قصة الدولار في سوريا… بين الاستثناء والضبط النقدي

زمن القراءة: 11 دقائق

تشهد آليات تنظيم العمل بالعملات الأجنبية في سوريا حالة من التباين الإجرائي بين الجهات الحكومية، ما يفرض واقعاً تشغيلياً جديداً على المنظمات الدولية العاملة في الشأن الإنساني والتنموي.

ويبرز هذا التباين من خلال مذكرات رسمية وتعاميم مصرفية عكست وجهات نظر مختلفة في إدارة الكتلة النقدية الأجنبية، فبينما تتجه الدبلوماسية السورية نحو منح تسهيلات زمنية ومكانية للمنظمات لضمان استمرارية مشاريعها، يضع المصرف المركزي ضوابط تقنية تُلزم باستخدام العملة المحلية في مفاصل محددة من العمليات المالية. هذا التداخل في الصلاحيات والقرارات يفتح باباً للنقاش حول سبل مواءمة الحاجة لضبط السيولة النقدية مع متطلبات العمل الإغاثي الدولي.

تسهيلات صورية وقيود نقدية

في التفاصيل، منحت وزارة الخارجية والمغتربين المنظمات الدولية استثناءً إضافياً يمتد لستة أشهر، يتيح لها استخدام الدولار الأمريكي في التسويات التعاقدية والمدفوعات، وهي خطوة تهدف في جوهرها إلى تذليل العقبات أمام البرامج التنموية الطويلة الأمد. ومع ذلك، جاءت تعليمات مصرف سوريا المركزي لترسم حدوداً دقيقة لهذه الاستثناءات، إذ ألزم المصارف والمنظمات بصرف رواتب الموظفين المحليين بالليرة السورية حصراً، مع اشتراط الدفع بالعملة المحلية للموردين في العقود الموقعة بعد منتصف أيار الجاري، هذا المسار المزدوج يعكس محاولة لموازنة كفتي الميزان بين الانفتاح على المنظمات الدولية والحفاظ على استقرار العملة الوطنية في السوق المحلية.

قانونياً.. لمن الغلبة؟

يعتبر المحامي والباحث الحقوقي المعتصم الكيلاني أن قرار مصرف سورية المركزي قد عطّل عملياً مفعول تعميم وزارة الخارجية، مع صعوبة اعتباره إلغاءً ضمنياً كاملاً بالمعنى القانوني الدقيق، ذلك أن الإلغاء الضمني في القانون الإداري السوري يفترض وجود تعارض كامل بين قرارين صادرين ضمن المجال نفسه ومن سلطة مختصة بالموضوع ذاته، وهو ما لا ينطبق تماماً هنا لأن كل جهة تتحرك ضمن اختصاص مختلف ظاهرياً.

فبينما تدير وزارة الخارجية العلاقة مع البعثات والمنظمات الدولية وتمنح تسهيلات ذات طابع دبلوماسي، يمتلك المصرف المركزي الاختصاص الأصيل في تنظيم السياسة النقدية والقطع الأجنبي داخل الأراضي السورية، ولهذا قد يُجادل المركزي بأنه لم يُلغِ استثناء الخارجية بل وضع حدوداً لكيفية تنفيذه، بحيث تستطيع المنظمات تلقي تمويلها بالدولار، لكن دفع الرواتب والعقود الداخلية يجب أن يتم بالليرة السورية باعتبارها العملة الوطنية الملزمة قانوناً في التداول الداخلي، وهو تفسير ينسجم مع نهج السلطات السورية الذي تساهل أحياناً في حيازة العملات الأجنبية مقابل تشدد كبير في استخدامها كوسيلة دفع في السوق المحلية.

ومن الناحية القانونية البحتة، يوضح الكيلاني أن كفة المصرف المركزي تبدو أرجح في هذا السياق، نظراً لأن قانون النقد الأساسي يمنحه صلاحيات واسعة في حماية العملة وتنظيم التداول، بينما لا تملك وزارة الخارجية سلطة تعديل قواعد النظام النقدي أو تعطيل القيود المفروضة على الدولار إلا بمرسوم أو قرار حكومي أعلى يجيز ذلك صراحة.

ومن هنا يُفهم كيف يمكن منح استثناء لمدة ستة أشهر ثم تفريغه من مضمونه بعد أسابيع قليلة، إذ تظل السلطات متمسكة بأن الاستثناء قائم شكلياً، لكن آليات التنفيذ أصبحت خاضعة لتعليمات المركزي، وهذا ما يضع المنظمات أمام إشكالية في “الأمن القانوني” وحقها في توقع استقرار القواعد وعدم تبدلها بصورة مفاجئة تؤدي إلى خسائر أو اضطراب تعاقدي.

وبالرغم من أن توصيف الأمر على أنه “فخ قانوني” يعد قراءة تحليلية أكثر منها توصيفاً قانونياً، فإن التناقض بين الوثيقتين وفقاً للكيلاني يكشف بوضوح عن ازدواجية تنظيمية تضع المنظمات في وضع شبه مستحيل بين الامتثال لتسهيلات الخارجية والقيود الصارمة للمركزي.

ويختم المحامي والباحث الحقوقي بالإشارة إلى أن النقطة الأكثر حساسية قانونياً تتعلق باتفاقيات المقر التي تمنح المنظمات استقلالاً مالياً وإدارياً يشمل حرية إدارة الأموال واستخدام العملات الأجنبية لتنفيذ برامجها، وإذا كانت هذه الاتفاقيات مصدقاً عليها أصولاً أو معترفاً بها ضمن التزامات سورية الدولية، فإنها تملك قوة قانونية تتجاوز التعاميم الإدارية.

لكن الإشكال يبرز في أن الدولة قد تفسر هذه الاتفاقيات بشكل ضيق يعتبر أن حق تلقي الأموال لا يمنح تلقائياً حق دفع الرواتب أو العقود الداخلية بغير الليرة السورية، ما يولد توتراً قانونياً حقيقياً حول ما إذا كانت المدفوعات التشغيلية جزءاً من الاستقلال المالي المكفول دولياً أم أنها تخضع حصراً لقواعد السيادة النقدية للدولة، وهو التوجه الذي ترجحه السلطات السورية بوضوح حتى لو أدى لتقييد الامتيازات الممنوحة سابقاً للمنظمات الدولية.

تآكل قيمة المساعدات

يرى مراقبون أن هذا التفاوت في الآليات الإجرائية قد يؤدي إلى نشوء تحديات إدارية تتعلق بكيفية مواءمة العقود المبرمة مع الموردين المحليين مع تعليمات المصرف المركزي، وبالرغم من السماح بتسعير العقود بالدولار كقيمة مرجعية، إلا أن إلزامية الدفع بالليرة السورية تفرض على الموردين والمنظمات إجراء حسابات دقيقة لفروق الصرف المحتملة، وتظهر البيانات الميدانية أن هذا الواقع يتطلب تنسيقاً عالياً لضمان عدم تأثر القوة الشرائية للمخصصات المالية المرصودة للمشاريع، خاصة في ظل تقلبات الصرف التي قد تظهر بين تاريخ توقيع العقد وتاريخ الصرف الفعلي، ما يجعل من إدارة المخاطر المالية جزءاً أساسياً من عمل المنظمات في المرحلة الحالية.

جزر منعزلة وتخبط مؤسساتي

أما من وجهة نظر الخبير الاقتصادي يونس الكريم، فإن التناقض بين التسهيلات التي تمنحها وزارة الخارجية السورية وبين التشدد الذي يفرضه المصرف المركزي يعكس صراعاً في الأولويات داخل مؤسسات الدولة، إضافة إلى غياب التنسيق بين الجهات المعنية بالسياسات الاقتصادية والمالية، وفق وصفه.

ويشير الكريم إلى أن ملف التسهيلات يُدار من قبل وزارة الخارجية بشكل كامل ومستقل عن المصرف المركزي، في وقت تبدو فيه السياسة النقدية للمركزي غارقة في تشعّبات مع مؤسسات وهيئات متعددة، مثل الصندوق السيادي، وهيئة المنافذ البرية والبحرية، ووزارات الطاقة والمالية والاتصالات، إضافة إلى هيئة الاستثمار وغيرها من الجهات التي تتعامل بالقطع الأجنبي خارج قنوات المصرف المركزي المباشرة. 

ويؤكد الكريم أن المركزي لم يعد الجهة الوحيدة التي تضع السياسة النقدية أو تمتلك القرار المالي النهائي، إذ أصبحت المؤسسات التي توقّع العقود والاتفاقيات الاقتصادية تمتلك بدورها جزءاً من سلطة إدارة الموارد الأجنبية، في الوقت نفسه، يواصل المركزي تطبيق سياسات تقوم على “تجفيف السيولة” والتضييق على التعامل بالدولار في محاولة لضبط التضخم والحفاظ على استقرار سعر الصرف، إلا أن هذه السياسات-بحسب الكريم- تُنفذ في ظل غياب التنسيق مع الهيئات الحكومية الأخرى التي لا تدرك طبيعة هذا الدور أو لا تنسجم معه، الأمر الذي جعل السياسات الحكومية تبدو وكأنها “جزر منعزلة”، تعمل كل منها وفق أولويات مختلفة.

وعن وجود حالات مشابهة، يشير الخبير الاقتصادي إلى تجربة لبنان في العام 2019، حين أكدت السلطة السياسية التزامها بحماية حقوق المودعين وتشجيع الاستثمارات، في الوقت الذي أصدر فيه مصرف لبنان تعاميم تقنية، مثل التعميمين 158 و166 هدفت عملياً إلى تقييد السحوبات وإدارة السيولة، وهو ما اعتبره كثيرون التفافاً غير مباشر على الوعود السياسية والسيادية، كما يستشهد الكريم بحالة مصر، حين منحت الدولة تسهيلات وامتيازات للمستثمرين، بينما فرض البنك المركزي قيوداً وإجراءات معقدة لتنظيم خروج الأموال، من بينها ما عُرف بـ “النموذج رقم 4″، الذي تحول إلى أداة بيروقراطية أعاقت حركة رؤوس الأموال وأخضعتها لمسارات إدارية طويلة.

لكن الحالة السورية تختلف عن هاتين التجربتين، لأنها، بحسب الكريم، لا تعاني فقط من التناقض بين القرار السياسي والسياسة النقدية، بل من غياب شبه كامل للتنسيق المؤسسي. ويضيف الكريم: “إن تداخل الصلاحيات بين وزارات الخارجية والمالية والجهات المشرفة على المعابر والمنافذ الحدودية خلق حالة من الفوضى الإدارية، بحيث أصبحت المؤسسات تتدخل في مهام بعضها البعض دون مرجعية واضحة”.

وعليه، يعتبر الخبير الاقتصادي أن سوريا تعيش اليوم حالة من “المأسسة العشوائية”، مشيراً إلى أن “العمل مع المنظمات الدولية، ولا سيما تلك ذات الطابع الإغاثي، كان خلال عهد نظام الأسد سابقاً بمثابة رئة اقتصادية للحكومة، إذ ساهم في ضخ القطع الأجنبي إلى السوق، وكسر جزء من آثار العقوبات، وفي تلك المرحلة، لم تكن وزارة الخارجية تتدخل بصورة مباشرة في إدارة هذه التدفقات أو الرقابة عليها بالشكل القائم اليوم”. أما حالياً، فيرى الكريم أنَّ سعي وزارة الخارجية إلى فرض رقابة مباشرة على هذا الملف “أدى عملياً لإضعاف تدفق القطع الأجنبي نحو المركزي”.

ويقول الكريم: إنَّ “الليرة السورية والقطع الأجنبي باتا معاً في حالة شح داخل السوق، ليس فقط بسبب ضعف الإنتاج أو العقوبات، بل أيضاً نتيجة قيام جهات حكومية بسحب القطع الأجنبي والاحتفاظ به خارج قنوات المصرف المركزي، ما خلق حالة من التضخم المزدوج في الليرة والدولار معاً، ورفع مستوى التنافس داخل السوق السوداء لتأمين الالتزامات والمدفوعات”. 

كما يحذر الكريم من أن استمرار نقص السيولة والقطع الأجنبي يدفع الاقتصاد تدريجياً نحو الركود، لافتاً إلى أن بعض التجار بدأوا مؤخراً بتسوية أثمان بضائعهم وتحويلاتها المالية عبر شبكاتهم التجارية الخارجية خارج سوريا، بدلاً من المرور عبر القنوات المحلية الرسمية، ويشير إلى أن هذه الظاهرة ليست جديدة بالكامل، إذ شهدت سوريا ممارسات مشابهة خلال “عهد نظام الأسد”، حين لجأ عدد من التجار إلى إدارة تعاملاتهم المالية الخارجية بعيداً عن النظام المصرفي المحلي لتفادي القيود والمخاطر المرتبطة بالسوق الداخلية.

تخبط المرجعيات

هذا التباين في القرارات المالية الذي يُسلط عليه الضوء مؤخراً يمتد ليشمل قطاعات حيوية أخرى؛ إذ رصدت تقارير إعلامية مفارقة تتمثل في اعتماد الشركة السورية للبترول لأسعار السوق السوداء في تسعير المشتقات النفطية، في وقت يتمسك فيه المركزي بسعر صرف رسمي أقل بنحو 20% للحوالات والمدفوعات الأخرى، هذا التباين قد يؤكد فرضية “مأسسة العشوائية” التي أشار إليها يونس الكريم، إذ تتحول كل مؤسسة رسمية إلى جهة تشريعية مالية مستقلة، تبحث عن تعظيم مكاسبها من القطع الأجنبي أو فروقات الصرف، متجاهلة محاولات توحيد السياسة النقدية.

رهام علي

المصدر: المدن

آخر الأخبار