جيل زد .. الخاسر الأكبر في عصر الذكاء الاصطناعي

زمن القراءة: 7 دقائق

في الوقت الذي يُنظر فيه إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره المحرك الجديد للنمو الاقتصادي والإنتاجية، تتكشف على الجانب الآخر قصة مختلفة تماماً، فبينما تتسابق الشركات للاستثمار في التقنيات الذكية وتوسيع مراكز البيانات العملاقة، يجد آلاف الشباب أنفسهم خارج سوق العمل أو أمام فرص مهنية تتقلص بوتيرة متسارعة، وتشير أحدث المؤشرات إلى أن الجيل الذي نشأ في العصر الرقمي قد يكون الأكثر تضرراً من التحول الذي يفترض أنه صُمم لخدمته.

تحسن ظاهري

ورغم أن وتيرة الوظائف التي يقضي عليها الذكاء الاصطناعي شهرياً في الولايات المتحدة بدأت تتراجع، فإن خبراء «غولدمان ساكس» يحذرون من أن هذا التحسن الظاهري قد يخفي واقعاً أكثر تعقيداً، خصوصاً بالنسبة للعاملين الشباب وموظفي المكاتب في بداية مسيرتهم المهنية، قبل شهرين، قدّر اقتصاديون في «غولدمان ساكس» أن الذكاء الاصطناعي يتسبب في فقدان نحو 16 ألف وظيفة أمريكية صافية شهرياً.

أما أحدث تقرير لمؤشر تبني الذكاء الاصطناعي الصادر الجمعة الماضية، فقد خفّض هذا الرقم إلى نحو 11 ألف وظيفة شهرياًـ لكن هذا التراجع لا يعني أن الذكاء الاصطناعي أبطأ تقدمه داخل بيئات العمل المكتبية، بل يعود بدرجة كبيرة إلى الطفرة الهائلة في إنشاء مراكز البيانات اللازمة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها.

مراكز البيانات

ووفقاً لخبيري الاقتصاد في «غولدمان ساكس» سارة دونغ وجوزيف بريغز، أضاف قطاع بناء مراكز البيانات نحو 212 ألف وظيفة منذ عام 2022، ويوفر حالياً قرابة 9 آلاف وظيفة جديدة شهرياً، وتشمل هذه الوظائف فنيي الكهرباء، ومتخصصي أنظمة التكييف والتبريد، والعاملين في مرافق الطاقة، وقطاع الإنشاءات التجارية، غير أن خبراء سوق العمل المتخصصين في قطاع مراكز البيانات يرون أن معظم هذه الوظائف مؤقتة بطبيعتها. فمع انتهاء أعمال البناء والتشييد، تتراجع الحاجة إلى العمالة بشكل كبير.

وتشير تقديرات «مشروع الحافة الأمريكية» إلى أن طفرة مراكز البيانات قد تولد نحو 4.7 مليون وظيفة إنشائية مؤقتة، مقابل نحو 697 ألف وظيفة تشغيلية دائمة فقط، وبمجرد بدء تشغيل هذه المنشآت، تصبح الحاجة إلى القوى العاملة محدودة نسبياً، وتقتصر غالباً على فنيي الخوادم ومهندسي المرافق وأنظمة التبريد، إضافة إلى فرق الأمن والصيانة.

صورة أكثر قتامة

وعند استبعاد الوظائف المرتبطة بالبناء، تبدو الصورة أكثر قتامة داخل القطاعات التي رسخ فيها الذكاء الاصطناعي حضوره بالفعل، مثل التسويق والتصميم الجرافيكي وخدمة العملاء ومعالجة الوثائق وتطوير البرمجيات، فقد أظهرت البيانات أن إعلانات تسريح الموظفين المرتبطة بشكل مباشر باستخدام الذكاء الاصطناعي أسفرت عن فقدان نحو 21.9 ألف وظيفة خلال أبريل الماضي وحده، وهو أعلى رقم شهري يسجله «غولدمان ساكس» منذ بدء تتبع هذه البيانات عام 2023، وبذلك ارتفع إجمالي الوظائف التي أُلغيَت بسبب الذكاء الاصطناعي إلى نحو 136 ألف وظيفة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، كما تزداد أهمية القضية داخل مجالس إدارات الشركات، إذ أظهرت بيانات البنك أن 24% من شركات مؤشر «راسل 3000» ناقشت الذكاء الاصطناعي وتأثيره على العمالة خلال مكالمات إعلان نتائج الربع الأول من عام 2026، وهي نسبة ارتفعت بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة دون مؤشرات على تباطؤها.

تأثير يتجه نحو الشباب

ضمن هذه الصورة العامة، بدأت بيانات «غولدمان ساكس» تكشف نمطاً لافتاً يتعلق بالعمالة الشابة، فقد رصد البنك علاقة إيجابية محدودة بين معدلات تبني الذكاء الاصطناعي ومستويات البطالة بين العاملين الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً عبر قطاعات مختلفة، ورغم أن هذه العلاقة لم تتحول بعد إلى تغير هيكلي واضح في سوق العمل، فإنها تبدو متسقة بما يكفي لدفع البنك إلى مواصلة مراقبتها عن كثب، وتشير الدراسات الأكاديمية التي استند إليها التقرير إلى أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي ترفع الإنتاجية بنحو 23% في المتوسط، غير أن المستفيد الأكبر من هذه المكاسب هم الموظفون الأكثر خبرة وقدرة على توظيف الأدوات الجديدة، بينما تتراجع القيمة النسبية للوظائف التي تعتمد على تنفيذ المهام الروتينية التي بات الذكاء الاصطناعي قادراً على إنجازها.

سوق العمل لا يزال متماسكاً

ورغم هذه التحولات، لا يزال الاقتصاد الأمريكي يُظهر قدراً من الصلابة، فقد توقع اقتصاديون في بنك «يو بي إس» أن يضيف الاقتصاد نحو 95 ألف وظيفة غير زراعية خلال مايو، مع استقرار معدل البطالة عند نحو 4.33%، ويرى البنك أن التأثير الواسع للذكاء الاصطناعي لن يظهر بالضرورة في صورة ارتفاع مستمر للبطالة، بل في سباق متواصل بين الوظائف التي تختفي بفعل الأتمتة والوظائف الجديدة التي تنشأ نتيجة التطورات التقنية، وبحسب التقرير، فإن النتيجة الأكثر ترجيحاً تتمثل في حدوث تغييرات واسعة ومتكررة في طبيعة المهن والوظائف، مع تعرض بعض الفئات المهنية لفترات من الاضطراب وعدم الاستقرار، وفي الوقت الراهن، ما زالت المكاسب التي تحققها الوظائف المرتبطة بالبنية التحتية والإنشاءات تعوض الخسائر المتزايدة في التوظيف بالمستويات المهنية المبتدئة.

وتيرة ثابتة

وتشير بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي التي جمعها «غولدمان ساكس» إلى أن 19.5% من المؤسسات الأمريكية تستخدم الذكاء الاصطناعي حالياً في أنشطتها التشغيلية المعتادة، مقارنة بمستويات أعلى قليلاً في التقرير السابق، فيما تتوقع 22.7% من المؤسسات تبني هذه التقنيات خلال الأشهر الستة المقبلة، وفي المؤسسات التي اعتمدت الذكاء الاصطناعي بالفعل، تتحدث الدراسات عن زيادة متوسطة في الإنتاجية تبلغ 23%، بينما تشير بعض التجارب التي نقلتها الشركات إلى مكاسب قد تصل إلى 33%.

كما يتوقع التقرير أن تشهد قطاعات التصنيع الكيميائي وصناعة المعدات الكهربائية أكبر موجة تبنٍ للتكنولوجيا خلال الفترة المقبلة، ما يعني أن تأثير الذكاء الاصطناعي قد يمتد تدريجياً من الأعمال المكتبية والمعرفية إلى البيئات الصناعية والإنتاجية، وفي النهاية، يبدو أن المنافسة بين الوظائف التي يخلقها الذكاء الاصطناعي وتلك التي يلغيها تزداد احتداماً، فاليوم يستفيد العاملون الذين يبنون مراكز البيانات من موجة الاستثمار الجديدة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا سيحدث عندما تنتهي أعمال البناء؟ وهل سيتمكن الاقتصاد من خلق وظائف جديدة بالسرعة الكافية لتعويض الوظائف التي يواصل الذكاء الاصطناعي الاستغناء عنها؟

المصدر: فورتشن

آخر الأخبار