في زمن تتسابق فيه المدن على بناء الأبراج الأعلى والطرق الأسرع والمراكز التجارية الأضخم، يبدو أن سؤالاً أكثر أهمية يفرض نفسه: هل تجعل هذه الإنجازات الحياة أفضل بالفعل؟
في الصين، حيث تتجاور الحداثة المبهرة مع الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المتصاعدة، تبرز مدينة شاوشينغ كحالة لافتة للنظر.

لا تتصدر شاوشينغ قوائم المدن الأكثر ثراءً أو نفوذاً، لكنها تتصدر منذ سنوات تصنيفات «المدينة الأكثر ملاءمة للعيش»، مقدمة نموذجاً مختلفاً يقوم على مزيج من الرفاه النسبي، وانخفاض تكاليف المعيشة، والاستقرار الاجتماعي.
غير أن الاقتراب من هذا النموذج يكشف وجهاً أكثر تعقيداً؛ فخلف الهدوء الظاهر تختبئ تحديات اقتصادية وضغوط تعليمية ورقابة يومية لا تغيب عن المشهد.
تاريخ عريق
تقع شاوشينغ في دلتا نهر اليانغتسي، وتُعرف بتاريخها العريق وقنواتها المائية التي منحتها طابعاً مميزاً عبر القرون. كما تشتهر بنبيذ الأرز التقليدي، وبكونها مسقط رأس الكاتب الصيني الأشهر في القرن العشرين لو شون.
وتستقطب المدينة أعداداً كبيرة من السياح المحليين الذين يلتقطون الصور إلى جانب التماثيل والرسوم الكرتونية المستوحاة من شخصيته، بينما تبدو الجوانب النقدية في إرثه الفكري أقل حضوراً في السرد الرسمي، في انعكاس لطريقة الدولة في إعادة صياغة الرموز الثقافية بما يتناسب مع رؤيتها.
يبلغ عدد سكان المدينة نحو خمسة ملايين نسمة، ما يجعلها مدينة من الفئة الثانية وفق التصنيف الصيني.
مزايا اقتصادية
غير أنها تتمتع بمزايا اقتصادية مهمة بفضل قربها من المراكز الاقتصادية الكبرى، ولا سيما مدينة هانغتشو التي يمكن الوصول إليها خلال ساعة واحدة عبر المترو. هذا الموقع منحها القدرة على الجمع بين مزايا المدن الصغيرة من حيث الهدوء وسهولة التنقل، وبين فرص العمل والازدهار المرتبطة بأحد أكثر الأقاليم الصينية نشاطاً.
تعكس المؤشرات الاقتصادية جانباً من جاذبية المدينة. فمتوسط دخل الفرد بعد الضريبة يبلغ نحو 76.7 ألف يوان سنوياً، أي ما يعادل نحو 80% من متوسط الدخل في شنغهاي المجاورة.
بيد أن أسعار المساكن في شاوشينغ لا تتجاوز ربع الأسعار تقريباً في العاصمة المالية للصين. ويبدو أن هذه المعادلة نجحت في جذب سكان جدد، إذ تستقبل المدينة سنوياً نحو 30 ألف وافد من مناطق أخرى داخل البلاد.
جودة الحياة
يقول بعض المقيمين إن جودة الحياة في شاوشينغ تتفوق حتى على مدن أوروبية عاشوا فيها سابقاً. فالحياة فيها لا تتوقف مبكراً، والشوارع تبقى نشطة خلال المساء، كما أن ثقافة العمل أقل قسوة مقارنة بمدن صينية كبرى تشتهر بساعات العمل الطويلة.
بالنسبة لكثيرين، يمثل ذلك توازناً نادراً بين العمل والحياة الشخصية في بلد يتسم بالمنافسة الحادة.
كما شهدت المدينة خلال العقد الأخير تحسينات كبيرة في بنيتها الحضرية. فقد أعادت تأهيل مناطق قديمة، وخففت من التشوهات العمرانية، وحولت مباني غير جاذبة إلى مرافق ثقافية ومتاحف، إضافة إلى تنظيف الأنهار الملوثة وإنشاء ساحات عامة ومسارات للمشاة وسط الأحياء التاريخية.
وتمنح هذه التحولات المدينة مظهراً أكثر انسجاماً وجاذبية مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات.

الوجه الآخر
بيد أن الوجه الآخر لهذا التنظيم يتمثل في الانتشار الكثيف لأنظمة المراقبة. فالكاميرات موجودة في معظم الأماكن العامة، وهي جزء من الحياة اليومية للسكان. ورغم أن هذا المشهد قد يثير قلق الزائرين من الخارج، فإن كثيراً من السكان ينظرون إليه باعتباره ثمناً مقبولاً مقابل الشعور بالأمان.
حتى بعض المتاجر تعمل ليلاً دون موظفين، معتمدة على أنظمة المراقبة لمنع السرقة وضمان الانضباط.
ومن أبرز نقاط قوة شاوشينغ انفتاحها النسبي على المهاجرين الداخليين مقارنة بالمدن الصينية الكبرى.
في السابق كان تسجيل الأبناء في المدارس العامة يتطلب امتلاك الأسرة لعقار داخل المدينة، لكن السلطات خففت هذه الشروط، وأصبح السكن في منزل مستأجر لمدة ستة أشهر كافياً للحصول على بعض الخدمات الأساسية.
وقد أسهم ذلك في استقطاب مزيد من العمال والأسر الباحثة عن فرص أفضل وتكاليف أقل.
الأكثر راحة للعيش
هذا المزيج من الدخل الجيد وأسعار السكن المعقولة وسهولة التنقل دفع صحيفة «ساوثرن ويكلي» الصينية إلى منح شاوشينغ المركز الأول في تصنيف المدن الأكثر راحة للعيش لأربع سنوات متتالية.
ووفقاً للتقديرات، يحتاج زوجان يحصلان على متوسط الأجور المحلية إلى نحو عشر سنوات فقط لامتلاك منزل، مقارنة بنحو ثلاثين عاماً في شنغهاي. لذلك باتت المدينة تُقدَّم باعتبارها نموذجاً لـ«الحياة ذات الدخل المرتفع والضغوط المنخفضة».
غير أن المدينة ليست جزيرة معزولة عن المشكلات التي تواجه الاقتصاد الصيني. فتباطؤ سوق العقارات ترك آثاراً واضحة على السكان.
ويشير بعض العاملين السابقين في قطاع البناء إلى أن نسبة كبيرة من الوحدات السكنية التي شُيدت خلال السنوات الأخيرة ما تزال خالية، في حين تراجعت أسعار العقارات بنحو 25% في بعض المناطق.
هذا الانخفاض قلّص شعور الأسر بالثراء وأضعف رغبتها في الإنفاق، وهو ما يعكس حالة الحذر التي تسيطر على المستهلكين في أنحاء البلاد.

التحدي الديموغرافي
وتواجه شاوشينغ أيضاً التحدي الديموغرافي ذاته الذي يواجه الصين بأكملها. فمعدلات الإنجاب تتراجع بشكل حاد، خاصة في المناطق الأكثر ثراءً.
ويعزو كثير من الشباب ذلك إلى ارتفاع تكاليف تربية الأطفال وضغوط التعليم والحياة.
ويلاحظ أصحاب المقاهي والأعمال الصغيرة تزايد مظاهر التوتر النفسي بين الزبائن، سواء بسبب الامتحانات أو العلاقات الشخصية أو الضغوط المهنية، ما يكشف أن الهدوء الظاهر لا يلغي الأعباء اليومية التي يعيشها السكان.
وتبرز كذلك مسألة الرقابة الاجتماعية والتنظيم الصارم للحياة العامة. فالمدينة تُدار وفق رؤية تفضّل النظام والاستقرار على العفوية والتنوع.
وتتباهى السلطات المحلية بإنجازاتها في مجال الأمن العام، كما تعتمد أنظمة لمراقبة الضوضاء في عشرات الأحياء السكنية، وتفرض قيوداً على بعض الأنشطة غير المرخصة مثل الأكشاك الشعبية والحانات المفتوحة.
وبينما يرى البعض في هذه السياسات وسيلة لتحسين جودة الحياة، يعتبرها آخرون سبباً في جعل المدينة أقل حيوية وإثارة.
التناقض الصيني المعاصر
وفي الحدائق العامة يقضي المتقاعدون أوقاتهم في لعب الورق والاستمتاع بالأجواء الهادئة، بينما يمضي طلاب المدارس الثانوية ساعات طويلة في الدراسة حتى وقت متأخر من المساء استعداداً للامتحانات المصيرية.
هذه الصورة تلخص جانباً من التناقض الصيني المعاصر: راحة واستقرار للكبار، وضغط متواصل على الأجيال الشابة.
ورغم كل هذه الملاحظات، يظل نموذج شاوشينغ مغرياً بالنسبة إلى دولة تتجه نحو الشيخوخة السكانية وتسعى إلى تحقيق الاستقرار أكثر من البحث عن المغامرة. فالمدينة تخطط لرفع عدد سكانها إلى 6.5 مليون نسمة بحلول عام 2035، مستفيدة من قدرتها على توفير حياة أكثر توازناً من المدن الكبرى.
وربما لا يجد القادمون إليها ملاذاً من كل ضغوط الصين الاقتصادية والاجتماعية، لكنهم سيجدون مدينة منظمة ونظيفة وآمنة، تقدم نسخة من «الحياة الجيدة» كما تراها الصين اليوم: حياة تقوم على الراحة والانضباط والاستقرار، حتى وإن جاء ذلك على حساب شيء من الحرية والعفوية.
المصدر: أرقام- ذي إيكونوميست
