في ظل الأزمات والصراعات المتلاحقة التي يشهدها العالم على الدوام، ومع استمرار حالة التجاذبات والتكتلات من دون الاستقرار على تحالفات ثابتة بمعناها الناجز، إذ تكون هذه التحالفات ثابتة بين بعض الأطراف ومتحولة مع أطراف أخرى، وأحيانا تتصارع الأطراف ضمن المحور ذاته، كما في العلاقة المتوترة التي حكمت ضفتي الأطلسي بعد تولي الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحكم للمرة الأولى بين عامي 2016 و2020، واستمرار العلاقة متوترة في الولاية الثانية الراهنة، يصبح البحث عن نقاط التوافق والالتقاء، في سياق الأزمة الراهنة في الشرق الأوسط، ضرورة لا غنى عنها.
وإذا كانت الصراعات والتجاذبات تحكم العلاقات الدولية بطبيعة الحال، فإن منطق “رابح – رابح” يبرز هنا بوصفه مدخلا للبحث عن التوافقات، لا عن ربح طرف دون آخر، في ظل منطقة شديدة الحساسية والتعقيد والتداخل في العلاقات بين الدول. فمهما بدت التنافرات، فإن المصلحة الاقتصادية على وجه الخصوص تعيد التوازن إلى حد ما، وعلى سبيل المثال لا الحصر، يمكن النظر إلى الصين وأميركا، إذ تتعلق الخلافات التجارية بين الطرفين بالرسوم الجمركية والرقائق والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة، لكن الأرقام تشير إلى أن العلاقة التجارية بين البلدين تظل حجر زاوية في الاقتصاد العالمي، إذ بلغ حجم تجارة السلع والخدمات بينهما 658.9 مليار دولار في عام 2024، قبل أن تهبط تجارة السلع وحدها إلى 414.7 مليار دولار في عام 2025، حسب بيانات مكتب الممثل التجاري الأميركي.
في حالة الدول الخارجة من صراعات أو الواقعة في أزمات، يشوب الحديث وفق مبدأ “رابح – رابح”، رغم وضوحه وأهميته، بعض التساؤلات والتكهنات حول ما إذا كان يلقى مجالا للتطبيق العملي، أم أنه مصطلح للاستهلاك الإعلامي، وما إذا كانت ترجمة الربح تقتصر على الدولة الأقوى؟ وكيف يمكن لدولة كسوريا، خارجة من حرب، أن تكون جزءا من هذه المعادلة وهذا المبدأ في العلاقات الدولية؟
وبالنظر إلى الحرب على إيران والتحولات العميقة التي أنتجتها، لا بد أن يأخذ مبدأ “رابح – رابح” مساره الحقيقي من حيث إعادة تعريف العلاقات الدولية بوصفها علاقات تقوم على التعاقد لا الصراع، وبالتالي التأسيس لفكرة الربح الجماعي، شرط عدم إلغاء الخصوصية، وإنما تنظيمها. وبمعنى آخر: التأسيس لعلاقات دولية تعددية، تعترف بالأطراف الأخرى كشريكة وليست تابعة.
والبناء على هذا المبدأ في العلاقات الدولية راهنا يستدعي تجاوز اختلال موازين القوى بين الدول وتفاوت القدرات، حتى لا يطمس هذا المبدأ لصالح التبعية والمكاسب الأحادية. وإذا تم تجاوز ما سبق ذكره، يمكن مواجهة التحديات المشتركة، ومن ثم تحويلها إلى فرص، وإيجاد أرضية للتبادل والتعاون وتحقيق التنمية.
سوريا وتركيا: رابح – رابح
الإشارة إلى هذا المبدأ تجاه سوريا أتت من تركيا، إذ قال السفير التركي لدى دمشق، نوح يلماز، إن علاقات بلاده مع سوريا في المرحلة الجديدة تستند إلى مبدأ “رابح – رابح”، مشيرا إلى أن تحقيق الاستقرار الدائم في سوريا يمر عبر تعزيز الازدهار الاقتصادي والتنمية.
وخلال مشاركته في قمة الأناضول لاقتصادات المدن بولاية غازي عنتاب، أوضح يلماز أن تركيا تمثل بوابة سوريا إلى الأسواق العالمية والأوروبية، فيما تشكل سوريا ممرا لوجستيا استراتيجيا لتركيا نحو دول الشرق الأوسط والخليج العربي، حسبما نقلت وكالة الأناضول.
وأضاف أن المصالح المشتركة والتكامل الاقتصادي بين البلدين يشكلان أساس المرحلة المقبلة، مؤكدا أن مبدأ المنفعة المتبادلة سيكون الركيزة الرئيسية في العلاقات السورية – التركية.
وشدد يلماز على أن تعزيز العلاقات الاقتصادية بين أنقرة ودمشق من شأنه أن يسهم في دعم الاستقرار الإقليمي وتحقيق التنمية المستدامة، لافتا إلى أن المرحلة الحالية تتيح فرصا واعدة لتوسيع آفاق التعاون بما يخدم مصالح البلدين ويعزز الروابط الاقتصادية بينهما.
ولفت السفير التركي، في السياق، إلى أن إعادة إعمار سوريا ستفتح مجالات جديدة للصادرات والاستثمارات والخدمات اللوجستية التركية، في حين تمثل الخبرة ورأس المال والتكنولوجيا التركية فرصة كبرى لتعافي الاقتصاد السوري وزيادة فرص العمل، مشيرا إلى أهمية التركيز على قطاعات البنية التحتية ومواد البناء والطاقة، وبين أن سوريا تشهد تغيرات متسارعة في القوانين والأنظمة المتعلقة بالجمارك والحوافز الاستثمارية.
وقال: “الاستثمار في سوريا يعني الإسهام في رفاه سوريا والمنطقة، كل مصنع سيتم افتتاحه، وكل استثمار جديد، وكل شاحنة تنقل البضائع، ستوفر فرص عمل وأملا جديدا لسكان المنطقة”، مؤكدا أن الدولة التركية ستواصل توفير بيئة استثمارية آمنة عبر كل إمكاناتها الدبلوماسية.
المصالح المتبادلة
لا يخفى على أحد أن مبدأ السياسة الخارجية التركية بات موسوما بمنطق “تركيا أولا”؛ أي مبدأ المصلحة قبل كل اعتبار، لكن بخلاف مبدأ “أميركا أولا”، تؤسس أنقرة هذا المبدأ وفق المصالح المتبادلة؛ “رابح – رابح”. وهذا، حسب مراقبين، طبيعي بحسبان أنها دولة إقليمية تعتمد استراتيجية التعاون مع الدول الأخرى، وليس الاستتباع كما تفعل واشنطن.
ومنطق “رابح – رابح” هو تصور أخلاقي – سياسي يعيد بناء العلاقات بين الدول على أساس التعاون المتكافئ، حيث تحقق جميع الأطراف مكاسب حقيقية دون أن تكون مصلحة طرف مشروطة بخسارة الآخر.
إنه نموذج يناهض منطق الهيمنة والصراع، ويؤسس لفكرة أن العدالة الدولية لا تتحقق إلا حين توزع المنافع بشكل منصف، ويحترم استقلال القرار، وتراعى الكرامة الإنسانية في كل شراكة.
ويرى محللون أنه رغم الطابع الأخلاقي – التشاركي الذي يبشر به منطق “رابح – رابح”، فإن النظر إليه من زاوية نظرية المركز والأطراف، كما بلورها المفكر الاقتصادي المصري سمير أمين، يكشف عن مفارقة جوهرية. فالنظام الاقتصادي العالمي لا يدار بمنطق التوازن، بل بمنطق الاستقطاب البنيوي، حيث تراكم دول المركز، مثل الولايات المتحدة وأوروبا والصين، الثروة والقرار، بينما تدفع دول الأطراف إلى مواقع التبعية والاختزال.
ويرى سمير أمين أن العولمة ليست مجرد توسع اقتصادي، بل إعادة إنتاج للهيمنة عبر آليات السوق والدين الخارجي والتحكم في التكنولوجيا وتحديد شروط التبادل. وهذا ما يضعف إمكانية تطبيق منطق “رابح – رابح” في ظل بنية عالمية تعيد إنتاج “رابح – خاسر” بشكل ممنهج، حتى حين تستخدم لغة التعاون.
ومن هذا المنظور، حسب المحللين، فإن منطق “رابح – رابح” لا يمكن أن يتحقق إلا إذا تم تفكيك المركزية العالمية، وإعادة بناء العلاقات الاقتصادية على أساس الاستقلال الإنتاجي والسيادة التنموية والتحرر من شروط التبادل غير المتكافئ. وهذا يتقاطع مع المقاصد الإسلامية التي تؤصل للعدالة في التوزيع، ورفع الحيف عن المجتمعات المستضعفة، ورفض الاستغلال البنيوي.
ويشير الكاتب والباحث السياسي، الدكتور ماهر التمران، إلى أن طرح السفير التركي مبدأ “رابح – رابح” ليس مجرد مصطلح دبلوماسي متداول، بل يشير إلى تحول في طريقة إدارة العلاقات بين الدول في الشرق الأوسط. فبعد سنوات طويلة من الصراعات والاستقطابات، بدأت العديد من القوى الإقليمية تدرك أن كلفة النزاعات المستمرة أصبحت أعلى بكثير من كلفة التعاون، وأن تحقيق المصالح لم يعد يمر بالضرورة عبر إضعاف الطرف الآخر.
ويوضح التمران، في حديث لـ”الثورة السورية”، أنه في العلاقات الدولية لا يعني مبدأ “رابح – رابح” أن تتخلى الدول عن مصالحها أو تعمل بدوافع أخلاقية، فالدول في النهاية تتحرك وفق حسابات المصلحة الوطنية. لكن الفكرة الأساسية هي إيجاد مساحة مشتركة تحقق لكل طرف مكاسب تجعله أكثر حرصا على استقرار العلاقة من الدخول في صراع جديد. وبمعنى آخر، يتحول التعاون إلى مصلحة متبادلة، وليس مجرد خيار سياسي مؤقت.
داخل القراءة السياسية
في الحالة السورية، يبين التمران أن هذا الطرح يحمل أبعادا تتجاوز العلاقات الثنائية. فتركيا تدرك أن سوريا المستقرة اقتصاديا وأمنيا تخدم مصالحها المباشرة، سواء من خلال تأمين الحدود، أو إعادة تنشيط طرق التجارة البرية نحو الدول العربية، أو خلق ظروف تسمح بمعالجة ملف اللاجئين، فضلا عن فتح أسواق جديدة أمام الشركات والاستثمارات التركية. وفي المقابل، تحتاج سوريا في مرحلة إعادة البناء إلى شركاء اقتصاديين وإقليميين قادرين على المساهمة في تحريك عجلة الاقتصاد وربطها مجددا بالأسواق المجاورة.
وتكمن القراءة السياسية الأعمق لهذا الخطاب، حسب الباحث السياسي، في أن المنطقة تشهد تحولا من صراع النفوذ العسكري إلى منافسة النفوذ الاقتصادي. فالقوة اليوم لا تقاس فقط بالقدرة العسكرية، بل أيضا بالقدرة على بناء شبكات من المصالح الاقتصادية والتجارية تجعل الاستقرار خيارا مربحا للجميع. ومن هذا المنطلق، فإن الحديث التركي عن التنمية والازدهار في سوريا يمكن فهمه باعتباره جزءا من رؤية تعتبر أن الاستثمار في الاستقرار السوري هو استثمار في الأمن القومي والمكانة الإقليمية لتركيا نفسها.
ويخلص الدكتور التمران إلى القول إن مبدأ “رابح – رابح” لن يقاس بالتصريحات السياسية، بل بقدرة الطرفين على تحويل المصالح المشتركة إلى تفاهمات عملية، فالخطاب يعكس براغماتية سياسية أكثر مما يعكس تحولا أيديولوجيا.
فتركيا وسوريا، مثل غيرهما من الدول، تدركان أن البيئة الإقليمية الجديدة تفرض البحث عن صيغ للتعاون بدلا من إدارة الصراعات المفتوحة. وفي هذا السياق، يصبح مفهوم “رابح – رابح” محاولة لإعادة تعريف العلاقة على أساس أن استقرار سوريا وازدهارها ليس مكسبا لسوريا وحدها، بل قد يكون مدخلا لإعادة تشكيل توازنات إقليمية تحقق مصالح مشتركة للطرفين وتقلل من كلفة الصدام المستمر.
رابح – رابح ومبادرة البحار الأربعة
بدورها، أشارت سوريا إلى هذا المبدأ، وإن بطريقة غير مباشرة، عبر مبادرة البحار الأربعة التي طرحها الرئيس أحمد الشرع خلال مشاركته في قمة الاتحاد الأوروبي الطارئة، التي عقدت في العاصمة القبرصية نيقوسيا تحت عنوان “إنقاذ الصيف”. والمبادرة، إن أحسن استثمارها ووجدت طريقها إلى التنفيذ، وإن كان المسار طويلا، ينطبق عليها مبدأ “رابح – رابح”، فالطرح السوري يقوم أساسا على المبدأ المذكور.
وحسب ما أعلنه الرئيس الشرع في تلك القمة، فإن المبادرة تتضمن تسعة ممرات متعددة الأغراض، تهدف إلى جعل سوريا “شريانا بديلا وآمنا” يربط بين منطقة الخليج العربي وأوروبا، عبر استغلال موقعها الجغرافي الفريد كحلقة وصل طبيعية بين القارات.
والمبادرة رؤية طموحة لإعادة تعريف دور سوريا في النظام الاقتصادي الإقليمي والدولي، وتحويلها من دولة عبور تقليدية إلى مركز محوري في حركة الطاقة والتجارة بين الشرق والغرب. وتقوم على إنشاء شبكة ربط متكاملة بين أربعة بحار رئيسية في الشرق الأوسط، ضمن منظومة نقل متكاملة، وتهدف إلى تحويل سوريا وتركيا إلى مركز إقليمي محوري في حركة الطاقة والتجارة العالمية.
ويقوم المشروع على فكرة ربط أربعة مسطحات مائية، هي: الخليج العربي وبحر قزوين والبحر المتوسط والبحر الأسود، ضمن منظومة نقل متكاملة تربط بين آسيا وأوروبا.
ووفقا للخبراء، تقوم فكرة المشروع على ثلاثة مسارات رئيسية ضمن إطار متكامل.
المسار الخليجي – العراقي – السوري، الذي يربط حقول النفط والغاز في الخليج العربي بالموانئ السورية على البحر المتوسط عبر الأراضي العراقية، ما يختصر المسافة نحو أوروبا بشكل كبير.
المسار الثاني: بحر قزوين – تركيا – المتوسط، الذي يربط احتياطات آسيا الوسطى بأوروبا عبر تركيا، ويعزز دورها كممر رئيسي للطاقة.
المسار الثالث: الربط مع البحر الأسود وأوروبا الشرقية، الذي يسمح بدمج الشبكة مع البنية التحتية الأوروبية بشكل مباشر.
تحول استراتيجي
يرى المحلل السياسي جابر سلامة أنه عندما نتحدث عن مبدأ “رابح – رابح” في العلاقات الدولية، وفي المرحلة الجديدة التي أشار إليها السفير التركي، فإننا نتحدث عن تحول استراتيجي في طريقة التفكير، حيث تصبح سوريا شريكا فاعلا، وليس مجرد ساحة لتصفية الحسابات أو سوقا استهلاكية لاقتصادات الآخرين.
ويقول سلامة، في تصريح لـ”الثورة السورية”، إن تحقيق مبدأ “رابح – رابح” مع سوريا يتحقق عبر أطر متعددة ومتكاملة، أولها الاقتصاد، حيث تستفيد سوريا من الخبرات التركية في إعادة الإعمار والبنى التحتية والصناعة، في حين تستفيد تركيا من موقع سوريا الجغرافي كبوابة نحو الأسواق العربية وإعادة تفعيل طرق التجارة التاريخية التي تمر عبر الأراضي السورية، مما يخلق حراكا اقتصاديا يعود بالنفع على الجانبين.
ومن ناحية أخرى، فإن الهاجس الأمني أساسي لأي تعاون مستقبلي، ويوضح سلامة أنه عندما تتعاون الدولتان في ضبط الحدود ومكافحة ما يهدد أمنهما القومي، فإن السوريين ينعمون باستقرار يعيد بناء مؤسسات الدولة وثقة المواطن، والأتراك يضمنون أمن حدودهم الجنوبية ويخلقون عمقا استراتيجيا آمنا، وهذا بحد ذاته مكسب لا يقدر بثمن للطرفين لأنه يسمح بتوجيه الموارد نحو التنمية.
المفتاح الحقيقي
وأشار المحلل السياسي إلى أن تحقيق الازدهار الاقتصادي والتنمية، الذي ربطه السفير التركي بالاستقرار الدائم، هو المفتاح الحقيقي لمبدأ “رابح – رابح”. فعندما تتدفق الاستثمارات ويعاد إعمار المدن وتفتح المصانع وتتحرك عجلة الزراعة والصناعة في سوريا، فإن المواطن السوري، الذي سيجد فرصة عمل ويحصل على دخل ويشعر بالأمان على مستقبله، هو الرابح الأكبر، أما تركيا فتربح عبر شركاتها ومقاوليها، وعبر سوق تصديرية ضخمة على حدودها، وعبر تخفيف أعباء ملف اللاجئين بعودتهم الطوعية الآمنة إلى مناطق أعيد إعمارها وأصبحت قابلة للحياة.
ويخلص سلامة إلى القول إن هذا المبدأ في العلاقات الدولية يعني تحويل التحديات المشتركة إلى فرص مشتركة، وتحويل الحدود من خطوط تماس واشتباك إلى جسور للتبادل والتعاون، وعندما تنجح هذه المعادلة يصبح السلام القائم على المصالح المتبادلة هو الضمانة الأهم للاستقرار الدائم بدلا من السلام الهش القائم على الإملاءات أو الضغوط المؤقتة، وهذا هو جوهر الرؤية التي عبر عنها السفير التركي، والتي تفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها الأساس أننا جميعا ننجح معا أو نخسر معا.
هبا أحمد
المصدر: الثورة السورية
