من الوعود إلى التطبيق.. ماذا تعني التسهيلات الجديدة للسوريين في تركيا؟

زمن القراءة: 7 دقائق

عاد ملف السوريين في تركيا إلى واجهة النقاش خلال الفترة الأخيرة، على خلفية ما أُعلن عنه من تسهيلات محتملة تتعلق بحرية التنقل بين الولايات، وفرص التحول من الحماية المؤقتة إلى الإقامة لبعض الفئات، إضافة إلى الحديث عن آليات قد تتيح للعائدين طوعاً إلى سوريا زيارة تركيا مستقبلاً.

وبينما يُعتقد أن هذه التطورات تعكس توجهاً أكثر مرونة في إدارة الملف السوري، يؤكد مختصون أن نجاح هذه الخطوات يبقى مرتبطاً بتحويلها إلى قرارات رسمية مكتوبة تضمن استقرار التطبيق ووحدة تنفيذه في مختلف الولايات التركية.

التسهيلات الجديدة للسوريين

برز ملف أذونات السفر بين الولايات باعتباره أحد أهم الملفات التي شهدت توافقاً خلال الاجتماعات الأخيرة مع مسؤولي الهجرة الأتراك، وفي هذا السياق، يؤكد رئيس مجلس إدارة جمعية رجال الأعمال السوريين، خالد الصواف، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، أن أبرز التعديلات التي جرى التأكيد عليها خلال اللقاء مع مسؤولي وزارة الداخلية التركية وإدارة الهجرة تتعلق بتسهيل أذونات السفر بين الولايات للسوريين من حاملي بطاقة الحماية المؤقتة، وهو الملف الذي شكّل خلال السنوات الماضية أحد أبرز التحديات أمام السوريين في تركيا.

وذكر أن التسهيلات تستهدف بصورة رئيسية أصحاب أذونات العمل والطلاب الجامعيين، عبر منحهم مرونة أكبر في التنقل بين الولايات، مشيراً إلى وجود توجه لإعادة فتح عدد من الولايات التي كانت مغلقة سابقاً أمام أذونات السفر.

من جهته، أشار المحامي والحقوقي فواز يلماز تكين إلى وجود بعض التسهيلات، رغم عدم صدور إعلان رسمي بشأنها، وتشمل الانتقال من بطاقة الحماية المؤقتة إلى الإقامة القانونية، وبيّن أن الإجراءات شهدت خلال الفترة الأخيرة مرونة متزايدة سمحت لعدد أكبر من السوريين بالاستفادة من نظام الإقامة، الأمر الذي يوفر مزايا تتعلق بحرية التنقل والعمل والاستقرار القانوني، كما أوضح أن بعض التسهيلات المتداولة تسمح لأفراد الأسرة بالحصول على الإقامة في حال كان أحد أفرادها قد دخل تركيا بصورة نظامية ويحمل ختم دخول.

في المقابل، دعا الناشط السوري طه الغازي إلى التعامل بحذر مع هذه المعلومات، مؤكداً أن ما يتم تداوله حتى الآن لا يرقى قانونياً إلى مستوى تعديل نظام الحماية المؤقتة، ما لم يصدر ضمن قرار رسمي أو تعميم إداري واضح من الجهات المختصة.

وتنسجم هذه النقاشات مع ما تؤكده إدارة الهجرة التركية بشأن تنظيم تنقل السوريين الخاضعين للحماية المؤقتة، كما تشير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى أن نظام الحماية المؤقتة يتيح للسوريين الوصول إلى التعليم والعمل والخدمات الأساسية ضمن إطار تنظمه المؤسسات التركية المختصة.

وبين الحديث عن تسهيلات تتعلق بالتنقل والإقامة، يتفق المتابعون على أن الأهمية الحقيقية لهذه الخطوات لا تكمن في الإعلان عنها فحسب، وإنما في صدورها ضمن إجراءات رسمية واضحة تضمن تطبيقها بصورة موحدة في مختلف الولايات التركية.

العودة الطوعية والأكواد

مع تزايد الحديث عن إمكانية زيارة تركيا بعد العودة الطوعية إلى سوريا، عاد ملف الأكواد الأمنية والإدارية المرتبطة بالمغادرين إلى الواجهة، باعتباره أحد أكثر الملفات تأثيراً في فرص الدخول مستقبلاً.

وأوضح طه الغازي، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، أن الجانب القانوني لا يزال أكثر تعقيداً، مبيناً أن معظم السوريين الذين عادوا إلى سوريا، سواء بإرادتهم أو بعد توقيفهم في مراكز الترحيل، فُرضت عليهم أكواد إدارية مثل V-87 وG87، وهي أكواد قد تؤثر بصورة مباشرة في فرص حصولهم على تأشيرات دخول مستقبلية، كما أشار إلى وجود حالات موثقة لسوريين رُفضت طلبات تأشيرتهم بعد عودتهم الطوعية، ما يؤكد أن هذه الأكواد لا تزال تلعب دوراً في تقييم طلبات الدخول إلى تركيا.

وأضاف الغازي أن إزالة هذه الأكواد تتطلب في كثير من الأحيان مراجعات قانونية وإدارية عبر محامين داخل تركيا، وهو ما يشكل عبئاً مالياً وزمنياً، مؤكداً أن هذا الملف يحتاج إلى معالجة أكثر وضوحاً إذا كانت هناك نية فعلية لتسهيل دخول العائدين.

وتؤكد إدارة الهجرة التركية أن العودة الطوعية تُعد من الأسباب التي تؤدي إلى إنهاء الحماية المؤقتة بصورة فردية، وأن إجراءات المغادرة والعودة تخضع لضوابط قانونية وإدارية محددة.

من جهته، قال فواز يلماز تكين إن هناك مؤشرات خلال الأشهر الأخيرة على تخفيف القيود المفروضة على بعض العائدين طوعاً، حيث تمكن عدد من السوريين العائدين من الحصول على تأشيرات دخول من دون ظهور أكواد منع الدخول. وأضاف أن هذه التسهيلات قد لا تصدر بالضرورة ضمن قرارات عامة معلنة، وإنما قد تظهر على شكل إجراءات داخلية لدى السفارات والقنصليات التركية عند دراسة طلبات التأشيرات، معتبراً أن هذا التطور قد يعكس تحولاً تدريجياً في سياسة أنقرة تجاه السوريين، ولا سيما في الملفات المتعلقة بالإقامة والعمل والتنقل.

ومن جانبه، قال الصواف إن هذا التوجه يأتي ضمن رؤية تركية تعتبر أن السوري الذي أقام أو عمل أو درس لسنوات داخل تركيا أصبح معروفاً لدى المؤسسات الرسمية، ما قد يسهل تقييم طلباته للحصول على التأشيرة مقارنة بالأشخاص الذين يتقدمون للمرة الأولى.

وتشير هذه المعطيات إلى أن مستقبل هذا الملف سيبقى مرتبطاً بمدى وضوح الإجراءات القانونية الخاصة بالعائدين، وإمكانية توحيد آليات التعامل مع طلبات التأشيرات مستقبلاً.

بين التصريحات والقرارات الرسمية

رغم الترحيب الواسع بأي خطوة من شأنها تحسين أوضاع السوريين، فإن مسألة التطبيق تبقى محور القلق الأساسي. وفي هذا الإطار، يؤكد الصواف أن المنظمات السورية شددت خلال لقاءاتها مع مسؤولي الهجرة على ضرورة إصدار تعميم مكتوب وواضح يضمن توحيد الإجراءات بين الولايات، ويحد من الاجتهادات الفردية واختلاف التفسيرات.

بدوره، أوضح يلماز تكين، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، أن التعامل مع هذه الملفات يجب أن يتم بحذر إعلامي ومهني، محذراً من تحويل التسهيلات إلى مادة دعائية قد تؤدي إلى ردود فعل عكسية، ويرى أن الإعلان عن أي تعديلات ينبغي أن يتم عبر القنوات الرسمية أو المؤتمرات واللقاءات الصحفية المباشرة التي تضمن وضوح المعلومات وعدم التراجع عنها لاحقاً.

أما طه الغازي، فيرى أن السوريين في الوقت الحالي لا يحتاجون بالدرجة الأولى إلى قرارات جديدة، بقدر حاجتهم إلى بيئة قانونية مستقرة وواضحة، ويشير إلى أن المشكلات التي واجهت السوريين خلال السنوات الماضية لم تكن ناجمة عن غياب القوانين، وإنما عن تفاوت تطبيقها بين الولايات، واختلاف تفسيرها بين الموظفين، وغياب التعميمات الرسمية الواضحة، ويؤكد أن تحقيق “الأمن القانوني” للسوريين بات ضرورة أساسية لضمان استقرار أوضاعهم، سواء كانوا ضمن نظام الحماية المؤقتة، أو من حملة أنواع الإقامات الأخرى، أو ممن حصلوا على الجنسية التركية الاستثنائية.

وبين التسهيلات المعلنة والتوقعات المرتبطة بها، يبقى العامل الحاسم بالنسبة للسوريين هو وضوح القرارات الرسمية واستقرار تطبيقها، إذ إن أي تغيير حقيقي في أوضاعهم القانونية والمعيشية لا يرتبط بحجم الوعود، وإنما بوجود إجراءات مكتوبة وموحدة تضمن تنفيذها على أرض الواقع.

بانة منلا

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار