في زمنٍ تتغير فيه قواعد العمل بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد الراتب الشهري وحده مصدر الأمان المالي بالنسبة لكثير من الشباب.
ومع صعود الذكاء الاصطناعي، واتساع فجوة الثروة، وانتشار قصص الثراء السريع على منصات التواصل الاجتماعي، يتجه جيل جديد من المستثمرين إلى أسواق الأسهم ليس فقط لبناء ثرواتهم المستقبلية، بل كمصدر دخل فعلي يعوّض مخاوفهم من مستقبل وظيفي يكتنفه الغموض.

لكن هذا الرهان المتزايد على الأسواق المالية قد يحمل في طياته مخاطر كبيرة إذا تغيرت اتجاهات السوق فجأة.
يرى الشباب الذين يشعرون بالقلق تجاه مستقبل وظائفهم في عصر الذكاء الاصطناعي أن الاستثمار في سوق الأسهم يمثل وسيلة للتحوط ضد هذه المخاوف، وفقًا لدراسة أجراها منتدى أوليفر وايمان وشملت 300 ألف مستثمر منذ عام 2020.
زخم السوق
غالبًا ما يميل المستثمرون الشباب إلى اتخاذ قرارات استثمارية مدفوعة بالمشاعر والزخم السائد في السوق أكثر من اعتمادهم على الأساسيات المالية للشركات، ما قد يعرضهم لخسائر كبيرة إذا تعثر السوق الصاعد الحالي.
تقول آنا كرياساتش، الرئيسة التنفيذية للعمليات في منتدى أوليفر وايمان: إن العديد من المستثمرين الشباب “لم يعودوا يؤمنون بأن المحطات التقليدية في الحياة ستوفر لهم الأمان”، مثل امتلاك منزل أو البقاء في وظيفة واحدة لفترة طويلة.
وقد أدى سعي جيل “زد” نحو الاستقلال المالي إلى ازدهار الاستثمار بين أفراد هذه الفئة العمرية.
كما أن لديهم شعورًا متزايدًا بالإلحاح لتحقيق المزيد من المال في الوقت الحالي، وهو ما قد يمنح المستثمرين المبتدئين تصورًا غير واقعي حول حجم العوائد التي يمكن تحقيقها من الأسواق.
ما وراء الأرقام
يرى معدو الدراسة أن هذه التوجهات ناتجة عن تداخل عدة عوامل في الوقت نفسه، من أبرزها:
– المخاوف المتعلقة بالأمن الوظيفي في ظل اقتصاد متقلب واتساع فجوة الثروة.
– الطفرة الكبيرة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وما تخلقه من رغبة متزايدة في تحقيق الثراء.
– صعود الذكاء الاصطناعي وما يفرضه من ضبابية حول شكل المستقبل.
– تجربة جائحة كورونا التي أظهرت للشباب أن أحداثًا كانوا يعتبرونها مؤكدة، مثل حفلات التخرج أو المناسبات المدرسية، يمكن أن تتغير أو تختفي فجأة.
قال55 % من المشاركين في الدراسة إن وسائل التواصل الاجتماعي هي السبب الرئيسي الذي دفعهم إلى الاستثمار، وهي نسبة تزيد بأكثر من أربعة أضعاف مقارنة بجيل “الطفرة السكانية.
كما أن نسبة الأشخاص الذين يشعرون بضغوط مالية تضاعفت تقريبًا منذ عام 2022
مستوى الخطر
هذه الفئة من المستثمرين لم تختبر بعد هبوطًا حادًا وقاسيًا في الأسواق المالية، كما أن استراتيجية “شراء الانخفاضات” أو استغلال تراجعات السوق للشراء أثبتت نجاحها بالنسبة لهم حتى الآن.
بيد أن خبراء حذروا من أن كثيرين لا يدركون المخاطر التي قد تترتب على انتشار هذه العقلية بالنسبة للسوق ككل.
إذا جاءت لحظة لم تعد فيها استراتيجية شراء الانخفاضات ناجحة كما اعتاد المستثمرون، فقد يعمد كثير من هؤلاء إلى سحب أموالهم من السوق بشكل جماعي، ما قد يحول تراجعًا محدودًا إلى هبوط أكبر وأكثر حدة، خاصة أن المستثمرين الأفراد يمثلون الآن نحو ربع أحجام التداول اليومية في الأسواق.
في هذا السياق، يقول كريستيان إيدلمان، الشريك الإداري في أوليفر وايمان: “هذه هي أكبر المخاطر“.
نظرة أوسع
يلعب الذكاء الاصطناعي دور “الرفيق العاطفي” للمستثمرين من جيل “زد”، إذ يدعمهم خلال رحلتهم الاستثمارية، بحسب إيدلمان.
ورغم أن أدوات الذكاء الاصطناعي قد تسهم في إتاحة نصائح مالية كانت في السابق حكرًا على الخدمات الاستشارية المكلفة والنخبوية، فإنها قد تُفقد التمويل الشخصي جانبه الإنساني.
في غياب المستشار المالي، قد لا يمتلك المستثمر الشاب محفظة استثمارية تتناسب مع مستوى المخاطر الذي يمكنه تحمله أو مع أفقه الزمني للاستثمار.
ومن ثم، فإن الاستثمار من أجل المستقبل خطوة إيجابية ومهمة بلا شك.
لكن الاعتماد بالكامل على نصائح الذكاء الاصطناعي أو المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي لاتخاذ القرارات الاستثمارية ليس دائمًا الخيار الأكثر أمانًا.
المصدر: أرقام- أكسيوس
