هدنة للنفط أم فخ للأسواق؟

زمن القراءة: 5 دقائق

في خطوة وُصفت بأنها “الأمل الأخير” لإنهاء أحد أكبر اضطرابات الطاقة في التاريخ الحديث، وقعت الولايات المتحدة وإيران في 17 يونيو مذكرة تفاهم من 14 بندًا تهدف إلى وقف النزاع، وتضمن إعادة فتح مضيق “هرمز”.

وبينما سارع المستثمرون للاحتفاء بالاتفاق مع تراجع أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها في ثلاثة أشهر، ألغيت الجمعة مفاوضات ثنائية بين واشنطن وطهران كان من المقرر عقدها في سويسرا.

ولذلك عاد للأذهان شبح وأد الهدنة في مهدها، لتطرح الأسواق السؤال الجوهري: هل يمثل هذا الاتفاق عودة سريعة للاستقرار، أم أن الطريق نحو تعافي الإمدادات محفوف بتعقيدات تقنية وجيوسياسية قد تطيل أمد الضغوط السعرية؟

        كيف تأثرت الأسواق المالية بهذا الاتفاق؟

سجلت أسواق الأسهم، بما فيها “وول ستريت”، ارتفاعات لمستويات قياسية مع تفاؤل المستثمرين بانتهاء أزمة الإمدادات.

انخفض سعر خام “برنت” بنحو 4% ليصل إلى حوالي 83 دولاراً للبرميل، تزامناً مع تراجع أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا.

هل ستنخفض أسعار النفط بشكل فوري وكبير؟

أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية إعفاءات لتصدير النفط الخام ومشتقاته الإيرانية، ومن المتوقع أن تساهم هذه الخطوة في زيادة المعروض العالمي وتخفيف الضغط على أسعار الخام.

لكن يرى المحللون أن التوقعات بانخفاض حاد في الأسعار غير واقعية في الأجل القصير نظراً لبطء استئناف كامل تدفقات النفط، كما تعاني الأسواق من تقلص المخزونات العالمية إلى مستويات حرجة، ما يحد من سرعة استجابة الأسعار للهبوط.

كيف يبدو وضع تدفقات النفط في مضيق “هرمز” حالياً؟

بدأت بعض الناقلات العملاقة بعبور المضيق مجددًا بعد فترة طويلة من الإبحار ببيانات خفية.

أكد البيت الأبيض عبور أكثر من 12 مليون برميل من النفط عبر المضيق في ليلة واحدة عقب توقيع الاتفاق، وهو أعلى مستوى منذ بدء النزاع.

ما حجم النفط العالق الذي ينتظر الخروج من الخليج؟

تقدر بيانات “كبلر” وجود حوالي 93 مليون برميل من النفط غير الإيراني عالقة داخل الخليج، تنتظر عبور المضيق.

إضافة إلى ذلك، هناك نحو 72 مليون برميل من النفط الإيراني العالق، قد تدخل الأسواق في حال تخفيف العقوبات.

ما دور المخزونات الاستراتيجية في كبح جماح الأسعار؟

استهلكت الدول الكبرى مخزوناتها الاستراتيجية بمعدل 5.3 مليون برميل يومياً بين آذار وأيار لتغطية العجز الناجم عن الأزمة.

تعتزم العديد من الدول حاليًا تعزيز هذه المخزونات، ما قد يعوض انخفاض الطلب الفوري ويحافظ على تماسك الأسعار.

ما هو الجدول الزمني المتوقع لتعافي الإمدادات؟

تشير تقديرات شركات استخبارات التجارة مثل “كبلر” إلى أن استعادة 80% من تدفقات الطاقة قد تستغرق حتى نهاية الربع الثالث من 2026.

تحتاج شركات الشحن إلى وقت لضمان سلامة الممرات البحرية وتوفير التغطية التأمينية اللازمة للناقلات.

هل سيعود الإنتاج النفطي إلى مستويات ما قبل الحرب؟

تضررت بعض البنية التحتية الأساسية، مثل محطة “رأس لفان” للغاز الطبيعي المسال، ما يعيق سرعة استعادة كامل الطاقة الإنتاجية.

تتطلب عمليات إعادة تشغيل المصافي ومرافق المعالجة فترة زمنية تقنية قبل بلوغ طاقتها القصوى.

ما هي التحديات التقنية التي تواجه إعادة فتح المضيق؟

لا يزال خطر الألغام البحرية يمثل تهديداً ملموساً للملاحة، ما يستلزم عمليات مسح دقيقة قبل ضمان المرور الآمن.

لا تزال كبرى شركات الشحن العالمية مثل “ميرسك” تتخذ موقفاً حذراً في انتظار تأمين الممرات المائية، وتسعى الشركات لإخراج سفنها العالقة في الخليج بمجرد الانتهاء من عمليات مسح الألغام.

لماذا يخشى الخبراء من عدم استدامة الاتفاق؟

يفتقر الاتفاق لآليات تنفيذ إلزامية، ما يجعل الأطراف قادرة على التراجع عن التزاماتها بسهولة.

هدد الرئيس “ترامب” باستئناف العمليات العسكرية حال حدوث أي انتهاك للاتفاق، ما يغذي المخاطر الجيوسياسية.

كيف سيؤثر الاتفاق على حرب لبنان؟

يشمل الاتفاق وقف العمليات العسكرية في الجبهة اللبنانية وضمان سيادة الأطراف، بينما أعلن مسؤولون إسرائيليون أن الاتفاق لا يلزم تل أبيب بأي تعهدات أمنية.

تؤكد الحكومة الإسرائيلية استمرار تركيزها على تفكيك البنية العسكرية لـ”حزب الله”، ولذلك تمثل هذه النقطة تعقيداً لمسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية.

ما هي التوقعات الاقتصادية لنهاية العام؟

تتوقع المؤسسات المالية عودة مستويات الإمدادات والأسعار إلى طبيعتها بنهاية العام الجاري.

يرتبط السيناريو الإيجابي بمدى التزام الأطراف ببنود الاتفاق النهائي بعد انقضاء فترة الـ60 يوماً.

نهاية المطاف

يمثل اتفاق 17 حزيران بارقة أمل لإنهاء أزمة إمدادات النفط التي هزت الأسواق العالمية، إلا أن التعافي الاقتصادي يظل رهيناً بالاستقرار الأمني الميداني وإزالة العوائق الجيوسياسية.

وبالنسبة للمستثمرين، فإن الانخفاض الأخير في أسعار النفط يعد مؤشراً إيجابياً، لكن التقلبات ستظل قائمة حتى تتضح معالم استدامة الاتفاق وانسيابية حركة ناقلات النفط عبر مضيق “هرمز”.

ولذلك سيظل نجاح هذا التفاهم مرهوناً بقدرة الطرفين على معالجة الملفات العالقة، خاصة البرنامج الصاروخي والأمن الإقليمي، وهي قضايا تتجاوز في تعقيدها مجرد فتح الممرات المائية.

المصادر: أرقام – رويترز – فورتشن – سي إن بي سي – بي بي سي – ذا جارديان – كاونسل أون فورين ريليشنز – دويتشه فيله.

آخر الأخبار