تعزز الشفافية، وتحسن بيئة الأعمال، وتدعم استقلالية المؤسسات الاقتصادية، إلى جانب تطوير التشريعات الكفيلة بحماية المستثمرين وتشجيع المنافسة.
واعتبر أن رفع اسم سوريا من قائمة “الدول الراعية للإرهاب”، إذا ترافق مع إصلاحات اقتصادية وسياسات تنموية فعالة، يمثل فرصة مهمة لإعادة بناء الثقة بالاقتصاد السوري، وجذب الاستثمارات، وتحفيز النمو، ووضع البلاد على مسار أكثر استقراراً وازدهاراً خلال السنوات المقبلة.
من جهته، لفت اسمندر إلى أن التأثير الإيجابي الكامل لرفع اسم سوريا من قائمة “الدول الراعية للإرهاب” قد يحتاج إلى فترة طويلة نسبياً تمتد لسنوات، ويرتبط بالظروف المحيطة بسوريا والإجراءات الاقتصادية والإدارية اللازمة.
وأوضح اسمندر أن المرحلة الأولى قد تشهد تحسناً في التحويلات الشخصية والإنسانية، وربما تسهيلات أكبر في التبادل التجاري بين سوريا والعالم، بينما قد يتطلب تطور قطاع الاستثمار سنوات من العمل والجهد حتى يصل إلى النتائج المرجوة.
مكاسب اقتصادية منتظرة
إعادة ربط القطاع المصرفي السوري بالنظام المالي العالمي عبر استعادة العلاقات مع المصارف المراسلة وشبكات التحويلات الدولية، بما يسهل العمليات المالية الخارجية.
خفض تكاليف التحويلات المالية من الخارج نتيجة الانتقال تدريجياً من القنوات غير الرسمية إلى القنوات المصرفية الرسمية، ما يعزز أثر حوالات المغتربين على الاقتصاد المحلي.
تحسين تمويل التجارة الخارجية عبر تسهيل عمليات الاستيراد والتصدير، وتقليل القيود المرتبطة بالتحويلات والاعتمادات المالية.
تقليل مخاطر الاستثمار أمام الشركات الأجنبية بعد إزالة أحد أبرز العوائق القانونية التي كانت تحد من دخول المستثمرين بسبب الخشية من العقوبات.
فتح المجال أمام مشاريع إعادة الإعمار في قطاعات البنية التحتية والعقارات والاتصالات والطاقة، مع إمكانية دخول شركات دولية كانت تتجنب السوق السورية.
تسهيل استيراد المعدات والتكنولوجيا والمواد ذات الاستخدام المزدوج بما يدعم القطاعات الإنتاجية والصناعية والزراعية والطبية.
دعم قطاع الطاقة من خلال إمكانية وصول الشركات المتخصصة إلى المعدات والتقنيات اللازمة لإعادة تأهيل حقول النفط والغاز ومحطات توليد الكهرباء.
فتح قنوات تعاون محتملة مع المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي للحصول على تمويلات أو دعم فني وبرامج إصلاح اقتصادي.
الانتقال من الحظر القانوني الشامل إلى تقييم المخاطر الفردي، بحيث تصبح الشركات والمصارف قادرة على دراسة فرص التعامل مع سوريا وفق معايير الامتثال والمخاطر بدلاً من وجود منع تلقائي.
تعزيز الثقة بالسوق السورية عبر تقليص مخاطر السمعة المرتبطة بالتعامل مع البلاد، ما قد يشجع على عودة الاستثمارات والتبادل التجاري تدريجياً.
ميساء العلي
المصدر: الثورة السورية
